مقام الضيوف


 

 

عبد الحكيم الحسيني

اللوحة تصنع التنافر، إذا لم تحوِ القيمة الجمالية

 

 

حاورته: دعجاء زينة

 

ولأنّ اللون حالة من حالات الروح، نافذة من نوافذ التعبير الجمالي فإنّ اليد المبدعة تصنع الألق من جُمْلة الوجدان تقدّمه كشذى عطر ينسّم من عشب الحقول البعيدة... هكذا يتبدّى عرس اللون في لوحات الفنّان "الحسيني". حول اللون وأبعاده كان لنا الحوار التالي:‏

* ما سرّ اللون عند الفنّان د. عبد الحكيم الحسيني?‏

ـ أجد أنّ اللون يبقى المسعى الأوّل والأخير بالنسبة للفنان المصوّر، نظراً لأنّه أهم أداة للتعبير، مهما كان التيار الذي يعمل به، وأعتقد أنّ الحداثة في فنّ التصوير بمجمله، جرت عبر التجربة اللونيّة إلى درجة أنّ اللون كان شيئاً أساسياً في بعض المدارس الفنيّة. المدرسة الوحشية تعتمد أساساً على اللون وكذلك المدارس الحديثة الأخرى التي أضافت إلى اللون الخامات الجديدة، بدءاً من تقنية الغرافيك أو الخطّ العريض والقاسي المضاف إلى اللون، كما هو في التعبيرية الألمانية، أوإضافة قطع وخامات لصق وكولاج في الاتجاه الدادائي. واستمرت الحالة بين "البوب آرت" والتجريد حيث وضعت لصاقات الدعاية التجارية على سطح اللوحة. هكذا فإنّ اللون كما ذكرنا من أساسيات العمل الفني، وعندما يبتعد هذا العمل عن اللون، يفقد جزءاً من الروح, بل تبقى الفكرة جامدة تحتاج إلى ما يجعلها أكثر اقتراباً من قراءتها للمشاهد ألا وهو اللون. لهذا فإنّ البحث من أينما بدأ أكاديمياً أو مدرسياً أوفنياً.. انطباعياً أو تلقائياً، فإنّ الحصيلة أن يصل الفنان إلى خيارات التجاور اللونيّ والتدرّج اللونيّ، وتحضير الضربة اللونيّة اللازمة لإدهاش العين بصريّاً..‏

إنّ البشريّة انتظرت حوالي 28 ألف عام، كي تستطيع التوصّل إلى التدرّج اللونيّ منذ الإنسان البدائيّ حتى اليوم. وعندما ظهرت هذه الإمكانات الهائلة في إضافة اللون الأبيض إلى اللون الصريح، ليصبح متدرّجاً, وإضافة لون إلى آخر ليصبح مركّباً. وإضافة لون بارد إلى لون بارد آخر ليصبح المضاف الجديد سرياً في اللون. فيتقارب مثلاً الأزرق مع البنّي فيظهر البني المحروق أو الكامد أو البنّي المزرّق. ومن هنا جاءت خيارات مصمّم الأزياء. ومن الدمج الهائل جاءت خيارات التصميم اللونّي في الصناعة. وأضيفت الألوان المعدنيّة أو الفوسفوريّة فأصبحت تصدم العين لكنّها ابتعدت عن القلب.‏

* نلاحظ تصويرك للطبيعة بحرفيّة الفنّان الملتقط بشفافيّة عالية. ما دور اللون ـ الرمز في لوحاتك?‏

ـ أحبّ البحث اللوني في الطبيعة. أخرج إليها، وأستقي من شجرة الزيتون والبرتقال درجات لامتناهيّة من الأخضر. وأجد في ظلها الأزرق والبنفسجي, وفي تربتها الزهري و البنفسجي المحمرّ.. إلخ.. إنّ الطبيعة المحيطة بنا هي مدرسة اتجه إليها الفنّانون منذ أكثر من قرن، وما زالوا ينهلون منها. لكنّها تبقى بالنسبة للفنّان محطة ينتقل عبرها إلى تجارب جديدة وغنيّة.‏

* متى تحصل تلك النقلة?‏

ـ تلك النقلة أحياناً تحصل نتيجة إصرار الفنان على خيار محدّد لونيّ مع الموضوع. لكنّي أريد أن تكون الآفاق أمامي مفتوحة، فأبقى أجرّب، لا أن أضيّق على نفسي بأن يحيط موضوع محدّد بتجربتي، وأن يطاح بتجربتي نتيجة لهذا الموضوع. فمثلاً الحرفيّون يبحثون في محيط الخط العربي. ويبقى المزخرفون ضائعين في دائرة الزخرفة أو الذين يختارون خامة واحدة فيصبحون ملكاً لها. وهذا مقتل للتجربة الفنيّة كما أرى.‏

لتكن المساحة أمام الفنّان عريضة حتى يستطيع أن يتحرّك كيفما يشاء، والتجربة الأولى بين الأكاديميّة والتحرّر منها قد تكون في الخط واللون وغير ذلك. لكنّ التمرّس والمران يعطيان الفنّان المزيد من الحريّة.‏

* إلى أيّ حدّ يمكن أن يطغى اللون على الموضوع، أو بالعكس?‏

ـ عندما تصبح الفكرة أساساً لبنائيّة اللون، وتصبح غالبة ومنتصرة على اللون، أو على أدوات التعبير، فإنّ حالة من القلق أو اللا توافق يحصل بين الشكل والمضمون. وقد وجد الفنّانون الأوائل أنّ الفنّان يفوز بالعمل الناجح عندما يستطيع أن يوفق بينهما. هذا الأمر يبدو أوضح في الأعمال المجسّدة كما في النحت أو العمارة. فالبناء يتحدّث عن نفسه في الخارج، فنعرف ماذا يحتوي إن كان مؤسّسة عامّة أو سكناً أو داراً للعبادة. أمّا اللوحة فإنّها تحوي مكنوناتها الفكريّة، ولكنّها تصنع الصدود أو  التنافر مع عين المشاهد إذا لم تحو القيمة الجماليّة. وكذا، ليس هناك عمل إبداعي برأيي دون الشكل وبالتالي، فالأعمال التي تقع في التعبير الأدبي والسردي تضعف فيها حالة التشكيل المقروء، فالعمل البصري ليس لغزاً لأنّه ينتقل إلى المشاهد عبر الرؤية والإحساس. وهناك صراع بين الفنون البصرية اليوم بفضل العولمة، حتى أنّه لنا أن نتوقع أن تنقرض بعض الأنواع، حيث مثلاً الحفّار الذي كان يستعمل أدوات خاصّة للحفر على المعدن، أصبح اليوم يستعين بالكومبيوتر وتقنيّاته لصنع العمل الغرافيكي، وأصبحت الخطوط تحلّ محلّ الخطاطين، وقد تصبح وسائل التعبير الجديدة بديلاً عن لغة التصوير الزيتي وهكذا... عندما يصبح اللون بلا فكرة، فإنّه ربّما يقول لنا أشياء تتوقف على بداهة ومقدرة المشاهد الذي يريد أن تكون الأشياء سهلة أحياناً، وقد يكون تذوّقه مختلفاً عن تذوّق الفنّان، وهذا لا يعني أنّه لا يوجد لون أو لا يوجد تشكيل، لهذا فإنّ الصيغ التي يضعها الفنّان يجب أن تكون متنوّعة إلى درجة أن تصبح موضع القراءة البصريّة لدى الجميع. وهو الحلّ الذي نعاني منه في المجتمعات التي ليس لديها تجربة بصريّة. فالألوان الصريحة والصارخة تكون أقرب إلى تذوّق المشاهد في منطقة خط الاستواء أو المناطق الصحراويّة بسبب تأثيرات أشعة الشمس. وعين الطفل تختلف عن عين المسنّ. لذا فإنّ الحالات الفيزيائيّة لها علاقة بالتمرّس والمران لدى المتلقي، وكذلك الترقي في قراءة اللوحة التجريدية اللونيّة، فالمساحة الزرقاء أو السوداء وهي عناوين لأعمال معروفة قد لا تعني للمشاهد شيئاً. وقد تعني بالنسبة للبعض استراحة بصريّة يجد المشاهد فيها عودة إلى الذهنيّة والخيال الذاتيين، بحيث يجد نفسه على تلك المساحة. ولا يعني هذا أنّ هذه المساحة تُقرأ تشكيلياً. إنّها بدعة لونيّة من الفنّان. لكن تعدّد الألوان في التشكيل كثلاثة ألوان أو خمسة أو سبعة، تصنع حالة تشكيلية, كلما كثرت الألوان وتدرّجت كلما أصبح التشكيل أكثر تعقيداً...

وإذا كثرت ضربات الفرشاة أصبحت الألوان أكثر حركة وصخباً وضجيجاً. وإذا كانت المساحات ملساء كتيمة فإنّها أكثر هدوءاً. وإذا تعدّدت الخطوط و ثرت فإنّها تستدعي إدراك المشاهد وعقلانيّته، وهكذا، فإنّ التشكيل في العمل التجريدي يطلب حالة من حضور حواس المشاهد المختلفة والمعقدة وحضور الذهن والعقل لقراءة ما ليس يقرأ أصلاً، فالتجريد كما يقول بيكاسو هو تجريد الشكل عن المضمون أو فصلهما عن بعضهما البعض، وبالتالي فإنّ الدائرة الحمراء ليس بالضرورة تفاحة. وقد أراد الرمزيّون أن يعرّفوا المشاهدين بالبعد الرمزي للون، فانتهت المدرسة كتيّار دون أن تنتصر الرمزيّة في الخارج أي في قشرة العمل الفني ومظهره.

 

أعمال الفنان: http://www.tirej.net/index.837.abd-hekim.htm

 

 

www.tirej.net

 

 

 


 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006