سليم بركات

تحذيرٌ بلا وقْف من مغبَّةِ أمرٍ مَّا

 

رسالة عشوائية

بَلَغني أنك تُسْتَنْطَق بالأهوال، وسعيك على قابٍ من الفِقْه يُوْري لك وتُوري له بقدَّاحين من رماد. فما تحصيلك للمنافِع إلاّ كتحصيلك للسَّقْط، وما إيواؤك للدنيا إلاّ كإِطلاقِكَ سراحَها متدفئةً بالتعب فيك. ألا استعجلتَ، والعجلةُ ضرورةُ البقاء في الأمثل من أحوال صلاحك. أَلاَ تماديتَ مُهْمِلاً يقظةً أنت فيها مُنتَدَبٌ على اللاتعيين. قُدَّامك ما فاتَكَ، ووراءك ما يأتيك. فانعمْ بفراغٍ هو حبرُك في التدوين. أما بعد:

للشِّعر مجابهاتٌ في توليد خصائصه على إبرام المعنى ونَقْضه. ونحن، وإن لم نَصِفْه في تصوير اليقين النظري لمراتب القول، نميل إلى الوفاء لمذاهب تأكيد الماهيات بميزان السلب. فتعيين ما هو مُشْكل في اختزال خواصه إلى قاعدةٍ، أو كون (من الكيانية ـ الحضور في نشأةٍ)، يتوجب فيه التقريب بالنظر إلى ما ليس في خصائصة. فإن رُوْمَ تدبيرُ حَصْر للمُطْلَقِ، مثلاً، قيل هو ما لا يتحصَّل بهوية فيها سمةُ الظَّرفية. وإن أريدَ وصفُ القِدَم جوهراً قيلَ هو ما لا يتوجَّه إلى عَدَمٍ ولا إلى وجودٍ. فاعْلمْ أننا إذا أخذنا الشعر بآلة التحديد نَحَوْنَا إلى تأكيده صحَّة بعافية نقيضه، فقلنا: الشِّعر هوما ليس بنثر. أي: عولنا على السَّلب في الاجتهاد المحمود، بلا غلواء ـ على مذاهب اليقينيِّين في ترتيب المدارس وسَنَنِها ـ يُحَرِّف قصدَ السعي العقلي إلى كشوفٍ فيغلق الممكنات على حاصلٍ منها. فيما موجبُ العقل في تشريع القواعد أنه يسنُّها على حكم احتمالاتها، وسيروراتها، بلا إبرامٍ نهائيٍّ لا يترك لأيِّ عقلٍ "قادمٍ" نجابَة السلوك إلى عقدٍ جديد مع المعاني.

للنثر خصائصه المبوَّبة على أغراضٍ ولغات. ونعني باللغات البيانَ المتَّصف بتمهيد المعاني لضرورات القول حذاقةً، وتدبير أحوال المطابقات اللازمة بين الفكرة ونسْجِها قولاً. فماذا يكون الشِّعر، إذاً، مادام النقيضُ معلومَ الصفة والحال، والقوام؟. إنه، قطعاً، ذلك القول الذي لا يُنْجِد العقلَ ـ المتَّصِفَ بترتيب المعقولات على نسق الشهادة اللسانية ـ كي يحظى بتبعية إضافية من مناسك البيان. وهو المجابهة بالحيلة لِمَا لا يقدر النثر على توليد قصدٍ له، مادام النثرُ هو مجابهةُ القصد للمعاني الموكلة بمنافع المخاطبة تدويناً ومشافهةً.

أأجملنا الأمرَ على تحديد مَّا؟. ذلك مالا مستطاع لقُوى النَّظر على إبرامه، لأن المسألة كلها خصيصةُ ذوقٍ إنشائيٍّ، كما في علم التسليم الموقوف على الإشارات المتعيِّنة عن علل.

اللَّحم وَصْفاً

وجارية لم تملك الشمسُ نظرةً        

 إليها ولم يعبث بجدَّتها الدهرُ

سقيمةُ لحظٍ مادرتْ كيف سُقمه     

وساحرة الألحاظ لم تدرِ ما السحرُ

وماجت كموج البحر بين ثيابها        

يجورُ بها شطرٌ ويعدُ لها شطرُ

إذا وصفتْ ما فوق مجرى وشاحها  

غلائلُها ردتْ شهادتَها الأزْرُ

ليس هذا بوصفٍ يؤبه له في مجاري القويِّ من غَرَض الوصف، كالذي للبحتري المعقودة له غاياتُ المرتبة أباً عن جد في مناهجها. لكن مسالك الظرافة توجب لفتةً إلى "وماجت كموج البحر"، في ابتكار الشاعر أشْجَعَ السَّلمي المدَّاح المُكْثر. فإن كانت الأنثى مجلبة تشبيب، على دارج المأثور الجمالي الأسبق، بمقام تعطَّفها رقَّةً، وقيامها تؤدةً، وانكسار لَحْظِها على شهوات الخِلْسة،ونحول قليل هو اعتدال الجسد في تدبير الجاذبية للجوارح، فإنما هي ـ في التخصيص المُحْدَثِ على لسان أحد المُحْدِثين ـ تستوفي جواز نقلها إلى الوصف المرغوب إطراءاً بقَدْرِ رَبْرَب لحمها (والربْرَبُ: قطيع بقر الوحش) يتماوج مرتقياً العظامَ في الحركة، أومنحدراً في الحركة، بحسب إندفاعة الجسد إلى غاية جهته قياماً، وقعوداً، واستواءاً، من غير أن يُخِلَّ التماوجُ بميزان أشطُره، لأن المتناظرات المتناسقة، على مقادير الكتل وأثقالها، يمنع بعضُها بعضاً من الغلواء، والَّرمَح، والخفض، والقِوامة (المفاضلة قيمةً).

قد يرى رايٌ أن تماوج الجارية لا يُحتَسَبُ، بالضرورة، في كنايات المتطابق المتواشج من اللحم المكتنز. فلربما ألمح الشاعر إلى أبعد من حركة العضويِّ، مادام تشبيهه البليغ، بالرغم من تعيين الكاف، يطاول الباطنَ أساساً. فهو يخلص إلى تماوج تحت الثياب، مستورٍ بالتصريح. فهل اللحم يتماوج هناك، أم الجوارح بصدور الحركة قويَّةً من جهة النَّفْس؟.

أشجعُ السَّلميُّ معدود في "أخبار الشعراء المحدثين" لأبي بكر الصولي. ولأنه مشمول بلفظ "التحديث" على عُهْدةِ الزمنيِّ وليس اصطلاح أيام دخول الجماعات كنفَ الآلة وقرباها، في القرنين المتأخرين، فهو موضع "ريبة" الناظر بيقين إلى منهاج الأغراض، ومراتبها المستقرة بجلاءٍ على سطور التصانيف. فما الذي ألهم شاعراً أن "جارية تموج كموج البحر بين ثيابها"، على مجازٍ كان أم تصريح؟. إنها الريبة التي تتقدَّم "الإحداث" صادراً عن العقل، أو الوجدان، بالمبالغة المارقة معنىً في اللفظة نفسها، لأنَّ ما من شيء، أو فعل، أو جسم، يستقيم له "الحدوثُ" عن مخلوق. وبالنظر إلى هذا العنصر البعيد، أي النشأة العربية على رد "الحادث" إلى مرجع إلهيٍّ واحد أوحد، يستقيم ـ ربما ـ إجمال التعارض بين الذائقة "الجمعية" والشعر "الحديث"، مذ اختار الشاعر لنفسه صفات المزاحمة على القدرة، مثل :المبدع"، و"المُبتَكِر"، و"الخلاَّق"، فأسَّسَ فراغاً أوَّلَ في قوام معناه هو ـ معنى الشاعر، كونه يزعم الإنشاء من عدم، فيما ينحو بنفْسِه الإنشائية (التأليف) إلى اختيار مراتب في اللغة هي الأسهل متناوَلاً.

هذا في النظر من العامَّة، التي تباهي بالمُتحصِّل البلاغي في أشعار الفحول، وندماء الفحول، وأقربائهم، في المفاضلات الموجبة، سلفاً، لتسخيف التجاريب اللاحقة في أطلس الشعر. لكنها مباهاة على كثير من الإدِّعاء المُتوارَثِ تلقيناً. فالنَّفاجون بقولهم في تمييز الركيك من المُحْكَم، ذوقاً، لا يحسنون قراءة سطر واحد من عصور الشعر مجتمعةً بعروضها، من الجاهلية حتى مطلع بدعة "النهضة"، إذا لم يتوافر ضبط الألفاظ بالشَّكل (وضع الحركات على الحروف)، مع قائمة من شروحها في الحواشي، وهو ما لا تتوسَّمه القراءة في "القريحة" الحديثة، على أية حال.

عُجم الزبيب، وعَجَم الناس

للقراءة الأعجمية في الشعر العربي ضربٌ من الرسوِّ على التقطيع العروضي تصويتاً (ليس بمعنى التصويت للمرشحين بحسب لغة الانتخابات، بل إحداث الصوت من الفم)، وأعني بالقراءة النطقَ، لا النَّظر. هكذا كانت حال الإقامة تواصلاً من العقل الكردي في قدسية اللغة العربية، كأم منجبة لوعْدِ الدِّين خلاصاً. ولربما صارت القراءة،في التجويد المُستحبِّ المُنْسحب من الكتاب الكريم على ما فيه غلبةُ الضبط الإيقاعي، كالشعر، خاصية التقرُّب من اشتراع آباء الدِّين تحبيب المَخْرَجِ منغوماً في الحروف، والمجاهرة بالترخيم في التلاوة، لأن "حساسية" التماثل من عِرْقٍ غلبتْ عليه ديانةُ الآخر، برضىً واعتقادٍ، تمهِّد نازع المضاهاة، في صوغ قبوله، وتثمينه، بقياس التَّماميَّة الأصلية، وسَنَنِها أصولاً وفروعاً، فرضاً كفاية، ونوافل.


المفتي أحمد

المفتي أحمد، إمام المسجد الكبير في القامشلي حتى أواسط ستينات هذا القرن، خلص في ترجمته لأشعار المُلا الجزيري (نسبة إلى الإقليم الحاصل بين متوازيَيْ دجلة والفرات، في الشمال الشرقي من سورية)، إلى العربية، بالنقل العروضي إلى رفاهية التقطيع الصوتي، بحسب قراءات المتداولين للكتاب المطبوع على نفقة المفتي، مجلداً كريمَ الدَّفتين، نقيَّ الأختام، رصين الغلاف، فيه مدخل عليه صورة المترجم المُعمَّم بسطرٍ تحتها:

وضعتُ رسمَ خيالي في الكتاب   

عسى يكون تذكرةً والجسمُ مقبورُ

في الأرجح، عوداً بالذاكرة الخيالية إلى ستينات القرن، بلا راهن مرجع راهن، أن الكتاب لم يكن ترجمة بالمعنى الحرفي، بل جُمعت أشعار الجزراوي (هكذا لقبُه، نسبةً، في الفصحى الكردية) بلغتها، وثُبِّتْت كل بضعة سطور في صفحة، وجُعِلَتْ حواشيها ترجمةً ـ شرحاً إلى العربية.

أشعار كردية في عروض عربي. ترجمة في عروض عربيٍّ. توافقت الألفاظ على نَسَب التفاعيل لتخرج من أعجميَّتها إلى المعنى الكونيِّ: شاعر متصوف من نواحي الفراتيْن، هواه في مكة، وقلبه في بوطان. علَّتُهُ حرف يستقيم به خيالُ روحه. يكتب بحروف عربية، وعروض عربي، ويضمِّن أشطرَهُ مجزوءات من المصكوكات الدينية العربية الصِّرفة. فيما كان المترجم المفتى، اللاحق بالرفيق الأعلى من أيامه تلك،يقرأ خطَبَه من على المنبر بلكنة أعجمية يُغَالبها المدُّ، والتخفيف، واللِّيْن، كأنما حقٌّ أن دواء الأعاجم تلييْنُ المُنخفِض في اللغة، كمثل عُجْمِ الزبيب تتداوى بدقيقِهِ المرأةُ فيشتدُّ عضلُ فَرْجها إذا تراخى (العُجْم، العَجَم، العجام: النوى في كل ثمرٍ يؤكل)، والزبيب منه، تحديداً، موصوف في علوم الملك المظفر يوسف بن علي بن رسول الغسَّاني التركماني، صاحب اليمن، المتوفى سنة 694 هجرية. ومن تآليفه: "المعتمد في الأدوية المفردة".

 

www.tirej.net

 

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006