الشجن الثقافي


 

 

 

وضعتُ غصناً مزهراً من شجرة لوز، قرب رأس عرَّابنا، الذي صار في ضمير الظلال..

محمد نور الحسيني



لقد حمل الملا قهقهته..
آثرأن يترك مقعده شاغراً.. توقعت أن أراه حاملاً فنجان قهوته من المقهى القريب إن تأخر عليه النادل.. توقعته يخوض حديثاً شيّقاً في تأريخ مفردة أو اكتشاف قصيدة أو قراءة نص جميل، إذ قلما يطعن في نص ذي سوية متهافتة، فلطالما آثر مذهبه النقدي الارتجالي في أن قدر الكتابة الرديئة هو إهمالها، نائياً بنفسه عن السلوك التشهيري المقيت.. كان ذلك قبل سنين حين عاد صاحبي من إجازته القصيرة، قال لي بعبرة مخنوقة ارتسم خيالها في عينيه: لم أتوقع أن أرى مقعده شاغراً، لقد أسرعت متلهفاً، إذ وصلت إلى مكتبته، فما إن تطأ قدماي وسط المدينة حتى أبحث عنه.. عمن أرمم ذاكرتي عبره أتزود للأيام التي سأمضيها بعيداً عن المكان الأول، وكأني أتمثل بيت أبي تمام الشهير كم منزل في الأرض يألفه الفتى... كنت أتصوره مصحوباً بدخان سيجارته التي يفضلها من التبغ التركي.. ربما أرى شاربيه أكثر شيباً.. نظراته أكثر ذبولاً.. ربما التجاعيد ازدادت.. ربما.. ربما.. لكنه خيب كل توقعاتي، بدد كل التفاصيل التي وددتها أن تكون بديلاً عن الغياب، كانت حجرته الصغيرة على امتداد الشارع العام معهداً رحباً، تخرجت منه مواهب عديدة؛ صبر عليها الملا ردحاً من زمنه الخالي من الألوان..؛ ربما استثنى هنيهات قليلة.. يؤثر بها مزرعته الصغيرة في أقصى المدينة، يلوذ بركنه الأثير منها الذي أطلق عليه اسم – buhara rengîn - فكان يحرص على ورود هذا القسم بهوس غريب في معظم أيام السنة، حتى ظننت أن حياته مقسمة بين حجرته وركنه المفضّل من المزرعة.. لا ياصاحب لاتخش من الوحشة،  فكلما عزّ صاحب فإنه كالكتاب وإنك لواجده، متى اتجهت إليه وأصفى ماتبصره في ليل يضيئه قنديل أصفر؟!!.. جلّ عمره كان قد وهبه لعشه.. لحجرته.. فمن هناك كان يمارس أبوته الروحية على جيل بكامله ممن مسه عالم الأدب ولايهمه إخلاص المريد، إذ نادراً مايشعر مجالسه بمرتبة الأستاذ، وكثيراً ماينشرح صدره في حضورنا، فيترنم بأبيات من شعر القطب الجزيري أو ملاي خاني أو سيداي جكرخوين، ولا تنفد جعبته، تسعفه ذاكرة خصبة، لطالما التأمنا حولها نغرف منها.. كم من مفردات كردية حملناها إليه فيشرحها تشريحاً طيباً متلمظاً، كأنما يتلذذ بطعام فردوسي، تعقبها ترشفات من صديقته الأثيرة السيجارة، طيها نظرات في فقه اللغة، تزن نظرات المختصين.. وهل بالإمكان أن تنتشل نفسك من مجلسه؟!! إذ يبحث عن ضالته في الجيل الجديد من المهتمين بالأدب عموماً والكردي خصوصاً، ولطالما كان يشير بيديه إلى رفوف مكتبته مبتسماً: انظروا إليهم هذا هو العقاد وهذا طه حسين وذاك المازني وهذه الشوقيات وهذا جبران وذاك نعيمة وإليكم أدونيس وتلكم الملائكة!!.. أين ستجدون لكم المكان؟!!.. كم من جهود ليقر أحدهم بسطر عنكم!!؟ ويردف: ولكن هناك في صفوف أخرى، صحيح أنها الآن في الظل.. فثمة من الجديد الشهير قليل وكان يحصي جكرخوين وأسماء قليلة كان يستفزنا بطريقة لطيفة أحياناً وأحياناً برؤية جدية يحثنا على أن هذا اللسان ينتظر همماً شابة لخدمته؛ كان معجباً بالأدب العربي وأعلامه نظراً لدراسته الأولى في المدارس الدينية. لكن إعجابه كان يشع حين يقرأ لشاب يكتب بلغته الأم، ولا غرو أن يشيد به كل الإشادة، لعله يساهم في صناعة نموذج ينطلق في فضاء رغباته وأحلامه التي ودها يوماً ما في شبابه الآفل. الآن بعد هذه السنين يقر صاحبي في حضرة الغياب بأن هكذا نمط من الرجال كان يحيا في ظلال الفراسة بدعوته للكتابة بالكردية، أذكر قوله إن العربية لسان ثري مصون في لوح محفوظ.. فهو في غنى عنكم.. عليكم أن تلتفتوا إلى لسانكم.. هنا في رفوف الظل ستجدون لكم متسعاً.. في يوم ستشرق فيه شمس هذه الكتب وستخرجون إلى النور، أما الآن فأين أنتم، لافي الظلال ولا في النور، تراوحون في منطقة وسطى.. منطقة الرماد.. منطقة الحيرة..!! .. كان ما إن يطمئن إلى جلوسك أو حتى إصغائك وأنت متكىء إلى واجهة حجرته في وضع المستعجل العابر، حتى يستل واحدة من الجديد المطبوع بطريقة الفوتوكوبي، والتي كان يتكبد من أجل توفيرها عناء وعنتاً.. كان هو نفسه مكتبة متنقلة حيثما وجد إلى ذلك سبيلاً؛ فهذا النوع من الكتب الذي كان سرياً وعزيزاً يوماً ما، تجده مبثوثاً في حناياه.. في جوارحه يباغتك به مباغتة العارف الجميل، إذ ينشر عبقه في الخواطر والأفئدة..

إليه يرجع فضل كبير في ترويج الكتاب الكردي، سواء المكتوب باللغة الأصلية أو المترجم إلى العربية.. أجل إن للملا ديناً في ذمة جيل من المهتمين بجمال الحرف وصناعته، لعلنا نتذكره، وفي تذكره بعض من ردّ هذا الدين وختم صاحبي: ولما أيقظني اليقين من سرحي ورأيت السابلة كعهدي بهم يسرعون إلى الوهم مسربلين بالانكسار.. تأكدت أن الملا لن يمد يده إلى كتب في الظلال.. لن يترنم بعد اليوم بشعر الجزيري، ولن يدلي بآرائه الأدبية ذات الفراسة اللافتة، ولن تقرأ ملامحه ونظراته وحركات شفتيه فقد كان كل مافيه ينطق بالغاً ذروة الانتشاء مع الكلام الجميل.. كيانه كله كان يستغرق التلاوة في انسجام وتألق توأمين!!.. وإذ تأكدت أنه قد أغلق الباب من ورائه؛ زرته – كما ينبغي – لكن.. لأضع غصناً مزهراً من شجرة لوز قرب رأس عرابنا الذي صار في ضمير الظلال..

 

 

www.tirej.net

 

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006