مواضيع أخرى


 

 

 

ميّة الرحبي

ماذا فعلتم بأبنائنا؟

 

حضرتني مشاهد متعددة رأيناها على شاشات التلفزة عن الثورة الثقافية في الصين، مشاهد مؤلمة جارحة لطلاب يقودون أساتذتهم في مسيرات ضخمة، وقد ألبسوهم الطراطير، ووضعوا لافتات على أعناقهم يصفونهم فيها بأقذر وأشنع الصفات، ومشاهد أكثر إيلاماً لبعض الطلبة وهم يبصقون ويلكزون الأساتذه، بل ينهالون عليهم ضرباً بالأيدي والهراوات وكل ما تحمله أيديهم، ضرباً وصل إلى حد قتلهم في بعض الحالات. حضرتني هذه المشاهد، وأنا أسمع شهود عيان وصفوا لي ما حدث في ساحة المرجة ـ الساحة التي كانت فيما مضى رمزاً للحرية وللعزة الوطنية ـ يوم اعتصام المعارضة السورية للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وإلغاء حالة الطوارئ والمحاكم الاسثنائية، والمساواة بين جميع المواطنين أمام القانون، وإقرار حق الجنسية للمواطنين الأكراد السوريين، وضمان حرية التعبير وحرية العمل المدني بإصدار قانون جديد للأحزاب والجمعيات، أي مطالب داخلية تعبر عن رغبات وآمال كل مواطن سوري. يبدو أن الأجهزة الأمنية قد وجدت في الأسلوب الذي اتبعته في تفريق آخر اعتصام يحمل نفس المطالب، يوم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،في 10/12 الماضي، وذلك بـ "تدفيش" ونعر المعتصمين ودفعهم بعيداً عن ساحة الشهبندر، التي كان مقرراً الاعتصام فيها، أسلوباً لم يعد ملائماً للعصر، لأن الضغط العصبي الذي تحمله أفرادها كان أكبر من طاقتهم على الاحتمال، فقد أجبروا أنفسهم على عدم ضرب ورفس وجر وشحط واعتقال المعتصمين، كما يليق بتاريخ الممارسات الأمنية، وبـ "قلة أدب" أي صوت يجرؤ على المعارضة والمطالبة، فاكتفوا يومها بالصراخ في وجوه المعتصمين: "ياللا امشي من هون ياللا، اللي مالو شغل يمشي من هون"، مع بعض التلويح بالهراوات، والدفع، وتمزيق اللافتات، وضرب بعض الشباب "الوقحين" الذين لم يمتثلوا للأوامر، أما الرجال كبيري السن والنساء، فقد اضطروا للانسحاب بهدوء دون أن يستطيعوا الوصول إلى الساحة والاعتصام أصلاً. تفتقت عبقرية أحد العريقين بالإبداع الأمني، وخطرت له الفكرة الجهنمية: لماذا لا نستخدم الطلاب الجامعيين البعثيين لإداء المهمة بدلاً عنا؟ خاصة أن هنالك تجربة ناجحة سابقة في هذا المجال جرت في جامعة حلب عندما اعتصم قبل حوالي عام بعض الطلاب بشكل هادىء وسلمي للمطالبة بمراجعة الدولة قرارها في عدم التكفل بتوظيف المهندسين بعد تخرجهم، في ظل البطالة التي تعصف بشبابنا اليوم، وخاصة خريجي الجامعة منهم، فكان أن قام بعض الطلاب البعثيين والناشطين في اتحاد الطلبة، حسب شهادة المعتصمين آنذاك، بمهاجمة زملائهم، وضربهم ضرباً مبرحاً، وكانت النتيجة أن كوفىء المهاجمون الذين عبروا عن ولائهم الكامل، في حين لم تكتف السلطة بتأديب المعتصمين بضربهم ذلك اليوم، فأحيلوا للتحقيق في اتحاد الطلبة ـ لاحظوا هذا العبارة، حيث تحول اتحاد الطلبة فرعاً للتحقيق ـ وعوقب بعضهم بالفصل من الجامعة فصلاً نهائياً أو مؤقتاً، مع تأنيبهم وتوبيخهم وتهديدهم في حال عادوا لمثل تلك الأعمال، واعتقل فيما بعد بعضهم، وأحيل اثنان من الطلبة إلى محكمة أمن الدولة ـ تخيلوا: محكمة أمن الدولة ـ ليحكم عليهما حكماً مجحفاً، بالحبس ثلاث سنوات مع الأشغال والتج ريد من الحقوق المدنية.

إذاً، نجحت التجربة في حلب، واستطاعت الأجهزة الأمنية تحريض الطلاب، كي يقوموا بالدور الذي كانت تقوم به، وبذلك لا يمكن القول أن الأجهزة الأمنية قد لوثت يدها بضرب الطلاب في الحرم الجامعي. لقد استوقفتني تلك الحوادث المؤلمة كثيراً بتداعياتها المرّة، لأنها كانت خلاصة السياسة التي اتبعت عقوداً لتربية أطفالنا وأجيالنا الشابة، بدءاً من الانخراط الاجباري في منظمة الطلائع، ومن ثم الشبيبة، ثم حزب البعث في مراحل الدراسة المختلفة، بحيث يتحول الجميع إلى قطيع واحد يردد صوتا واحداً، تسمعه من مايكروفونات المدارس بجانب بيتك، لشعارات تردد بآلية دون أن يفقه مرددوها معناها ومغزاها، بل يتبارون فقط في رفع أصواتهم إلى أقصاها، وإذا تراخوا في ذلك تسمع صوت المشرفة، وهي تحثهم على الصراخ، ناعتة إياهم بأقذع الشتائم، بحيث تخال نفسك ساكناً بجانب حديقة حيوانات، لامدرسة. في الصباح الباكر تلبس الأم طفلها ثياب المدرسة، وعندما تضع الفولار الطلائعي قيداً حول عنقه، يدرك الطفل أن ذلك القيد ليس حول عنقه فقط، بل حول لسانه وعقله، فيخرج من البيت وقد ترك وراءه جنته الآمنة، ليدخل إلى عالم الرعب والقمع، متذكراً وصايا الوالدين بألا يتفوه بكلمة مما يدور في البيت من نقد لأوضاع البلد، في حال زل لسان أحد الوالدين بكلمة أمام الأبناء. يدخل الطفل باب المدرسة مسلحاً بكل الحذر الذي أدخله الوالدان إلى عقله الصغير، ومنذ اللحظة الأولى، يتذكر أنه في المدرسة مواطن من الدرجة الثانية، فهو لا يعامل مطلقاً كما يعامل ابن المسؤول المدلل المغفورة أخطاؤه، ومهما اجتهد في دروسه فهو يعرف أن أبناء الحظوة من أبناء المسؤولين وأقرباء المعلمات والمعلمين، سينالون دائماً الصدارة في العلامات، كما يستنفر حذره كاملاً من الوشاة الذين توظفهم المعلمات والإدارة، لمراقبة زملائهم، و"تقديم التقارير الشفهية فيهم"، ليكافأ الواشون، ويدللوا أكثر، ويعاقب من شاء له سوء حظه مخالفة الأنظمة المرعية، بما في ذلك قول الرأي الآخر، أو معارضة السائد أو وجود خلاف شخصي مع الواشي، ويتطور الأمر مع تقدم الطالب في الدراسة لتتحول التقارير إلى مكتوبة، ولتزداد الحسرة والمرارة في قلوب الطلاب وقد بدأوا يدركون أكثر حجم التمييز بين ابن الست وابن الجارية، وليزداد الحذر أكثر، وبالتالي الفصام الواضح بين البيت والمدرسة، ويبدأ الطالب حفاظاً على وجوده بغريزة البقاء الفطرية، التمرس في الكذب والانتهازية، فيقدم طلب الانتساب إلى الشبيبة والحزب طواعية. وأملاً في مكافآت الموالاة، من علامات أكبر وفرص أكبر، بات الأهل أنفسهم لا يخجلون من إرسال أولادهم إلى معسكرات الشبيبة!.

* ناشطة في لجان إحياء المجتمع المدني في سورية

 

 

www.tirej.net

 

 

 


 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006