مقام الضيوف


 

 

جواني عبْدال

التراث الكردي، صافٍ وخالص من شوائب الآخرين

 

حاوره: خـورشـيد أحـمد

 

* هل توافق على مصطلح القصة الكُردية في سورية؟

- بالتأكيد نوافق على مصطلح "قصة كُردية"، وهو الآن يحبو في خطواته الأولى، وكلنا يطمح أن نكون جديرين به، وكلنا أمل إلى أن نرسي دعائم لهكذا مصطلح أدبي، ونزيد لبنة في أساساته، وكل حسب جهده، رغم الفترة الزمنية القصيرة التي نما فيه، من جراء هامش طارئ، والذي استجد على الساحة الأدبية، والمشهد الثقافي في الجزيرة السورية مؤخراً، والتي يشغلها هم كُردي / قومياً وإثنياً/ كمجموعة بشرية لها خصوصيتها ومعاناتها الخاصة.

رغم نسبية هذه التسمية وهذا المصطلح وعدم وضوح معالمه أيضاً، ولعدم شفافية لونه وشكله والمهتمين به، منذ فترة ظهوره النسبي، والذي لم يتجاوز عقداً ونيف، ولكن، هذا الكم الذي ينشر في صفحات الصحف والمجلات أو في الكتب وغيرها اليوم, إلا دليل عن نشوء حالة ابداعية، ومن الواجب اطلاق اسم عليه, وما غير مصطلح القصة الكُردية في سورية يفي بالغرض.

نعم نوافق على مصطلح وتسمية: أدب قصة قصيرة كُردية، لأنها بكل بساطة تكتب بأياد كُردية وعن بعض هموم كُردية، اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية وما استجد منهما.. ماضياً وحاضراً ومستقبلاً, عن معاناتهم وواقعهم وبيئتهم وشخوصهم, طرائقهم وطرائفهم.. الخ.

* هل تعتبر نتاجات الأدباء الأكراد الذين يكتبون بالعربية جزء من الأدب الكُردي ..؟

- نعم .. يمكن اعتبار نتاجات الأدباء الأكراد الذين يكتبون بالعربية جزء من الأدب الكُردي ..، أما لماذا .. لأن هذا هو الممكن، وليس من خيار آخر أمامهم، وسنعذرهم (الأدباء) على ما هم فيه، على هذا فمن حقنا أن نعدهم ونحسبهم منا ـ استثناءَ لعدم تمكنهم من لغتهم، وإلا لما كتبوا بلغة أخرى أجنبية, ولكنك فيما تقرأ تحس بالشخصية والبيئة الكُردية, وتتلمس الأحاسيس والأفكار ونمطيتها التي تبدو بألق جلالها في حيزهم مزهواً.. نعم يكتبون بلغة غريبة - أجنبية ولكنها مفعمة بكُرديتها سيرة وأفكاراً وومضات..الخ.

بالتأكيد وذلك لأسباب موضوعية لها مسوغاتها, لعدم وجود مدارس للغة أو معاهد تعلم اللغة والأدب الكرديين وغيرهما، كما لعدم توجه فعلي لهما، حيث لا كتب ومنشورات منتظمة.. وهما اللغة والأدب محظوران.. ويضيق الخناق عليهما من جانب الآخرين، فكيف بالله.. سيتم التعامل بهما ولا وجود لهما لا عامودياً ولا شاقولياً.

والأديب الذي يحاول أن يكتب وينشر بلغته هذه.. تعييه الحيلة لعدم تمكنه من لغته: كتابة ومصطلحات وغيرهما، فيلجأ مرغماً إلى الكتابة باللغة العربية المفروضة أو غيرها حسب تواجد الكُردي، والتي حسب المقولة: "حين يأتيك المخاض وتود أن تلد.. ولا تلد إلا مشوها"، والتي يستطيع أن يبدع بها دون أي تكلف وعوائق زائدة، لأن ما نتعلمه في المدارس بتدرجاتها الإعدادية والثانوية وكذلك من خلال البرامج والمسلاسات التاريخية الإذاعية والتلفزيونية والتي تنطق باللغة العربية الفصحى، والتي تجبر المرء على تعلمها لكونها لغة كتابة وفكر، وهي للحقيقة، دون مجاملة ومجافاة غنية بترادفاتها، لذا يبرع المرء بها سريعاً ويتعلمها، ولا يجد مشقة بالقول والتفكير والتعبير بها.

نعم نعتبره جزء من الأدب الكُردي، وما ينتجه الكردي قومياً، وكمثال اننا نقرأ بعض النتاجات الأدبية العالمية مترجمة عن أصولها بلغة من اللغات الحية، فهل نعتبرها على أصلها أم في حلتها الجديدة..؟، فهل نقرأ يوربيدس وأفلاطون وشكسبير وموليير ودستوفسكي وسرفانتس..الخ، فلمجرد أن لهم ترجمات باللغة العربية، وبمجرد أننا كنا نقرأهم بلغة عربية، فهل نعتبرهم عرباً؟، بالتأكيد لا، ونحن.. وبالنسبة إلى الكتاب الكورد، نعرف سلفاً علتهم وأسبابهم الوجيه جداً والموضوعية.. وكمثال حي عن التجربة الفرانكفونية المتداولة في المغرب العربي الذين يكتبون باللغة الفرنسية أدباً ولنطلق عليه "أدبا عربياً".

ولقولنا إننا لسنا ضد اللغة.. أية لغة كانت، فمادامت تعبر عن الذات والخاصية الكُردية بحق - تجاوزاً عن هذا المقدور - من ناحية أخرى.. أفليست اللغة العربية هذه أو اللغة التركية أدبية؟، ألم تعمل بها كسابقة في بداية مشوارهم الحضاري - الدولة الأموية في تدوين ما لها بلغة الدواوين باللغة الفارسية، وكذلك الدولة العثمانية في دواوينها باللغة العربية، والمراسلات الرسمية أو من بعد اللاتينية.. كلغة للكتابة والتدوين؟، وإلى هنا دون ذكر هذه المقولات.. والآن كل الدول العالم تمارس وتتعاطى اللغة الإنكليزية في مجالاتها بكل إلفة ومودة ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً.. الخ .. وهذا ليس عيباً أو نقصاً في شيء كما أعتقد.

* كيف تنظر إلى واقع القصة الكردية في سورية؟

- كيف ننظر إلى واقع القصة الكردية في سورية.. وهي لم تبصم بعد لها شكلاً ومضموناً خاصين بها؟، وذلك تأويلاً على الفترة القصيرة نسبياً التي ظهرت بها، وقلة المهتمين بها أصولاً، ولكن كيف ننظر إلى واقعها ماضياً أو مستقبلاً، ذاتا أم موضوعاً، وهذا هو السؤال المضاد؟، ولابد أن كل ذلك متعلق بالمشهد العام والواقع الذاتي للكتاب.

وبالتأكيد يتبع ذلك الجو العام سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، بعدما استجد المشهد الثقافي وأفرز ما أفرز على الساحة الأدبية، ولم تتوضح بعد معالمه والقيمون المبدعون عليه؟!.

وبموجز.. أن في هذا السؤال تشتت في طرحه، لأنه يحتوي على ثلاث أسئلة، وهي  واقع الجو العام كردياً، وعربياً، وواقع الكتاب ومعاناتهم: آلاماً وآمالاً، وواقع القصة موضوعاً وذاتاً.

* كيف تفهم معادلة التواصل بين القاص الكردي وقارئه في ضوء الأمية التي تعصف بالأكراد السوريين، ودور اللغة في توازن هذه المعادلة..؟      

ـ بالتأكيد قبل كل شئ نشير بأن هناك معادلة ناقصة ومن كل الأوجه:

أ ـ بين اللغة الكردية واللغة العربية..

ب ـ بين الكاتب والقارئ الأمي للغته..

حقيقة تعجز اللغة وحدها في استدراج القارئ إلى القراءة والتثقيف، لابد أن ذلك يتبع نهضة المجتمع والواقع المعيشي اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وهو المهم هنا بشكل خا ، والمستجدات الفكرية والثقافية بشكل عام.

وقد يشتط بي الجواب لأقول: ليس هناك تواصل بين الكتاب معاً، بمعنى هل يقرأ الأديب نتاج كاتب آخر وما يصدر أولاً بأول، ويأخذ عمله محمل الجد والمثابرة، كنبراس يهتدي به لتوحيد المفاهيم والرؤى ليأخذ الأدب الكردي شكلاً وخاصية يعتد بها، ولو سراً في خلوة ذاتية آنية هاربة من ديمومتها، وهذا ليس إحباطاً مني، بقدر ماهو رصد لواقع مؤلم.. لأننا شعب لا يقراً.. كما قيل في شعب آخر أكثر استقراراً وموردا وهَماً.

هي حقيقة مرة؛ يظهر بجلاء أن هناك ضعف في اللغة الكُردية ـ مفردات وقواعد نحو وصرف ـ وأيضاً مصطلحات اللغة الكتابية من مقالة أو قصة أو رواية، ولكنها قد وفقت في الشعر بعض الشيء، التي ليس لها كثير من الترادفات وبعض الواقعية، كما لغيرها.. وكما قيل أن مستقبل أو نهضة ـ اللغة في مجموع الأمة يتوقف على مستقبل الفكر المبدع أدبياً ورهن الابتكار فيها، وهذا يقع بالدرجة الأولى على عاتق أدبائها.. الخ.

ومعروف عن البعض ـ بل الأكثرية ـ الكسل القرائي والتعب الفكري، لـن الحياة المعيشية تشغل الكثيرين عن أمور أخرى، يرتأيها تأتي في المقام الثاني، بل إذا لم نقل ـ الأخير في الأولويات.

مع الأسف، إن اللغة الكردية فقيرة وقاصرة لأنها لا تزيد في مفردات اللغة الأم، بل تبقى تراوح في مكانها.. ولغتها المحكية, ويلزمها أديب كبير ومفكر جرئ يهبه القدر لنا، إغناء وإحياء للغة الكردية، ويتجرأ على القواعد والنحو والمفردات ويفلح في بور أرضها الخصبة.

* ما هي العيوب الفنية التي تطال القصة الكُردية في سورية، والتي يجب أن تتخلص منها لنواكب القصة العربية والعالمية..؟

ـ إن أي أدب مهما علا شانه، لابد أنه يستمد إبداعه وفنيته من الواقع المعاشي - هذا أولاً، وثانياً، أن يحمل قيماً أخلاقية ونضالية، وقيماً إنسانية، حقيقة، وتكون صادقة تنبع من الذات، ولها قيمة معترف بها، بحيث لا تكون مزيفة ومفتعلة، أي أنها ترصد الواقع المعاشي وقيمه وآفاقه.

إن الحياة النموذج للكرد غير ذات أهمية, وغير ذات أهلية كما لغيرها (وأنا أسف جداً لهذا القول ).. لتكون أنموذجا للكل، حتى تواكب سيرة الحياة العربية أو غيرها، فهي لم تكن على طول تاريخها قدوة في فعل خير وحمل رسالة نابعة منها، فلو سردنا بعضاً من فصول التاريخ، لتحول حديثنا هذا، وانحرف عن محتواه، إن اكبر رسالة أنجبتها كانت رسالة زرادشت، والتي أعطت قيماً وروحاً للإنسان الفرد الكردي، وكان يستطيع بها (الكُردي) أن يتباهى بما عنده، ولكن الرسالات الأخرى التي جاءت بعده.. همشته، وبتلك الرسالة ومثلها كان ممكناً أن يكون للكرد شأن مغاير غير ماهو الوضع الآن.

وللعودة إلى موضوعنا، ثمت هناك سلالم سبقتنا إلى الاعتلاء بها، وأقصى درجات الأدب الكُردي صعوداًا (وخاصة القصة المستجدة في الآونة الأخيرة) هي سلالم هابطة الترتيب، وهي في أسفلها، لذا فان الأدب الكُردي كان ولا يزال يتسلقها كلبلاب طفيلي وكعالة هنا وهناك، باستجداء اللغة والهم والقيم (هو كالعزف على أوتار الآخرين والرقص في عرسهم والبكاء في مآتهم)، وهي للآخرين أكثر مما هي لنا، لابد أن كل تأثر كما هو معروف هو بالأدباء المتواجدين بالمنطقة والملحقين بها مكرهين، لان ثقافات كل المهتمين تتبع الأدباء فكراً ولغة التابعة لها.

لا رائحة.. نعم، ماء ولكن ماء، أسود ومر المذاق, ومن هذه الزاوية ينظر إليها الآخرون كتطفل ولبلاب متسلق، وذلك لأنها لا مذاق خاص بها, وهي تتحدث عن الهم  الكُردي وتطلعاته باستحياء وتمييع دون إظهار كُرديتها بكل جلاء كما الإخوة الفلسطينين، فان أي فلسطيني مهما كتب وعن ماذا كتب، فانه يؤول بألف معنى ومعنى دون أن يكون منها، حيث يقال: إن البعد النضالي والتعاطف الدعائي والإعلام المسخر يظهر جلياً ويرف على طول الخط هدفه وبعده، وأنا هنا لا أريد الخوض فيه أكثر.. إنما هي إشارة فقط.

بالتأكيد هناك عدة أسباب لهذا التخلف ـ التخلف عن الركب ـ وأنا هنا لست بصدد تعداده وشرح كل ملابساته، فيجب الإقرار أن للآخرين المتحاملين في خانة الإخوة ـ الأعداء- يد وباع طويل في هذا الانحطاط، من ناحية الاستلاب في الذات والشخصية الكُردية بواقع التجزئة والقمع والإنكار ووو.., فحيثما تنفقد الحرية ينفقد الإبداع والتطور اطراداً، وإلغاء الآخر كذات وإثنية مميزة، لها الحق كما للآخرين بأبسط الحقوق، حيث لا يسمح لها بافتتاح مدارس ومعاهد.. حيث لا صحافة ولا إعلام، إنما قمع وحجْر عليها ـ دون أي اعتبار لحقوق للانسان والأقليات، إنما توجيه إبرة البوصلة إلى جهة الجنوب، أو أي جهة يرونها ويرتأونها بعيداً عن جهة شمال القلب، كما هي قوانين الفيزياء، كُرديا على الأقل.

إن العزف على أوتار الآخرين والرقص في أعراسهم، والبكاء في مآتمهم، هي التي أضاعت شخصيتنا وأماتت بهمنا وتطلعاتنا.. أمانيناً