سجالات نقدية


 

 

o-763.jpg (12076 bytes)

محمد علاء الدين عبد المولى

 

طاقات النثر وجيل السبعينات.. برؤية نقدية


لا بد للناقد الذاهب في اعادة قراءة تاريخ "قصيدة النثر أن يجد أسماء مهمة على صعيد تحويل النثر إلى نمط استثنائي في الابداع، وإذا كان ليس ممكناً هنا فعل ذلك بما يكفي ويغني، فإنه يمكننا الوقوف عند تجربة اثنين من هؤلاء في جيل السبعينيات في سورية؛ ففي هذا الجيل ثمة صوت أكثر خصوصية والتباسا "لنقل خصوصية ملتبسة"!، هو سليم بركات الذي يمكننا أن نقول إنه يقف على النقيض كلياً تقريباً من تجارب السبعينيات، وربما كان علينا قراءته في إطاره الخاص، حتى نستطيع أن نتفهم، ولو مبدئياً ما سوف نضطر للحكم عليه به. وسأقدم تشخيصاً للوضع الحساس الذي يشكل موقف سليم بركات، وذلك كما رأيته من موقعي، وهو تشخيص يتكئ على الاجتهاد من خلال نصوص الشاعر.‏

إن سليم بركات متحدر من أصل غير عربي, ولكنه شاعر ينتج نصه باللغة العربية التي اختارها كأداة تعبير عن جميع تجاربه النثرية والسردية والشعرية، ولكن نصوصه تشي بالاحساس الذي طارد الشاعر وهو يمارس وجوده اللغوي، عبر لغة ليست لغته.‏

كيف يعبر سليم بركات عن ذاته وذاكرته ورموزه ووجدانه الجمعي بلغة "نقيضه"? - وأتمنى ألا تحمل كلمة النقيض على غير محملها الطبيعي فهو ليس النقيض العدو، ولكنه ليس المشترك بالتاريخ والروح والعادات، أي كيف يسكن سليم بركات في لغة ليست لغته? وكما نعرف فاللغة بيت الشاعر ووطنه ووجوده.‏

فكيف تحمل لغة مختلفة عني وجودي وتحققه وأشعر به? ثمة تحد رهيب واجهه الشاعر بطريقته. ومن أجل أن يثبت لذاته وللآخر النقيض أنه قادر على الانتصار في هذا التحدي، فقد عمل على مهارات لغوية فائقة إلى درجة المبالغة فيها. هي مهارات دون شك خاصة به, على الأقل بالنسبة لمن سبقه ولجيله، ولكنها مهارات طغت في قصائده ونصوصه النثرية، وتحديداً على جميع العناصر الفنية الأخرى، فأصبحت اللغة هي عقدة سليم بركات التي يريد أن يتحرر منها، فصارت عبئاً عليه. لقد بدأ سليم بركات بدايات مليئة بالامكانيات الجمالية والـجنة الابداعية البكر، ومع أننا نلاحظ مساره المتطور والمختلف والغني، لكن لا نستطيع اغفال أن هذا المبدع ضخم في كتابته عنصر اللغة تضخيماً، ربما نرى أنه فوت عليه فرصة تطوير امكانيات كثيرة يمتلكها سليم بركات. وقد بدأ هذا الضخم اللغوي يأخذ شكله النهائي منذ كتابه "الجمهرات" المكتوب بين حزيران عام 1977 وأيلول عام 1978 وابتداءً من هذا الكتاب سيركز بركات على شكل "قصيدة النثر" ولكن بشكل مخالف تماماً لجيل السبعينيات من حيث العلاقة مع اللغة والمجاز والخيال الرمزي والواقع.. حتى لنكاد نزعم أنه قدم تجربة لا تشبه أحداً، وأبدع أصلاً من تلقاء نفسه، لذلك كثر مقلدوه واتباعه نظراً للمغريات التي تنطوي عليها كتابته وأسلوبه، وإذا كان بركات منذ كتابه  ل داخل سيهتف لأجلي, وكل خارج أيضاً" حتى كتابه "للغبار لشمدين.. يقدم نصًا تفعيلياً يتصل معه المتلقي بصورة أو بأخرى، وإن كان اتصالاً فيه شيء من الريبة والتوجس، فإن هذا الاتصال سيتراجع نوعاً ما بدءاً من تحوله إلى كتابة النثر، حيث أراد بركات أن يحقق جدارته في تأليف نصوص عربية يعجز عنها العرب أصحاب اللغة الحقيقية، ويريد اثبات تفوقه عليهم, وكان ذلك يتم كما ذكرنا بتضخم لغوي يحتل مساحة النص على حساب المكونات الأخرى للنص. إن ما فعله سليم بركات بنصوصه النثرية أنه استلم عنصر اللغة، مركزاًعليه, وأخذ ينفخ فيه لتحقيق مأربه التي يهجس بها فكان أن تحولت اللغة من أداة طبيعية تشترك مع غيرها في تشكيل النص الابداعي إلى عضلة متورمة؛ ففي نثره تعمد لزخرفة اللغة بألوان من الشطحات التي تلتقي في مرات كثيرة مع الهلوسة المبهة، زخرفة أعمت القارئ عن اللغة نفسها، فصار همه أن يظهر له فرادته باستخدام اللغة, أما نصوصه التفعيلية فكانت أقدر على لجم هذه الهلوسة والتقعر في التدفق اللغوي, بسبب توفر عنصر الايقاع المنتظم الذي يوفر للشاعر ميزة ضبط تداعياته وشطحاته ورصفها في نسق ملموس ذي كيان محدد. وعندما استغنى الشاعر عن الوزن غارقاً في النثر بحريته غير المنضبطة وسرد الرواية الجمعية لشعبه وأساطيره الحقيقية والمتخيلة، عندها انداحت سيول اللغة بلا ضابط ولا نظام حتى أصيب الشاعر بذلك "الورم اللغوي" الذي لم يشف منه حتى تاريخه.‏

لا شك أن نثر سليم بركات منذ بدايات ممارسته للنثر لم يكن شائعاً في سورية مرحلة السبعينيات، وهو من بصمات سليم بركات الخاصة، ومع كل الجاذبية في هذا النثر والاغواء، فإنها جاذبية مرهونة غالباً بزوال لحظة القراءة. وربما كان هذا من أهداف بركات نفسها، من يدري.‏

ولا ندري مدى اقترابنا من الصواب إذ اعتبرنا حالة سليم بركات عبارة عن شعور نفسي بالجرح والشرخ

اللغوي اذا أمكن لنا أن نعبر, أراد أن يعوض عنه بهذه الفخامة والبهرجة اللغوية.

 وهناك امكانية أخرى لنعثر على صوت حلق كذلك خارج سرب السبعينيات الشفوي في سورية ولا تنطبق عليه تنظيرات "قصيدة التفاصيل" و"نثريات الحياة اليومية" أقصد بذلك محمود السيد الذي يشكل تجربة مضادة لـ "القصيدة النثرية" ذات التوجهات المستجلبة من خارج المعاناة العربية الابداعية ظل محمود السيد يعتني بتجربته ويحافظ على ارتباطها بتقنيات الكتابة العربية وجمالياتها بما في ذلك طاقة المجاز والتخييل والرمز والبلاغة . ولم تغرق كتابته في وحل الشارع ومهملات الواقع بل تحول الواقع عنده الى مجال رحب للتأمل والتحول من اللحظة الراهنة الى اللحظة الرمز , وهذا مما يدخل في طبيعة التجربة والرؤية كما يدخل في باب الاستمرار في تطوير نهج النثر الذي تمثل بتجارب كل من الاسدي واسلافه المتصوفة. وكان هذا يفارق النثر المتأخر الذي طرحه عادل محمود ومنذر مصري ورياض الصالح الحسين وبركات لطيف.. الخ في مرحلة السبعينيات التي من حسن حظ النثر المبدع ان وجد فيها - اضافة الى هؤلاء- اسماء مثل سليم بركات ومحمود السيد.‏

يستقل محمود السيد عن طروحات الشارع اليومي والنثري ويعود بالكتابة الى آفاقها الصوفية في حركة جدل مع الهوية عبر استلهام المخزون الاسطوري من جهة والصوفي من جهة ثانية مازجا بين العنصرين تارة: كما في "مونادا دمشق او مركزا على احدهما مشبعا اياه بالحضور كما في »سهر الورد «ففي مونادا دمشق اطلق السيد خطوة مهمة على صعيد الكتابة الابداعية التي تحتفي بالجسد وفق منظومته الميثولوجية والرمزية حاملا اياها على اقانيم العبادة التي تختلط فيها لحظة الجسد بلحظة الصلاة وهذا يستدعي منه خطابا ذا لغة عالية ميتافيزيقية أحيانا تناسب عمق التجربة والمعاناة وكل ذلك يتناقض مع الشفوية السبعينية.‏

وفي "سهر الورد" إطلاق جديد مستمر لطاقات التجربة الصوفية التي لا يصل فيها الاستغراق بالوجود الى هذيان باللغة وهذا مهم لمن يريد الاتصال باللغة الصوفية .في سهر الورد يختار السيد تجربة السهروردي ليدخل في حوار معها على انها تجربة متسربة عبر الزمن الى اعماقه مضيفا الى التجربة السهروردية حياة ونظرية واستشهادا, قضايا الانسان الكبرى المعاصرة الانسان القلق من اليباس والحرب والخواء وهذا كله يتعارض كذلك مع توجهات السائد الشفوي ذي الاهتمامات الهامشية والمتعالية على المشكلات الانسانية الحقيقية .كان السيد يطمح الى بلورة رؤية عبر اللغة لهذا لم يستغرق الواقع تجربته بشكل حرفي.‏

على ان السيد جرب في فترة متأخرة عن السبعينيات ان ينزل بالخطاب الادبي الى مستوى ادنى مما هو معروف عليه وذلك في نصوص له بعنوان » قصائد مضادة للشعر «.‏

حيث يبدو من العنوان القصد الى التضاد مع لغة الشعر فظهر عنده الواقع الواضح بتفاصيل ومفارقات هدف منها الى صياغة موقف سخرية وتهكم من الواقع . وربما كان هذا بالنسبة لمحمود السيد وبالنظر الى سياق تجربته يدل على موقف جديد منه تجاه الحياة, التي ايقن ألا مكان فيها للشعر فأراد تقليدها بنص خال من الحياة الشعرية.‏

من ذلك نخلص الى أن كلا من سليم بركات ومحمود السيد ومن قراءة لنتاجهما ومقارنته بنتاج جيلهما نستطيع اخراج هذين النموذجين عن النسق المهيمن في السبعينيات السورية في منظورهما الفني لقضايا الابداع وفي ابعاد ادوات التعبير عندهما عن الانجرار خلف هيمنة الواقع المحدود بفجاجته وماديته الحسية مقدمين صورة ممكنة ومحتملة من صور النثر الخلاق مع كل ما قد يشوب هذا النثر من ارهاق لغوي لكنه يبقى في حدود الاختلاف كليا عن الشفوية في السبعينيات وقد كانت كتاباتهما تومىء الى امكانية تولد شكل جديد هو الكتابة والكتابة الجديدة اللتان سوف يعود إليهما جيل لاحق تحت اسماء مختلفة مع تذكيرنا بأن ادونيس كان من اوائل من استشرف ولادة هذين النمطين من التعبير النثري.‏

واذا كنا نستثني بركات والسيد فهذا لا يعني وضعهما في سلة واحدة فالرؤيا- وان كانت موجوة لديهما -فهي ذات مكونات مختلفة من هذا الى ذاك فما يعانيه بركات على صعيد الهوية تختلف طبيعته عما هو لدى السيد وان كان الاثنان كمبدعين يشعران بتوتر وقلق دائمين مشروعين فيما يخص الهوية فالمبدع لا يستسلم لشكل من الهوية معطى سلفا بل هو يعمل على انجاز هويته فيما هو ينمو ويتطور ويتناقض مع ذاته والآخر ويخضع كل شيء للشك واللايقين مع كل هذا لا يمكن المساواة بين هوية اللغة- كوطن للمبدع- عند السيد وبركات على الاقل لان الارضية التاريخية التي انتجت مأزق هوية النصوص عند بركات غير متوفرة في نصوص السيد الذي لا تعاني اصلا نصوصه من المأزق على هذا الصعيد فهو مولود في قلب هذه اللغة بثقافتها ومعطياتها التراثية والرمزية وهو لم يمنع من نقيضه من التعبير بهذه اللغة كما ان الاثنين يشتركان في انهما اثرا كثيرا على اجيال لاحقة وقد تكون تابعة لهما وهذا له كلام اخر ليس هنا مكانه.‏

 

 

 

 

 

www.tirej.net