سجالات نقدية


 

 

 مصطفى محمد غريب

 

هل الكرد أصلهم عرب من كرد بن مرو؟

 

(ثقافة التحوير، ثقافة شوفينية، وأيدز عنصري معروف)

 

فنّ الثقافة  التحويرية، فنّ معقد، ذو منهاجية خاصة، تعتمد على تحويل الموضوع من موقع إلى آخر مع سرد الوقائع بشكل مغاير، وهو تمويهي متعرج له أزقة ودهاليز لايمكن أن تكتشف إلا بوساطة المعرفة من الثقافة التنويرية ذات الصلة الحميمة بالتحليل والبحث والتدقيق، من أجل ازالة الغبار عن الحقائق التي حاول البعض عبر سلسلة تاريخية طويلة تمويهها أو استغلال سذاجة رواتها، أو جهلهم بروابطها، وفي الجانب الثاني، هناك من يدرك بشكل واضح، حقيقتها، فيسيُرها بالاعتماد على كراهية عنصرية شوفينية ضد الأعراق أو الأمم والقوميات الأخرى، وهو ما أعيب عليه رئيس الجمهورية العراقية الأسبق غير المنتخب عبد السلام عارف القومي الشوفيني النزعة وقاتل صاحبه عبد الكريم قاسم،  بعد أن أقسم معه على القرآن ألا يخونه.

ان تصريحات عبد السلام عارف المعروفة ممن عاصروه، أو فيما نقل عنه بواسطة الكتب، كانت تصب في هذا المجال، فهو القائل إن الكرد هم عرب يعود أصلهم إلى "كرد بن مرو.. الخ"، وليس عجباً أنه استفاد من المسعودي وياقوت الحموي، اللذين تناولا هذه القضية بادراك متدنٍ ومعرفة ساذجة بأصول الأقوام والأمم في التاريخ.

كنت قد اطلعت منذ زمن بعيد لا أتذكر أين بسبب السنين العجاف الطويلة والمتعبة، على ما أشار إليه المسعودي وياقوت الحموي، فقد كان الاثنان قد توصلا بقدرة جاهل إلى أن الكرد أصلهم عرب، وهو تشويه واضح للتاريخ، استغل من قبل حركات وأحزاب قومية أو أشخاص متورمين بالكراهية واللاانسانية، حاقدين حتى النخاع على من يجاورهم من الأقوام، ومما يدل على عدم الادراك بالموضوعة، بحيث فََََـقَدَ الرجلان في هذا المضمار مصداقيتهما كمؤرخين، وكان من الضروري التوقف عند نقطة التأكيد، كي يتم ادراك الحقيقة، وأن يتصفا بالموضوعية، دون أن يجاهرا برأي مفزع ومشوه، ليس له أية اسس مادية، سوى الحديث عن الفرس وخبر الضحاك مع إبليس، والحديث عنهم، وعنه كما جاء في كتبهم وعن "طهمورث" الملقب بنوح النبي عندهم، وكأنهما أساس القبائل التي نختلف معهم، فنجير أصلهم للترهات والتزوير بدون محاسبة لضمير، وكأننا نسينا قول الله عز وجل أنه خلق الناس قبائل وأمماً مختلفة في الشكل واللون واللغة "كي يتعارفوا فيما بينهم"، فهل حقاً ما ادعاه المسعودي في مروج الذهب ومعادن الجواهر، أن الكرد يعود أصلهم حسب المواضيع التي طرحها إلى الأمة العربية وهم أبناء "مضر بن نزار"، ومن "كرد بن مرو بن صعصعة بن هوزان، وأنهم انفردوا في قديم الزمان لوقائع بينهم وبين غسان؟". واستغلها عبد السلام عارف وجميع الطراطير الحاليين البواقين ببوق صدأ يعزف بنشاز يخبل فيه مردتهم ومن التف حولهم من دعاة صهر الأقوام في مصانع الصهر القومية العنصرية، ولم يكتف هذا الرجل المسعودي بهذا القدر من التحليل، فتواصل بقوله معتمداً على القال والقيل واعتبرهما دليلاً على أن المعرفة في التدوين لديه حينذاك وهي معرفة غير دقيقة مشوهة ليس لها أية صلة ولا دين بأصل الكرد فقام بتحليل "ومنهم من روى إنهم من ربيعة ومضر وقد اعتصموا بالجبال طلباً للمياه والمراعي فحالوا عن اللغة العربية لمن جاورهم من الأمم"، فظلوا هناك متوحشين بعيدين عن الحضارة والعلاقات الانسانية بينهم وبين ملل الأرض، ومع هذا فقد تطرق بتناقض غريب عن "ومن هناك من الأمم الساكنة المدن والعمائر من الأعاجم والفرس، فحاولوا عن لسانهم وصارت لغتهم أعجمية"، فلا يعرفنا بنوع الأمم التي جاوروها وأية لغة كانوا يستعملونها حتى نسي القادمون لجيرتهم لغتهم الأصلية فاشتقوا ما بين لغتهم ولغة جيرانهم لغة خاصة بهم، وبها أصبحوا كرداً ثم أصبح "لكل نوع من الأكراد لهم لغة بالكردية"، وكيف يفسر المسعودي وغلاة القوميين الأقحاح أن اللغة الكردية متنوعة اللهجات فقط مثلما باقي لغة الملل في العالم، وليس هناك العديد من اللغات الكردية لأن اللغة الكردية هي كردية!!

ويذهب المسعودي في تيه لا نهاية له، إلا في خيالٍ مضطرب يبحث عن أسطورة مفقودة، فيفعمنا بإماء سليمان بن داود "الاماء الحوامل المنافقات أكردهن إلى الجبال والأودية حيث تناكحوا وتناسلوا فذاك بدء نسب الكرد"، فهي دلالة جهل إذا اعترفنا إنه كان غير مدرك لأصل الأقوام، وليس بحاقد عليهم ولا يفقه في أصول الأمم والملل والقبائل، أما إذا كان مدرك، وهذا صعب أن ندركه في المسعودي،  فيعني أنه  شوفيني حاقد بفكر مريض، يسقط في نتن وجيفة الكراهية ضد شعب عريق معروف.. وما بدل نهجه عندما انتقل لحكاية غريبة عن التاريخ عندما أشار "للضحاك" المعروف لدى الشعوب الآرية، ومن بينهم الكرد بالطاغية الذي قتل بيد "كاوه الحداد" فراح في سفر غريب يقص عن حياته التي تتغذى من أدمغة الناس حيث "كان وزيره يذبح كبشاً ورجلاً يحط أدمغتهما ويطعم تينك الحيتين اللتين في كتفي الضحاك، ويطرد من تخلص إلى الجبال، فتوحشوا وتناسلوا في تلك الجبال، فمنهم بدء الأكراد وهؤلاء من نسلهم وتشيعوا أفخاذاً"، ففي تناقض ما بين الأصل الأول وما ادعاه، نلاحظ مدى انحطاط الرؤيا وضعف البصيرة، فهو قد أنسبهم في الأولى إلى ربيعة بن نزار، ثم رماهم في أحضان سليمان بن داود، وأخيراً الضحاك وجيران لهم.. لكنه يتراجع مرة أخرى ليتناقض مع الذي ادعاه "والأشهر أنهم من مضر بن نزار ومنهم اليعقوبية والجورمان وهم نصارى وديارهم مما يلي بلاد الموصل وجبل الجوادي، وفي الأكراد من رأيهم رأي الخوارج والبراءة من عثمان وعلي رضي الله عنهما".

أما ياقوت الحموي في معجم البلدان ـ الجزء الرابع، فقد حفزه فكره إلى فكرة مخبولة لا أساس لها من الصحة، فادعى بأن الأكراد اسم قبيلة، وكالعادة عندما ترمي المسألة في رأس سيد، وتخرج منها على حقد قول أبو قيسٍ الخزعلي تناول القولين، عن فلان عن فلان عن فلان عن فلان... الخ بأن هذا الاسم "الأكراد"، قرية من قرى البيضاء، وهنا تذكرت بار البيضاء على شاطىء أبو نؤاس العظيم، ولله الحمد لم يقل السوداء "شيخنا ابو الحسن على بن الحسين بن عبد الله الكردي حدثنا عن أبي الحسين بن فادشاه الأصبهاني عن أبي القاسم الطبراني بكتاب الأدعية وسألته عن هذه التسمية فقال: "نحن من أهل قرية البيضاء يقال لها كرد" وقال آخرون من بينهم الاصطخري "كرد بلدة أكبر من ابرقون وـرخص سعراً ولهم قصور كثيرة  فعجباً لهذا التشطيب على تاريخ الناس وأصلهم ولاعجب إذا كان البعض في وقتنا الراهن يراهن على الفكر المتعصب العدائي الذي يرى في الأقوام الأخرى، أما نسخة منه أو من إبليس والإماء والعبيد، فأخذ من المسعودي وياقوت جهلهما وحولاه إلى حقد ضد الكرد كقوم وقومية، فكرر السيناريو داقاً إسفيناً عدوانياً بين الأقوام في زمن نرى الجانب الآخر من العالم يتطور ويتقدم ويرى في منح الحقوق للقوميات، طريقاً للتطور، وهو يثابر لاكتشاف الفضاء الخارجي ليثبت للجميع أن الكرة الأرضية ماهي إلا جزء من ذرة صغيرة في كون واسع لا نهائي..

وفي التشابه عندي ما بين المتعصبين الذين لا يرون إلا قوميتهم وعرقهم النقي، وبين من يريد أن يصهر الآخرين فيه، فلا زلت أذكر حادثة جعلتني أشعر بالغضب كلما تذكرت أن في البعض رأياً يريد أن يصهر باقي القوميات في قوميته، كنا أنا والسنوي ابراهيم الملعون ومنعم النعيمي العظيم كما لقبوه بعد ذلك، وعندما كانت الوجودية تثير فينا من التمرد على القديم وحسب معرفتنا آنذاك، في مظاهرة لااستقبال المرحوم رشيد الكيلاني أثناء عودته من منفاه بعد ثورة 14 / تموز / 1958 التي أصبحت إبرة في بلعوم البعض، لا يتوانى إلا ويشتمها ويعتبرها جريمة لأنها حررت العراق وشعبه من حلف بغداد ومن التبعية الاستعمارية.. ولما رجعنا من مطار بغداد الدولي عن طريق الجسر الحديدي، رافقنا شابين عرفت منذ اللحظة الأولى أنهما قوميان عربيان، لأنهما كانا يتحدثان بالضد من الملا مصطفى البارزاني والكرد بشكل هستيري، ويتوعدانهم وباقي الأحزاب بتهديدات مبطنة فقال لهم السنوي ابراهيم سائلاً:

ـ ماذ ستفعلون بهم، ويقصد "الكرد"؟

فقال أحدهم:

ـ ننا نصهرهم في بوتقة القومية العربية".

فضحكنا من بؤس تفكيرهم وخفة عقلهم حيث داعبتهم قائلاً:

ـ  وهل لديكم مصنع لصهر القوميات كما هي مصانع لصهر الصلب والحديد؟

مما أثارهما قليلاً، لكننا استدركنا الموقف، محاولين شرح نظرية الإخاء القومي بين القوميات، إلا أن منعم النعيمي ومن باب المداعبة قال لهما:

ـ اذا صهرتم الأكراد بكم، فسوف يتحول عرقكم إلى "عربكرد"، أما اذا صهرتم  معهم التركمان فسيكون "عربكردعثمان" وسوف تحصلون على عِرْق وقومية جديدة، فلا يبقى للعرب عند ذلك لا قومية ولا أصل..

وعرفنا بعد نقاش متقطع، أنهما بعثيان وقد أشا