مقام الضيوف


 

 

فواز عبدي

أرى مستقبل القصة الكردية زاهراً، فيما لو أُطلق سراح اللغة الكردية

 

 

أجرى الحوار: خورشيد أحمد

 

* هل توافق على مصطلح القصة الكردية في سوريا؟

ـ سواء وافقنا أم لم نوافق على هذا المصطلح، فإن القصة الكردية تمتلك سمات هويتها الخاصة، فهي معجونة بالهم الكردي، والروح الكردية الساخرة والمتمردة في آن. لها ما يميزها، تشعر أنها تحمل بعضاً من التراث ـ شكلاً ومضموناً - من ناحية، وتريد الخروج من قوقعتها المحلية ومجاراة مثيلاتها في المنطقة من ناحية أخرى، وذلك عبر محاولاتها الجادة في قطع المراحل بعزيمة كبيرة لمواكبة العصر.

* هل تعتبر نتاجات الأدباء الأكراد الذين يكتبون بالعربية جزءاً من الأدب الكردي؟

ـ إن الإجابة بـ نعم أو لا، على سؤال كهذا يشكل ظلماً بحقه، فالمسألة لا تتعلق بشعب وحيد، أو ثقافة وحيدة؛ هناك شعوب أخرى عانت من هذه المشكلة، ولكن ليس بمقدار ما ناله الكتاب الكرد والمثقفون الكرد؛ فالثقافة السائدة كانت تتقبل الثقافة المسودة على الأغلب، أما الكاتب الكردي فهو محروم من لغته أولاً، ومنبوذ من الثقافة السائدة ثانياً، إلا إذا تماهى فيها وأصبح جزءاً منها، لذلك أرى من الظلم استبعاد نتاجات الكتاب الكرد باللغة العربية من الثقافة الكردية والأدب الكردي، طبعاً لا أقصد كل الكتابات، بل تلك التي تحمل الهم الكردي بشكل خاص، على الرغم من معرفتي بأن اللغة تشكل أهم معالم الثقافة بشكل عام، والأدب على وجه الخصوص. أليس من الظلم لو أننا قسونا على سليم بركات، مثلاً، واشترطنا عليه الكتابة بلغته الأم، وإلا استبعدنا نتاجاته من الأدب الكردي، وهو المنفي ـ ثقافياً عربياً-؟! أو استبعدنا بعض نتاجات الكاتب المسرحي الكردي أحمد إسماعيل إسماعيل المسكونة بالهم الكردي، والتي تحمل الروح الكردية، بل وتتشبث بها، والكاتب لم يكن يلم بلغته ـ نطقاً وكتابة- حتى ما بعد العشرين من عمره!! وغيرهما... وكمثال على الظلم والغبن الذي لحق الكاتب الكردي، سأسوق المثال التالي: الفرنسيون يتشرفون بكون كتابات الكتاب الجزائريين تشكل جزءاً من الثقافة والأدب الفرنسيين، وكذلك تسعى الجزائر إلى اعتبارها جزءاً من الثقافة العربية الجزائرية، بينما نحاول نحن الكرد ـ وعلى أكثر من صعيد- نبذ، ليس فقط النتاج، بل الكاتب نفسه واعتباره غير كردي!!

هناك إشكالية كبيرة في هذه المسألة، لا يمكن حلها بمثل هذه السهولة، وأرى تقسيم الكتابات الكردية إلى "نتاج مكتوب باللغة العربية" و"نتاج مكتوب باللغة الكردية"..

* كيف تنظر إلى واقع القصة الكردية في سوريا؟

القصة الكردية في سوريا مازالت تحبو. إنها ما تزال تحمل معها بعض الأمراض أو التشوهات الجنينية.. وهذا ليس غريباً في ضوء فقدها أهم ركن من أركانها؛ ألا وهو اللغة.. تصور ولادة قصة محرومة من لغتها، لغة لا اتفاق على قواعدها، لا اتفاق على ألفبائها!! لا اتفاق على...، ومع ذلك استطاعت هذه القصة أن تولد.. وفي بعض الأحايين حاولت مجاراة مثيلاتها إن لم نقل التفوق عليها. أرى مستقبل القصة الكردية زاهراً فيما لو أطلق سراح اللغة الكردية، وتنـزهت هذه اللغة في مدارس خاصة بها، وإلى جانب شقيقاتها. وإذا كانت هناك مجلات تصدر باللغة الكردية وتغض العيون عنها، فهذا لا يعني أبداً أن اللغة أو الناطق بها أو الكاتب حر.. وإذا ما تحررت اللغة تحررت الكتابة بشكل عام ومن ضمنها القصة..

 

* كيف تفهم معادلة التواصل بين القاص الكردي وقارئه في ضوء الأمية التي تعصف بالأكراد السوريين، ودور اللغة في توازن هذه المعادلة؟

ـ هناك أسباب وعوامل كثيرة تؤدي إلى ضعف عملية التواصل بين القاص الكردي وقارئه، وتأتي في مقدمة هذه الأسباب والعوامل الانعكاسات السياسية والاقتصادية لحالة الشعب الكردي، كيف تريد لقارئ يتواصل مع الثقافة وهو يعاني من وضع اقتصادي مزر، محروم من أبسط حقوقه كإنسان.. قارئ محروم من التعلم بلغته..! ثم لا تنس أن الكردي يتعلم بلغة غير لغته، ويتثقف بثقافة غير ثقافته.. وهذا ما يخلق لديه كسلاً لدى تعامله مع الكِتاب الكردي بشكل عام والأدب بشكل خاص. فهو حين يتعلم باللغة العربية، ويتلقى ثقافة عربية، يجد من السهولة التعامل مع القراءة ـ وحتى الكتابة- عربياً.. وهو بحاجة إلى وقت طويل لتعلم لغته والقراءة بها، وسيقرأ عدة كتب باللغة العربية في نفس الوقت الذي سيمضيه في قراءة كتاب واحد بلغته الأم. لذا لا تستغرب حين تصادف من يضع تعلم اللغة الكردية في بداية المهام والواجبات الوطنية والقومية.

* ما هي العيوب الفنية التي تطال القصة الكردية والتي يجب أن تتخلص منها لتواكب القصة العربية والعالمية؟

ـ إذا كانت القصة الكردية في سوريا في مرحلتها الجنينية، كما أسلفنا، فإنها بحاجة إلى رعاية شديدة ليقوى عودها وتنتصب على قدميها.. وهي بحاجة إلى التخلص من تلك الشوائب المتعلقة بها كالسرد المباشر الطويل في أحايين كثيرة.. نتيجة تأثرها بالأدب الشفاهي الكردي عموماً من ناحية، وببساطة الحياة الكردية من جهة أخرى.. لأن الأدب بشكل عام مرآة للواقع الاجتماعي. فالقاص الكردي، وحتى يصل إلى ذلك القارئ الذي وصفناه سابقاً، يجد لزاماً عليه الكتابة بأسلوب بسيط، لاينفر ذلك القارئ "الكسول". وهناك حالة أخرى تشكل اغتراباً بين القارئ والنص، وهو التفكير عربياً والكتابة كردياً، سواء في الشكل أو في المضمون، حيث تتخلى القصة عن هويتها، ويشعر القارئ بأن هذه القصة ارتدت ثوباً غير ثوبها، أو أنها تخلت عن جزء من روحها الكردية.

لكن من قال لك بأن القصة العربية أصبحت في القمة!! إن ما تعاني منه القصة العربية - فنياً- ليست بأقل مما تعاني منه القصة الكردية. فأكثر من ثلاثة أرباع نتاج القصة العربية غير جدير بالقراءة.. وإذا كانت هناك أسماء كبيرة في القصة العربية فهي نتيجة طبيعية مقارنة بعمر القصة العربية. أما عن الوصول إلى مواكبة القصة الكردية مثيلاتها، فما على القاص الكردي إلا أن يغور في مجتمعه الكردي أولاً، ومن ثم يطلع على الأدب العالمي، فالعمل الذي لا يحقق نجاحاً محلياً لا يمكنه أن يحقق نجاحاً عالمياً. فحتى تصبح عالمياً عليك أن تعطي جديداً، أن تضيف إبداعاً إلى الإبداعات العالمية، ولن تضيف ما لم تحمل روحك الخاصة ممزوجة بالهم الإنساني العام. إذاً حتى تحقق ذاتك عالمياًُ حقق ذاتك المحلية أولاً.

* ما هي برأيك أهم المعوقات والمؤثرات التي حددت الصورة الراهنة للقصة الكردية في سوريا؟

أظن أننا أجبنا على المعوقات من خلال الأسئلة السابقة، لكن ما أحب أن أضيف هو أن ما أثّر في تحديد ـ أو خلق- القصة الكردية، كما في مناحي الحياة الكردية عامة، هو روح التحدي الذي يملكها الكردي بشكل عام والكاتب بشكل خاص.. ووصول بعض الكتاب الكرد إلى درجة النسك والكهنوت، الكتّاب الذين أصبحوا كهنة في محراب اللغة.. رغم كل ما تعرضوا له ـ أدبياً وسياسياً ـ. فحين تصر على تعلم لغتك الأم، وتصر بشكل أكبر على الكتابة بها، رغم كل ما سبق ذكره من حالة الأمية المنتشرة كردياً، والضغوط النفسية، لا بد أن تحقق شيئاً، وهذا الشيء هنا هو هذه القصة التي بدأت تتضح ملامحها شيئاً فشيئاً.

* ما هي حدود الاستفادة من القصة الكردستانية؟ وكيف تحدد علاقتك مع الرواد... التراث...الخ؟

ـ الاستفادة من القصة الكردستانية ضئيلة جداً، وتبقى في حدود علاقات الكاتب الشخصية؛ لأن التواصل صعب جداً نتيجة هذه الحدود المرسومة، وإذا كانت شبكة الإنترنت قد وجدت في الفترة الأخيرة إلا أن هناك معوقات أخرى أمام التواصل الكردستاني، فالتواصل الإنترنيتي سياسي أكثر مما هو أدبي، ثم تبقى مشكلة الأبجدية، واللهجات، فنتيجة الأوضاع الخاصة التي يعاني منها الشعب الكردي لم توجد لغة كردية "كتابية" واحدة، لأن ذلك بحاجة إلى مؤسسات ومجامع لغة، وهي ما نفتقدها إلى الآن. الإغراق في المحلية ـ المنطقاتية- وهي الحالة الاضطرارية التي يلجأ إليها الكاتب الكردي، يزيد في صعوبة التواصل. إننا بحاجة إلى إيجاد لغة كتابة، لغة تعليم، وإلى ألفباء واحدة لا اثنتين.

أما العلاقة مع التراث، فأظنها وجدت قبل التواصل مع الرواد، وبالتحديد التراث الشفاهي، وأقصد القصص التي كانت تروى في ليالي الشتاء. وهو يشكل المعين الأساسي للكاتب الكردي. حيث كان الكتاب الكردي محظوراً، وبقي محفوظاً لدى بعض رجال الدين، إذا ما نجا من المداهمات الليلية، أو الرطوبة أثناء قبره في زاوية من "الحوش" أو مكان بعيد عن "الأعين".

كما أريد أن أبين وأصرح بأننا مدينون جداً ـ ثقافياً- لأسرة بدرخان، التي أدركت في وقت مبكر مدى الحاجة إلى الثقافة، وأنها أكثر أهمية من الصراع السياسي. فكان أبناء هذه الأسرة الرواد الأوائل والحقيقيين، حيث استطاعوا اقتناص أية فرصة سانحة لإصدار مجلات باللغة الكردية في ثلاثينات القرن الماضي. وكان وضع ألفباء كردية بمثابة وضع حجر الأساس في بناء الصرح الثقافي الكردي.

 

 

 

 

www.tirej.net

 

 

 


 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006