|

|
|
|
أدب التاريخ

مولانا خالد النقشبندي
هلكوت حكيم
أبعادُ ظهور النقشبندية، في كردستان،
أوائل القرن التاسع عشر
بهزيمة جيوش شاه عباس الصفوي أمام قوات السلطان العثماني سليم
الثاني في سهل شالديران (شمال/غربي بحيرة أورمية، في كردستان
إيران) عام 1514، بدأتْ مرحلةُ الصراع الدائم بين
الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية. بعد هذا التاريخ أدرك
الجانبان، كما يذهب إلى ذلك أرنولد توينبي، بأن سقوط أحدهما
سقوطاً نهائياً أمرٌ متعذرٌ، فالموقف غدا يتطلب محاصرة العدو
بالإستيلاء على المناطق المحيطة به، أي، بمعنى آخر، أصبح من
الصعبِ أن يتّخذَ النزاعُ مجالَه داخل إيران نفسها، أو في آسيا
الصغرى ذاتها، كنتيجة تمركز الصراع في المناطق الفاصلة بين
الإميراطوريتين المتجاورتين، وكان أكثر من 450 كلم منها تمر
عبر أراضي كردستان. هذا الموقع جعل من كردستان ساحةً رئيسةً
لتطبيق هذه الإستراتيجية العسكرية، التي نعرف مظاهرها المختلفة
عبر أربعة قرون.
لقد كانتْ كردستان تشكل للإمبراطوريتين إضافةً إلى أهمية
موقعها الإستراتيجي، مصدراً إقتصادياً خصباً. فإمارات
أرْدَلان، كَرْمَنْشاه، ولرستان ـ التي لم تكن تشمل معظم
ماتعارف على إعتباره اليوم ضمن كردستان إيران ـ كانت تقدم في
القرن التاسع عشر (37000) "تُمن" من الضرائب السنوية إلى
الدولة الفارسية، أي ما يعادل 14% من مجموع ماكانت تدفعها
الهيئات الإدارية الست عشرة لخزينة الشاه، وفيما يتعلق بالجانب
الآخر، ذكر "آماديه" أحد مندوبي نابليون لدى السلطان العثماني
في 1804ـ 1805، والذي زار شمال كردستان، بأن: "الجيوش
العثمانية التي تحارب نابليون في مصر، تعيش على لحوم الحيوانات
المستوردة من كردستان" ويحدد عدد رؤوس مايصل منها إلى
القسطنطينية بـ مليون ونصف رأس سنوياً.
لم تكن بلاد الأكراد مقسّمة ثنائياً بين هاتين القوتين فقط، بل
كان كل قسم يتجزأ بدوره إلى إمارات إقطاعية، يعود فجر بعضها
إلى القرن العاشر الميلادي. عدّد "كامبانيل" أهمها في أوائل
القرن التاسع عشر: أردلان، كرمنشاه، ولرستان تحت نفوذ
الإمبراطورية الفارسية، بابان، بَتْليس، سوران، حكّاري،
بادينان، وبوتان ضمن السلطة العثمانية. وكانت هذه الإمارات في
حالة تناحر شبه دائم فيما بينها، تحكم كل واحدة منها عائلة
إقطاعية يتنازع أبناؤها على السلطة، وكانت السلطتان
المركزيتان: العثمانية والصفوية، تستغلان هذا النزاع بمهارة
لتضعيف قوة الإمارات، وكبت جموحها، بين الحين والآخر، نحو
الإستقلال، أو نحو الإمبراطورية الأخرى.
إن دراسة تاريخ كردستان في أوائل القرن التاسع عشر، تبين لنا
سمات أساسية تَميّزَ بها الوضع السياسي العام آنذاك، يمكن
تحديدها في النقاط التالية:
1ـ النزاع العثماني ـ الصفوي، وإنعكاساته على الأكراد.
2ـ تناحر الإمارات الكردية فيما بينها.
3ـ الصراع داخل العائلات الكردية الحاكمة.
4ـ الصراع بين سلطة الحكام الأكراد، وسكان الإمارات.
فيما سبق كانت ملاحظات أولية حول الهيكل العام للوضع السياسي
في كردستان، في الفترة التي سبقت ظهور الطريقة النقشبندية، ومن
ثم تزامنت وإيّاها، هذه الملاحظات ستساعدنا على النظر بتفصيلٍ
أكثر إلى بنية وتاريخ إحدى هذه الإمارات: "بابان"، مسقط رأس
الطريقة النقشبندية في كردستان.
إمارة بابان
المعلومات حول بدايات تشكيل هذه الإمارة نادرة جداً، إن لم تكن
معدومةً. وما ذكره المؤرخون حول تاريخها السابق للقرن السابع
عشر، يحتاج إلى المزيد من البحث والتنقيب. صورتها ستصبح أكثر
وضوحاً منذ حوالي 1686، حين تلقّى أحدُ رؤساء العشائر القاطنة
في منطقة "بَشْدَرْ" فه قى أحمد، لقبَ "بَهْ بَهْ" أو "بابان"
من السلطان العثماني، ومكافئاتٍ أخرى، منها مساحات شاسعة من
الأراضي، مقابل خدمته التي قدمها للسلطنة خلال صراعها مع
الصفويين. منذ ذلك التاريخ، سجلتِ الإمارةُ صعوداً لولبياً في
دورها السياسي والعسكري، سواءً على صعيد كوردستان، أو
العراق/العربي، أو في علاقاتها مع الصفويين والعثمانيين، لهذا،
ولا شك، عوامل كثيرة منها: موقعها الجيوسياسي من
الإمبراطوريتين، والذي منحها إمكانية "اللعب على الحبلين"،
منافستها للإمارات الأخرى للهيمنة على المنطقة، وتطورها
الإقتصادي المثير، نتيجة لموقعها من خطوطٍ تجاريةٍ مهمةٍ، تطور
الزراعة والري فيها..إلخ.
ورغم الدور الكبير للمذهب الديني في تحديد التوجه الذهني،
والموقف السياسي لسكان المنطقة في القرون الأربعة الماضية ـ
السنة كانوا منحازين إلى الباب العالي، والشيعة إلى الصفويين،
والقاجاريين فيما بعد ـ إلا أنه من الملفت للنظر بأن شرخاً
كبيراً حدث بين الزعماء البابانيين في تمايلهم نحو
الإمبراطوريتين، وذلك إبتداءً من القرن الثامن عشر. كان
الإتجاه الأقوى في العائلة البابانية الحاكم يتعاطف، لأسباب
عديدة يضيق مجال ذكرها هنا، مع الصفويين، رغم كونهم وسكان
إمارتهم ينتمون إلى المذهب السني. ولقد لعب الفرسُ دوراً
عسكرياً أحياناً، وسياسياً غالباً في تعيين حاكم الإمارة، إلا
أن السلطان التركي كان هو المعني مباشرة بتسمية الأمير
الباباني، بعد ترشيحه من قبل والي بغداد في أغلب الأحيان. وسرت
العادة، في هذا المجال، على الإحتفاظ بمنافس الأمير العائلي في
بغداد لتهديده به، وردّه عن كل محاولة تمرد.
كانت علاقات إمارة بابان مع الإمارات الكردية الأخرى، تشبه
علاقة من يتحيّن الإنقضاضَ على جاره: في عام 1787، إحتل جيشُها
إمارةَ عمادية، ولم يهدأ نزاعها مع سوران إلا في عام 1810، بعد
أن تم عقد قران بين إثنين من أفراد العائلتين الحاكمتين، وكان
إختيار البابان للهجة غير الكورانية، لهجة أردلان، كلغة شبه
رسمية لها، تستهدف أساساً، منافسة الكورانية، بالإضافة إلى
إلتزام العشائر القاطنة داخل الحدود البابانية، بارسال أعداد
محدودة من الفرسان والمقاتلين إلى ساحات القتال التي كانت
تخوضها الإمارة، عمل زعماء بابان على تنظيم جيش خاص بهم، مزود
بأسلحة مصنوعة محلياً في أغلب الأحيان. ورغم أن هذا الجيش كان
يُدرّب للدفاع عن الإمارة من التهديدات الخارجية، إلا أنه لم
يتردد في قمع بعض العشائر الكردية المتمردة على السلطة
البابانية، أو تمردات العشائر العربية على الباب العالي، وذلك
تلبية لطلب من العثمانيين، وتحقيقاً للمطامح الفردية للأمراء
البابانيين أنفسِهم.
إن التطورَ الإقتصادي والسياسي للإمارة خلال القرن الثامن عشر،
دفع بأمرائها إلى التفكير بإنشاء عاصمة جديدة. فالقديمة "قه
لاجوالان" لم تعد بإمكانها أن تستجيبَ لمتطلبات الظروف
المستجدة، إذ أن أهم سبب لإختيارها في الماضي عاصمة، أي وعورة
منطقتها، درءاً لهجمات الجيوش الأجنبية، غدا في أواخر القرن
الثامن عشر، سبباً أساسياً في التخلي عنها. ولقد وقع إختيار
إبراهيم باشا الباباني، الموالي للعثمانيين، على منطقة "ملك
هندي/مَه لكه ندى" موقعاً لعاصمته، وبدأ بالعمل في بنائها عام
1780، وإنتهى منها بعد ذلك بأربعة أعوام. سُميت العاصمة
الجديدة "السليمانية/ سليماني، أو سوله يماني" بسبب العثور
أثناء الحفر، على خاتم نُقش عليه إسم سليمان، غير أن الباشا
الباباني، بلغ سليمان باشا، والي بغداد آنذاك، بأن التسمية
كانت نسبة إليه. وحينما سأل "ريج"، ممثل شركة الهند الشرقية في
بغداد، أحد أحفاد إبراهيم باشا، عن دوافع جده لإختياره تلك
المنطقة لبناء عاصمته أجابه: :لأنه كان يحب الصيد، وهذه
المنطقة تساعد على ذلك، إضافة إلى وفرة المياه فيها". في حين
يؤكد "كامبانيل" بأن السبب كان ملائمة موقعها تجارياً، يبدو
لنا بأن كامبانيل محق في إعتباره لهذا العامل دافعاً أساسياً
لبناء المدينة، فإزدهار التجارة بعد مرور زمن قصير على
إنشائها، دعم لرأيه.
في عام 1784 إنتقلتِ المؤسساتُ الحكوميةُ البابانيةُ إلى
العاصمة الجديدة، التي فتحتْ أبوابها لكل قادم، وكان قد إستقر
فيها أغلب العمال الذين عملوا في بنائها. أضفْ إلى ذلك النزوح
الهائل إليها من قبل سكان الأرياف المجاورة والبعيدة، إذ بلغ
نفوسها عام 1810، خمسة عشر ألفاً، من بينهم 800 يهودي، و100
مسيحي، وكانت في المدينة ستة خانات، خمسة حمامات عامة، خمسة
مساجد، وحمام خاص للباشا الحاكم، بالإضافة إلى 2144 دار، 130
منها لليهود، و9 للكلدان، و5 للأرمن، وغدت المدينة في أوائل
القرن التاسع عشر مركزاً تجارياً مهماً. وصف الرحّالة خطوط
تبادلاتها التجارية مع المدن الأخرى على النحو التالي:
سليمانية/بغداد وبالعكس، سليمانية/كركوك وبالعكس،
سليمانية/موصل وبالعكس، سليمانية/سنندج ـ همدان، وبالعكس،
سليمانية/تبريو، وبالعكس، سليمانية/أرضروم، وبالعكس،
سليمانية/مصر، وبالعكس. وكانت القوافل تخرج من السليمانية
محمّلةً بالحنطة، التبغ، الجبن، السمّاق، الصابون، العسل،
العفص، الفواكه، الرز، الجوز، الحرير الطبيعي، القهوة، كما
كانت تسوق معها الأغنام. بينما كانت القوافل التي تصلها تجلب
معها: التمر، القهوة، الأقمشة، البضائع الهندية، الأحذية،
الجلود، المصنوعات اليدوية، النحاس، الحديد. وكانت بغداد
تستورد الخشب من الإمارة عن طريق نهر "سيروان"، وكانت الرحلات
التجارية تتكرر مرة أو مرتين في الشهر، بينما القوافل المتوجهة
إلى مصر، أو القادمة منها، فنادراً ما كانت تتعدى رحلةً سنوية
واحدة. ولقد ذكر كامبانيل، حينما زار السليمانية في عام 1810،
بأن التجارة في الإمارة البابانية كانت أكثر إزدهاراً وتنظيماً
منها في الإمارات الكردية الأخرى، وأدى ذلك، بدوره إلى تطور
الصناعات اليدوية في المدينة، خاصة فيما يتعلق بمواد البناء
والأسلحة، وكانت أسلحة الجيش الباباني (مدافع، سيوف، خناجر..)
وتجهيزات عسكرية أخرى، بالإضافة إلى الأسلحة الخفيفة للعشائر،
تُصنع في المعامل التي شيدها البابانيون بمساعدة الخبراء
الروس، وقد حفظ التاريخ أسماء حرفيين أكراد إشتهروا بصناعة
الأسلحة مثل: "وه ستا حسيني جه خما خسار".
كل هذه الظروف الجديدة، خلقتْ سوقاً جديداً، لم تكنِ الإمارةُ
تعرفها من قبل، الأمر الذي أدى بدوره إلى تبلور شرائح إجتماعية
جديدة. فمنهم التجار والحرفيون والعاملون في الخانات والبناء
والقوافل والتجارة..إلخ (والذين نطلق عليهم إسم "البازاريون")
وكان أغلب هؤلاء ينتمون إلى أصول ريفية، عانوا من قمع ملاّكي
الأراضي الزراعية، المدعومين من قبل السلطات البابانية. ولم
يكن معظم هذا الكيان الإجتماعي/الإقتصادي، الجديد قد قرر
الإستقرار في المدينة بعد، بل ظلّ معلّقاً وحائراً بين الريف
والمدينة، رغم ميله الواضح للإستقرار في الأخيرة. لذلك لم يكن
بمحض إرادتهم عندما قام الكثيرون، فيما بعد، بعد تدهور الحالة
الإجتماعية/السياسية في المدينة، بالهجرة المعاكسة. ولقد وجد
هذا الكيان، منذ بداية تكوينه، نفسَه في تناقض مع السلطة
البابانية والإقطاعيين الساكنين في المدينة، والعاملين على
السيطرة على السوق الجديد، مثلما كان أمرُهم مع عملية الإنتاج
في الريف، ولم يكن لدى أعضاء هذا الكيان الجديد رؤية سياسية
واضحة للوضع، ولا تنظيم يجمعهم، ويجعل من مصالحهم المشتركة
المهددة رباطاً فيما بينهم. لذلك لم يكن من المستغرب أن
يتجمّعوا، ولو لوقت محدد، حول الطريقة النقشبندية، منذ ظهورها
في السليمانية عام 1811، إذ غدوا قاعدتها الإجتماعية الرئيسة
في المدينة، حيث جمعتهم الطريقةُ في جبهة واحدة مع معارضين
آخرين للسلطتين السياسية البابانية، والدينية/الإجتماعية
السائدة في المدينة، والمتمثلة آنذاك، بالطريقة القادرية
وشيوخها.

مؤسس النقشبندية في كردستان
إختلف المؤرخون حول تاريخ ميلاد ضياء الدين خالد حسين، مؤسس
الطريقة النقشبندية في كردستان، وبلدان إسلامية أخرى، والمعروف
بـ مولانا خالد النقشبندي، ولكنهم حصروا تقديراتهم في الفترة
1776ـ 1779. ويبدو أن ما سجّله إبن أخيه الشيخ محمد أسعد صاحب
زاده حول هذا الموضوع 19/كانون الثاني 1779، هو الأقرب إلى
الإعتقاد.
فتح ضياء الدين عينيه على الحياة في قرية "قه ره داغ" الواقعة
على بعد حوالي 30 كيلومتراً من جنوب السليمانية، والتي إعتبرها
"كامبانيل" واحدة من أكبر ضواحي الإمارة، وكانت القرية تعتمد
على ثلاث عيون من الماء، يسيطر الحاكم الباباني للمنطقة على
إثنتين منها، بينما يتزود سكان القرية جميعاً من عين واحدة.
كان لأبيه شيء من الثقافة الدينية، أفادته في سنوات تعليمه
الأولى، ثم توجه إلى المدارس الدينية في المدينة. هذا كل ما
نعرفه عن صِبا خالد، ولا نعرف عن عائلته المزيدَ، غير أن
الواضحَ أنها لم تكن تنتمي إلى أرستقراطية عشيرتها "الجاف".
كعادة طلاب العلم آنذاك في كردستان، ترك خالدُ مدينته في
الرابع عشر من عمره، مسافراً في طلب العلوم الإسلامية لدى
الأساتذة الموجودين في بلاد الأكراد. تجول لهذا الغرض كثيراً
في إمارة بابان وأردلان. أخذ العلومَ عن عدد من مشاهير عصره.
وفي حوالي 1799 أكمل جميع الدروس المفروضة على طالب شهادة
المُلاّ. وما نيله لهذه الشهادة في هذا العمر، إلا دليل على
قدراته الذهنية التي تراكمت حولها الأساطيرُ والحكاياتُ فيما
بعد، بشكل لا يمكن تمييز الواقعي من المصنوع. في العام نفسه،
عرض عليه باشا بابان وظيفةً دينية في السليمانية، رفض قبولها،
مقدماً أعذاراً تبدو لمعظم المؤرخين غير حقيقية. كان في الواقع
يستصغرها، بدليل قبوله وظيفة أرفع شأناً في السنة التالية. هذه
الحادثة تبين توتر العلاقة بين المُلاّ خالد، والسلطة السياسية
للإمارة.
يذكر معظم الذين كتبوا حول سيرة حياته، قصة رواها بنفسه فيما
بعد، حدثتْ له مع درويش هندي، تُعبّر عن شوق ورغبة المُلاّ
خالد في الوصول إلى شيخ متصوّف. هذه القصة جعلته يفكّر دون
إنقطاع في السفر إلى الهند لأخذ طريقة صوفية. المجلب للإنتباه،
أنه رغم وجود واحد من أكبر شيوخ الطريقة القادرية، الشيخ معروف
النودهي، في مدينة السليمانية ذاتها، إلا أننا لم نقرأ شيئاً
حول أي لقاء قد حدث بينهما، أو أنه قد خطر على بال الملا فكرة
أخذ الطريقة على يد هذا الشيخ. علماً أن الملا خالد قد أخذ،
فيما بعد، إجازة الطريقة القادرية من شيخ هندي. هذا المثال،
والكثير من الأمثلة الأخرى تبين الموقف السلبي الذي كان الملا
خالد يكنّه للسلطة الدينية في العاصمة.
سافر الملا خالد إلى الهند في عام 1808، عبْرَ بلاد فارس، حيث
أظهر فيها عداءً شديداً للشيعة، فدبّر هؤلاء محاولتين
لإغتياله، غير أنه نجا منهما. قضى سنةً كاملة في دهلي بالهند،
مع الشيخ عبد الله الدهلوي مرشد الطريقة النقشبندية. نجهل كل
ما يتعلق بهذه الفترة من حياته، ولم يتحدث هو عنها إلا قليلاً
جداً. عاد إلى كردستان، وهو يحمل من شيخه أمر الدعوة إلى
النقشبندية في البلدان العثمانية. بدأ الدعوةَ لأول مرة في
مدينة سنندج، حيث كان فيما مضى تلميذاً فيها، فدخل طريقته
إستاذه السابق الشيخ محمد قَسيم كردستاني، ومجموعة من أهالي
المدينة. وصل السليمانية في عام 1811، فاستقبل إستقبالاً
كبيراً. توجّه رأساً إلى بغداد، وظلّ فيها خمسة أشهر، دخل
خلالها عددٌ كبيرٌ من علماء المدينة، وسكانها في الطريقة،
وكذلك والي بغداد "سعيد باشا"، وخلَفه "داود باشا". عاد في نفس
العام إلى السليمانية، ليبدأ نشاطاً مركّزاً في الدعوة إلى
الطريقة، إلا أن الظروفَ التي إستجدتْ حولَه، وضعته أمام
تجربة، لم يخرجْ منها منتصراً.
انتشار
الطريقة
تُعدّ سنوات 1811ـ 1820 من أخصب السنوات التي عاشتها هذه
الطريقة في كردستان. فقد حققت شعبيةً أدهشتْ جميع دارسي تاريخ
هذه البلاد، وذلك رغم مواجهتها عداءً مستمراً من قِبل
القادريين، ومن لُدن أمراء بابان بين الحين والآخر.
بعودة مولانا إلى السليمانية في عام 1811 دخل عددٌ كبيرٌ من
السكان في طريقته، بالأخص "البازاريون" الذين كانت الظروف
الحربية التي كانت تعيشها الإمارة تضرّ بمصالحهم، إذ أن عداءَ
هؤلاء للإقطاعيين المتجمعين حول القوتين السياسية،
والدينية/الإجتماعية في العاصمة، في ذلك الوقت كان معروفاً،
وقد عبّروا عنه في أوائل القرن التاسع عشر بأشكال مختلفة، وفي
مناسبات مختلفة، فشكلتِ الطريقةُ الجديدةُ بالنسبة لهم إطاراً
يلتقي فيه عددٌ من مصالحهم المشتركة. لذا كان دعمهم لها قوياً
في البداية. ثم أخذ الدخول إلى الطريقة طابعاً جماعياً، بعد أن
كان يتم بشكل فردي، حيث دخلتها عشيرة "بارزان" وعشائر منطقة
"نهري". وهذه الأخيرة كانت حتى ذلك الحين تنتمي إلى الطريقة
القادرية. كما إنضمّ إليها أيضاً عددٌ من شخصيات "طويلة" و
"بياره" (الواقعتين على الحدود العراقية ـ الإيرانية الحالية)
ولم يقتصرْ إنتشارُها على كردستان فقط، بل توزّع خلفاء مولانا
في تركيا، سوريا، فلسطين، العراق، داغستان، ومناطق أخرى. وبلغ
عدد خلفائه الأكراد 34 خليفة، ومن غير الأكراد 33. كان ينتمي
إلى مشيخة مولانا خالد في عام 1820، حسب "ريج" 12000 مريداً في
البلدان العربية والتركية. ويقدّر "عباس العزاوي" مريديه في
جميع البلدان، وفي ذات الوقت بـ 20000، وهذا العدد ضخمٌ، إذا
ماقارناه بعدد مريدي الطرق الصوفية الأخرى التي عاشت في
البلدان الإسلامية قروناً عديدةً. ويضاف إلى المريدين الذين
كانوا يمارسون طقوسَ الذكر والعبادة على الطريقة النقشبندية،
أولئك الذين لا يمارسون ذلك، وإنما يظهرون الإنتماء إلى
الطريقة وشيخها، ولم يكن عددٌ هؤلاء، كما يبدو قليلاً.
بلغ نفوذ مولانا خالد حداً قارنوه بـ عبد القادر الكيلاني،
وإعتبروا كلامه حديثاً نبوياً أو ذا مصدرٍ إلهي. وكان الأمراء
البابانيون، في فترة محاولاتهم لإستيعابه، يقفون أمامه ليملأوا
غليونه وهو جالسٌ. وبلغ الأمر بـ مولانا خالد، أن ينظرَ في
المشاكل السياسية التي كانت تحدث بين أفراد العائلة الحاكمة في
الإمارة. وقد بنى له الأمير الباباني محمود باشا في عام 1816
جامعاً لايزال معروفاً حتى يومنا هذا باسم "خانقاى مولانا".
كان الإسلوبُ التنظيميُّ للطريقة النقشبندية، أقوى وأحسن منها
لدى الطريقة القادرية. لم يكن القبول فيها يتم إلا بشروط.
والإرتقاء في المراتب الهرمية ما كان يحظي بها كل مريد، وكانتِ
الشروطُ الواجب توفرها في المريد للوصول إلى مرتبة الخليفة
قاسية، ولا يتم إلا بموافقة مولانا خالد نفسه. وكان المريد
المتقدم، يقود المريد المبتدأ، وهؤلاء يقودهم خليفةٌ في
الأذكار. والذكر يتم مرتين في الإسبوع. وكان على المريدين ألاّ
يعاشروا من يعادي الطريقة، وعليهم أن يعيشوا معاً، إذ كانوا
بعيدين عن أهلهم. ولقد نظّم مولانا خالد طريقتَه حسب التوزع
العشائري في خارج المدن، فكان لديه خلفاء يمثلونه، ويتحدثون
باسمه لدى العشائر، أما في المدن وخارج كردستان، فكان التنظيم
مدينياً، لا يعتمد التنظيمَ العشائري أساساً له. وإذا تجاوزَ
خليفةٌ الأوامرَ، يصدر في حقه من المركز العام ـ السليمانية ـ
تنبيهٌ أو إنذارٌ، يُوزع على جميع النقشبنديين. وإذا تكرر
الأمرُ طُرد من الطريقة. وهذا بالضبط ما حدث لخليفة مولانا في
القسطنطينية وبلاد ما وراء النهر. وكانت مركزيةُ السلطة واحدةً
من أكبر أهداف مولانا، وقد إستطاع أن يحافظَ عليها، حتى موته
في عام 1827. ومنذ ذلك التاريخ أخذتِ التياراتُ ومراكز القوى
في الطريقة تتجسّد شيئاً فشيئاً.
إن أكثر مَنْ حاول تقديم تفسير علمي لهذا الإنتشار السريع
للنقشبندية في كردستان، هو "مارتن فان برونسن" الذي يعيد السبب
إلى طابعها المتميز عن القادرية، وكذلك إلى الوضع
الإجتماعي/السياسي لـ كردستان أوائل القرن التاسع عشر، حيث
يذكر بالنسبة للنقطة الأولى، كون الجانب الروحي عند النقشبندية
أكثر أصالةً مقارنة مع القادرية، وفيها دقة الضبط والتنظيم ما
تفتقدها القادرية، وعلاقاتها الهرمية الداخلية، تفوق درجاتها
ما عند القادرية. ويرى فيما يتعلق بالسبب الثاني، يقول
الهولندي: " كانت كردستان تعيش فترة إنتفاضات معادية
للعثمانيين، وكان ضغط المصالح الإمبريالية يزحف نحو المنطقة،
فكان طبيعياً أن تنتشرَ طريقةٌ يقودها شيوخٌ معادون للمسيحية
والأجانب" إن الأدلةَ كثيرةٌ حول عداء شيوخ النقشبندية
للعثمانيين، وما دخول العشائر فيها، إلا بسبب الخطر الآتي على
سلطتهم، وعلاقاتهم الإجتماعية/الإقتصادية من قِبل الباب
العالي، والسلطان نفسه أعلن تخوّفه من "طموحات" الشيخ خالد،
الذي قد يكون، حسب زعمه (مدعوماً من الإنكليز). أما أن يكونَ
أحدُ أسباب نجاح الحركة، معاداتها للمسيحية والأجانب، فيبدو
لنا تفسيراً يصعب الدفاع عنه، فالمنطقة التي إنتشرتْ فيها
النقشبنديةُ لم تكنْ قد تعرضتْ بعدُ للموجات التبشيرية
المسيحية. فالسليمانية مثلاً، لم تكن فيها كنيسةٌ واحدةٌ، وكان
عدد اليهود فيها أضعاف أعداد المسيحيين. ثم إن الحركةَ كانتْ
تجمع المعارضين للحكومة البابانية، ولشيوخ القادرية، وكذلك
المعارضين للحكم العثماني وأساليبه، وقد أظهر "ريج" في كتابه
تعاطفاً واضحاً مع مولانا، الذي أُتهم فيما بعد، ودون دليل
ملموس، بالتعامل مع شركة الهند ـ الشرقية. كيف يمكن القول إذاً
بأن الحركةَ كانت معاديةً للمسيحيين والأجانب؟ إذا كان
المقصودُ بالأجانب هو العثمانيين، فهذه مسألة صحيحة، ولكن
المؤلف يتعدى ذلك المقصد، وهذا أمرٌ يصعب قبوله إستناداً إلى
الأدلة التي ذكرناها، وكذلك التطورات اللاحقة للطريقة
النقشبندية.
إن هذا النجاح الواسع يعود في رأينا، إضافة إلى الأسباب التي
إتفقنا مع "مارتن فان برونسن" إلى الوضع السياسي/الإجتماعي في
السليمانية نفسِها آنذاك، أي صراع البازاريين مع السلطة
التقليدية، السياسية، والدينية/الإجتماعية، وإلى حاجة عدد من
العشائرِ إلى التجمع دفاعاً عن تنظيماتها المهددة ، إذ دعموا
روابطهم العشيرية، بروابط طريقية ـ صوفية، إذا جاز لنا
التعبير، ثم الوضع النفسي السيء الذي كان يعيشه سكان كردستان،
خاصة، والبلدان العثمانية عامةً، بسبب الحروب الداخلية
والخارجية المستمرة، حيث قدّمتِ النقشبنديةُ في أذكارها
وأجوائها الداخلية المغلقة، راحةً نفسيةً وذهنيةً يفتقر إليها
الواقع. ثم الشخصية القوية لشيخ الطريقة. وقد ساهمتِ المعارضةُ
"الدينيةُ" التي تعرضتْ لها النقشبنديةُ في شعبيتها، وخاصة على
نطاق كردستان والعراق.
الصراع بين الطريقتين
إن أكثر ما هدد الواقعَ الجديدَ، هو بلا شك، نفوذُ الطريقة
القديم | | |