أدب التاريخ


 

كتاب عادات الأكراد وتقاليدهم

ألفه بالكردية: ملا محمود بايزيدي

 

ترجمه ووضع هوامشه: محسن سيدا وجان دوست

 

نلفت عناية القراء والباحثين إلى أن لفظة الأكراد الواردة في متن الكتاب تعني الكورد الرحل حصراً، وسيجد القارئ بنفسه أن المؤلف لا يقصد الكورد المستقرين. أما البايزيدي مؤلف هذا الكتاب بالكردية فقد ولد سنة 1797م، في بلدة بايزيد على المثلث الحدودي التركي الإيراني الروسي، وأكمل دراسته فيها, وكان قد أصبح حجة عصره في تفسير القرآن، وانتقل في العقد السادس من القرن التاسع عشر إلى مدينة أرضروم، ليلتقي بالقنصل الروسي الكسندر زابا، ويصبح رفيق دربه في البحث عن كنوز الأدب الكردي المدفونة في حجرات المساجد النائية، والزوايا المنسية لرهبان منسيين. وبفضل التعاون المثمر بين الرجلين، تم إنقاذ العديد من عيون الشعر الكردي، ومجموعة كبيرة من الحِكم والحكايا الفلكلورية، اضافة إلى أول ترجمة، قام بها البايزيدي لكتاب الشرفنامة المعروف عام 1858 م، ولايزال هذا الكتاب مخطوطاً في مكتبة لينينغراد العامة. كما أنه كتب تاريخ كردستان الجديد، بدأه من حيث انتهى شرفخان البدليسي, ولكن لم يكشف النقاب حتى الآن عنه، وله أيضاً كتاب عادات ورسومتنامهء أكراديه (عادات الاكراد، وتقاليدهم)، وهو كتاب يبحث في البنية الاجتماعية للأكراد الرحّل، ويتعرض لمجمل الحالة الكردية البدوية بدقّة الباحث، ولكن بأسلوب ممل أحياناً، لأنه لم يبوب الكتاب، وبسط المعلومات دون منهج معين، وهو بذلك يعتبر أباً للنثر الكوردي، وهذا ما يشفع له ضعف أسلوبه النثري. كما يقال أنه ساعد الكسندر زابا في تأليف قاموسه الكردي الفرنسي، الذي طبع بعد وفاة زابا سنة 1879 م، وقد جمع هذا القاموس حوالي خمس عشرة ألف مفردة كردية، بالإضافة إلى لعبه دوراً سياسياً في المنطقة الكوردية، والنزاع بين الحكومة والزعماء الكورد. كان البايزيدي يتقن إلى جانب لغته الكردية اللغات: الأرمنية والفارسية والعربية والتركية.

 

الجزء الخامس

وعندما يخرج الأكراد في سفر ويلاقوا أول ما يلاقونه أحد الحيوانات المفترسة كالذئب أوالأسد أوالفهد أوالدب، فإنهم يتفاءلون بما لاقوه. أما إذا لاقوا حيواناً أليفا أومسالماً كالأرنب والثعلب وباقي الحيوانات، فإنهم يعتبرون ذلك شؤماً.

وكذلك فهم يتشاءمون من إحضار الأواني الفارغة إلى البيت وكذلك إخراج القدور والأواني غير المغطاة ليلاً من البيت يعدونه شؤماً.

ولو حل وباء في قطعانهم في مرعى من المراعي, أو حل بهم ضرر في مكان ما، فإنهم لا يعودون إلى ذلك المكان مهما حصل.

ويبرم الملا الذي يسكن بيت الآغا عقود نكاحهم, ويفصل في قضاياهم، وهم لا ينزلون من أجل ذلك إلى المدن والقصبات والقرى. ومعظم الأكراد ينتسبون إلى أمهاتهم ويدعون بهن مثلاً: علوى فاطمى (علي بن فاطمة), سموى عيشى (إسماعيل بن عائشة), رشوى ألى (رشو بن ألى). وكذلك فهم مثل العرب والإفرنج يعرفون وينادون مضيفاً إلى أسمائهم أسماء الأب والجد أيضاَ, مثلاً: ممو علي حمدان, أوسو خدر تمران, توسو آغا مندان, وهكذا.

ومن الشائع لدى الأكراد أنه إذا ولد لهم ولد, وقطعوا سرته بآلة ما، فإن ذلك الولد سيكون ماهراً في المستقبل في صنعة تتعلق بالآلة التي قطعت بها سرته.

فمثلاً يقولون أنهم لو قطعوا سرة ولد ذكر بالسيف, فإنه يصبح مقاتلاً شجاعاً, أما إذا قطعوا السرة بالقلم فإن الولد سيصبح كاتباً وملا .

وإذا قطعوا سرة الأنثى بأداة ذهبية فإنها تصبح فيما بعد سيدة ترفل في النعيم، أما إذا قطعوها بأداة فيها كحل وصباغ حواجب فإن الطفلة عندما تكبر ستكون خارقة الجمال.

وهذه العادة مرعية لدى الأكراد كما أنها مشهورة بين العرب أيضاً.

وإذا تعسرت الولادة, فإن رجلاً يأتي إلى باب الدار أو باب الخيمة، ويصيح صيحة قوية, بإذن الله تلد المرأة بسهولة. وأحياناً العياذ بالله يكون الجنين قد مات في رحم أمه, فتأتي قابلات حاذقات ويناولن الأم دواء خاصاً يجعل الجنين يسقط والأم تنجو.

وفي بعض مناطق الأكراد, لا يتم الحصول على الماء شتاء, فيذيبون الثلج في القدور ثم يشربون ما ذاب منه ويستعملونه, أما دوابهم فتأكل الثلج.

وإذا كان لكردي عداوة مع أحد, ولم يكن في إمكانه الأخذ جهرة بثأره, عمل على ذلك في الخفاء. فهو إما أن يطلق رصاصة في الليل على خصمه, أو يشعل النار والبارود في منزله, وإن سنحت له  الفرصة فإنه يضع السم لخصمه, والخلاصة أنه يسعى دائماً إلى إلحاق الضرر بخصمه خفية.

وكثيراً ما يتحسس الأكراد من أعدائهم ويقتلونهم ولو كانوا على الصلاة .

ولكل زعيم أو آغا كردي اثنان من الحراس يحرسان ماله وممتلكاته، حيث يحرس أحدهما جهة من الخيمة من الليل حتى الصباح و يحرس الآخرالجهة الأخرى. وهما يذهبان ويجيئان.

وعدا هذين الحارسين, يوجد في كل زم حارسان آخران، يحرس كل منهما طرفاً من أطراف الزم من بعيد ويترقبان, ويكون معهما كلاب شرسة ما إن تلمح شبحاً قادماً حتى تعوي وتهجم على الشبح فيتبعهما الحارسان, فإن أيقنا بوجود عدو استغاثا ونبها القوم, وفي الحال يجتمع أهل الزم وهم شاكو السلاح ولا يستغرق ذلك أكثر من دقيقتين.

ويسرف الأكراد جهلاً في اعتقادهم  بمشايخهم, ولكل جماعة منهم شيخ خاص, حيث كان آباء وأجداد أولئك الأشخاص ناساً متقين وصالحين. لكن أولادهم في منتهى الجهل وقلة الأدب, و(يبلغ من احترام الأكراد لمشايخهم) أن المشايخ لو تركوا أموالهم في فلاة فلا يقربونها ولا يسرقونها, وهم لا يخرجون من طاعة أولئك المشايخ.

وإن كان فيهم مجانين أو مرضى فإنهم يأتون بهم إلى بيوت المشايخ مع أغنام مهداة إلى الـ (أوجاغ)... كقربان ويقوم ذلك الشيخ بضرب المجنون أو العليل بالعصي ويربطه بالحبال فإن مات ارتاح من عذابه, إن شفي صار أسير إحسان الشيخ, فلا بد من أن يهدي الشيخ كل سنة نعجة, وكذلك فإن ذريته يبقون مرتبطين بالشيخ, ولا ينقادون وراء شيخ آخر (في العهد العثماني الدروشة العثمانية)

وهذا الشكل يكون لكل طائفة من الأكراد شيخ يجلونه كثيراً دون غيره.

ومن عادات الأكراد أنه إذا وقع شاب مريضاً, وإن عصي مرضه على الشفاء, أي أنه وصل إلى درجة الموت, ولم يعد يعي شيئاً وقطع الجميع عنه كل أمل في الشفاء, وكان لهذا الشاب زوجة أو أخت أوابنة أو أم, فإن إحدى هؤلاء النسوة ممن لهن ميل كبير إلى ذلك الشاب تقوم وتطوف حول ذلك المريض ثلاث مرات وتقول في كل مرة: إنني أفدي فلاناً بروحي, فاشهدوا أنني أطلب من الله أن يمنحه الحياة وليقع علي كل ما سيتعرض له من أذى, وليكن الموت من نصيبي. وقد يقع بالصدفة أن ذلك المريض لم يكن قد حان أجله فيتعافى بإذن الله, وتمرض تلك المرأة ثم تقضي نحبها.

وهذه العادة محصورة في النساء فقط, إذ يفعلن ذلك من أجل أزواجهن وأولادهن وإخوتهن, ولكن لا تفعل المرأة ذلك من أجل امرأة (أخرى) وكذلك لا يفعل ذلك رجل من أجل امرأة أو رجل.

وأحياناً يمكن أن يقع أحد الأعزة ويصل إلى درجة الهلاك, فيتعهد صاحبه ويكون ثرياً ومقتدراً على التصدق بنصف ماله أو ثلثه أو ربعه على الفقراء، فإذا شفي المريض وفَّى بنذره, أما الفقراء الذين لا طاقة لهم بالتصدق بالمال فإن نذورهم هي الصيام والصلاة وختم القرآن, حيث يوفون بنذورهم فيما بعد.

وقد ينذرون تزويج فتياتهم في سبيل الله,  ليكن نذراً علي لو أن الله من بالشفاء على ولدي, فإنني سأزوج ابنتي من الذي يريدها دون مهر. فإذا شفي ولده, وفى بنذره.

وهم لا يأكلون أول رغيف ينضج ويخرجونه من التنور, إذ يقولون أنه من فعل ذلك فإن زوجته ستموت ويعدونه نحساً.

وعندما يغلون القهوة فإنهم يريقون فنجاناً بادئ ذي بدء على الأرض، ويقولون إنه نصيب شيخ القهوة!!

أغلب نساء الأكراد وبناتهم مثل نساء العرب يضعون الوشم على وجوههم وجباههم وشفاههم, وهن يذهبن مرخصات إلى المطحنة أو القافلة.

وينام الأكراد في بيوتهم أوخيامهم سوية, الأزواج والآباء والأبناء والأخوات والأمهات والكنائن جنباً إلى جنب، ويصل عددهم إلى بضعة عشر شخصاً, وهذا للضرورة إذ لا يوجد مكان خاص لكل واحد فلا بد من النوم معاً.

وإن نساءهم وبناتهم لا يحتجبن أصلاً, ولا يهربن من أجنبي، ولا يتحرجن في الكلام مع الغرباء. ومع ذلك فهن ذوات عصمة وأدب.

ولهن أملاكهن الخاصة مما جلبنه معهن من بيوت آبائهن كالغنم والنقود أو مما وهبه لهن أزواجهن, وتسمى ممتلكات المرأة (شكيرت), ولا يقرب الزوج مال زوجته أو يأكله, وللزوجة أن تتاجر بمالها وتكسب من وراء ذلك.

وإن معظم نسائهم يتنازلن عن حصصهن من الميراث لإخوتهن وأبناء أعمامهن.

والأكراد يجتنبون كثيراً مال الأوقاف, حتى أنه إن وجد فيهم زعيم أو حاكم ظالم, ذهبوا في الخفاء لإحضار حفنة من تراب الوقف ونثروها على ممتلكات ذلك الظالم. وبذلك يتم قهره وإتلاف ماله في مدة يسيرة.

ولا يعرف الأكراد سوء الظن، بل لا يخطر في بالهم أن يتهموا نساءهم بارتكاب الزنا وأفعال السوء, حتى ولو اختلطن بالرجال الأجانب وتحدثن معهم ولعبن وضحكن أو إن اقتضى الأمر، بقين في بيوت الغرباء ونمن.

فالنساء، وإن كن متبرجات إلا أنهن لسن سيئات الخلق, ومن النادر وجود امرأة سيئة, وذلك يعود لخوفهن, إذ لو ثبت والعياذ بالله أن امرأة ارتكبت فعل الزنا فإنها تقتل لا محالة من قبل ورثتها (أي أهلها الأقربين)، ولا فرصة للمرأة في هذه الحالة في الحياة. ولو وجدوا تلك المرأة مع رجل فإنهما يقتلان ولا دية لهما, ولا يطالب أحد بدم العاهرة, فذلك عار كبير, لا تنفع فيه الشفاعة ولا يجدي الرجاء.

أما سائر القباحات الأخرى مثل القتل والسرقة فيمكن أن يتشفع فيها الناس.

وإذا اكتشف أمر امرأة وعلم أهلها أنها زنت مع رجل دون أن يروهما في مكان الزنا, فإنهم ينهالون عليها فوراً ضرباً بالخناجر ويقتلونها ثم يذهبون لدفنها, دون أن يسأل أحد من الجيران والأقارب لم قتلتموها, وكذلك لا تعزية في ذلك.

أما الرجل الذي زنا بتلك المرأة, فإنه يصبح هدفاً يطلبه أهل المرأة فإن ظفروا به قتلوه دون أن تكون له دية. ولا صلح في مثل هذه الأمور, إذ أنه أمر يتعلق بالشرف والعرض, ومن العار المساومة على الأعراض وطلب المصالحة.

وسوى ذلك يشيع بين الأكراد كافة أنواع المنكرات إلا اثنتان إحداهما اللواط ـ والعياذ بالله ـ وهو لا يقع أصلاً بينهم، لأنهم يعتقدون أن اقتراف ذلك العمل يجعل السماء تمطر حجارة, ويصبح القوم جنباً بحيث لا سبيل لرفع الجنابة عن أحد أبداً!!

والثانية شرب الخمر, فلم تجر العادة في كردستان قبل الآن أن يشرب الناس الخمور, ولكن في هذه الأيام وبسبب اختلاط شباب الأكراد بالروميين (الأتراك) فإن شرب الخمر قد شاع بين الشباب وذلك بقصد التقرب من الروميين الذين اعتادوا على شرب الخمر. ومع ذلك لا يقع إلا قليلا ونسبة من يشرب واحد بالألف, أما سابقاً فحتى مسيحيو كردستان لم يكونوا ليشربوا الخمر إلا نادراً.

وإذا اقتتل كرديان وتحاربا، فإن أحدهما لا يشتم الآخر, بل يمسك كل منهما بخناق صاحبه ويلكمه أو يضربه بالخنجر, ومن العيب أن يسب رجل رجلاً آخر.

ومن العيب لدى رجال الأكراد استعمال الحناء وصبغ الأيدي واللحية بها, ولكن جرت العادة أن يكتحلوا.

والناس في فترة الحداد لا يرتدون الأثواب الحمراء والقرمزية أو الفاخرة, ولا يضعون الحناء على أيديهم ولا يكحلون أعينهم ولا يذهبون إلى عرس أو فرح.

وكذلك الأرملة لا تكتحل ولا تلبس الثياب الملونة ولا تتزين ولا تذهب إلى الأفراح (وكذلك من العيب أن تكتحل المرأة؟؟؟؟).

وإذا حل بامرئ من الأكراد مصيبة فاغتم لها, أتى أهله وأصدقاؤه وأحضروا له طعاماً ثم سألوه عن حاله, وواسوه قائلين: إن الله كريم, فلا تخف وسيذهب عنك الهم إن شاء الله. فقد أوصينا لك بعمل تعويذة تقيك شر المصائب.

وكما يتردد أبناء الشعوب الأخرى على الأطباء ويحتاجون إليهم, فإن الأكراد يتعاملون بالتعاويذ ويؤمنون بفاعليتها وتأثيرها ولا يهتمون بالأطباء, ويقولون: إن كان الطبيب طبيباً حقاً فليداوِ نفسه أولاً, وليبعد المرض عن جسمه. ثم إن المرض من لدن الله تعالى, وهو الشافي والطبيب المطلق.

ومع ذلك فمن الشائع عندهم وجود نسوة عجائز يمتهن الطب ويداوين المرض بأدوية يصنعنها.(الطبيبة في مم وزين).

وإذا مات فيهم شخص, تعالى صوت العويل والنحيب والبكاء, ويعمد أهل الميت إلى وضعه في ركن, ثم يأتون بالنائحات اللواتي يترنمن بـ (اللاوزوك)، والـ (سوارو) وينحن.

ويذهب الفتيان لحفر القبر, أما الملا فيتكفل بغسل الميت بالماء الساخن وتكفينه.

وإذا كان الميت امرأة, كان لا بد من وضعها في التابوت ويؤم الملا الناس في إقامة صلاة الجنازة.

وإذا كان الميت رجلاً ميسور الحال, دفنوه مع تابوته, أما إذا كان فقيراً لا قدرة لأهله في صنع تابوت دفنوه في كفنه.

وبعد دفن الميت يعودون إلى منزله، ويعزون أهله قائلين: إنه أمر الله, والموت مكتوب علينا جميعاً, ولا بد لإبن آدم أن يتجرع الموت, وقد مات كل من جاء من الأنبياء والملوك فلا تحزن, فلا فائدة من الحزن والبكاء, ولن يعود الميت بهما. وهكذا يعزون ورثة الميت ويدخلون السلوان إلى قلوبهم.

وفي العصر يذهب الأقارب والجيران مع ورثة الميت إلى المقبرة لقراءة القرآن والتصدق عن روحه على الفقراء ويعودون.

ثم تذهب النسوة فيبكين وينحن وينثرن التراب على رؤوسهن ثم يتلون (القرآن) ويتصدقن ويرجعن إلى منازلهن.

وفي المساء يصنع الجيران والأقارب الطعام للنساء والرجال من أهل الميت, كل طائفة في مكان خاص, النساء في جهة والرجال في جهة أخرى, ويلحون عليهم كي يأكلوا. وهكذا لمدة ثلاثة أيام, وعند بعضهم سبعة أيام يذهبون إلى القبور ويبكون ويتصدقون.

إن حفر القبور وغسل الميت وحمل الجنازة في كردستان من الأعمال التي لا يأخذ عليها أصحابها أجراً, بل يفعلون ذلك طلباً للثواب.

ومعظم جهلة الأكراد يحلفون ـ والعياذ بالله ـ برغيف الخبز ويقولون إن لم يقسم المرء بالخبز فلا دين له ولا إيمان, ويدعون أن الدين والإيمان يقوى بالخبز.

وفي الشتاء يتردد الأكراد صباحاً ومساءً على مضافات الآغوات، ويبقون عدة ساعات ويروون القصص والحكايات أويتحدثون عن المعارك السابقة والأحوال الماضية, وعند الظهيرة يأتي كل واحد إلى بيته لتناول الغداء وتقديم العلف إلى الدواب.

وإذا كان الطقس لطيفاً اجتمعوا وجلسوا في مكان ليدخنوا الغلايين ويتحدثوا. وفي الليل يلعبون الـ (جوز)، وهو نوع من القمار, فيخسر فيه بعضهم.

وفي الشتاء يجتمع شبابهم وشاباتهم في منزل، ويحتفلون باليخناخي, فإذا توفرت آلات موسيقية عزفوا عليها, إلا غنت الفتيات والفتيان معا البيريته, وعقدوا حلقات الدبكة ورقصوا حتى الفجر حيث ينفض جمعهم ويعود كل واحد إلى بيته.

ولا تمر ليلتان أوثلاث ليال إلا ويجتمع القرويون الأكراد ويحيون حفل اليخناخي.

وإذا كان في القرية مسيحيون, فإن شبابهم وبناتهم يشتركون مع الأكراد في أفراحهم تلك, ويصدف كثيرا أن يقع شاب كردي في حب فتاة مسيحية جميلة فيخطفها الشاب ويجعلها تعتنق الإسلام ويتزوجها.

ويحدث ذلك كثيراً لأن الأكراد الذين يحطون رحالهم في المراعي الشتوية عند قرى المسيحيين يختلطون بهم في بيوتهم, فيأكلون سوية, يتسامرون ويسهرون جميعاً في مكان واحد.

وما يأكله الأكراد هناك فهو من حساب الرعايا المسيحيين لأنهم يصنعون الطعام ولا بد من دفعه للأكراد الرحل عنوة أو برضاهم.

والخلاصة أن الأكراد يعدون وكأنهم ضيوف أولئك الرعايا إلى أن يحل الخريف.

ولا يقع ذلك للرعايا المسيحيين فحسب, بل إن الأكراد الرحل لو نزلوا على مسلمين مستقرين لعاملوهم نفس معاملتهم المسيحيين, بما في ذلك من أذى وخسائر.

وربما تموت شاة أحدهم بأجلها في الشتاء, فإذا أزمع الأكراد على الرحيل بحلول الربيع, جاء صاحب الشاة وأخذ بدلاً منها شاة بالإكراه من القرية التي كانوا ينزلون في تخومها ويقول: لقد ماتت شاة من قطيعي هنا في الشتاء, وهذه الشاة التي آخذها عوض عن التي ماتت!!

وما عدا ذلك, فقد كان الأكراد فيما سبق يتعدون كثيراً على المستقرين الحضريين والرعايا ويظلمونهم, وكان ينزل في القرية عشرون أو ثلاثون فارساً, فيذبحون الدجاج والخراف ويقدمون كثيراً من الشعير لجيادهم ويؤذون القرويين كثيراً.

وعند رحيلهم كانوا يقبضون نقوداً وأزواجاً من الجوارب, وكانت هذه شيمتهم في كل قرية يحلون بها. وعندما كان يحين موعد الحصاد والبيادر، كان الأكراد ينزلون إلى القرى ويرمون عدة أكياس وجوالق على القرويين طالبين منهم أن يملؤوها حنطة وشعيراً. فإن امتنع القرويين عن تنفيذ طلباتهم ساقوا أمامهم أغنام القرويين وأخذوها عنوة. وهكذا كان دأبهم الظلم والعدوان إلى عهد السلطان عبد المجيد خان دام عهده السامي، حيث أوجد العساكر النظامية ودفع غائلة الأكراد وتعديهم رويداً رويداً حتى زال ظلمهم وظلم أكثر الآغوات, وتم توطين كثير من الأكراد, والخلاصة زالت قوتهم وذهبت شوكتهم وصولتهم فلا يستطيعون الآن أن يجروا على عهدهم السابق وأسلوبهم القديم.

لكنهم يظلمون الرعايا بأساليب أخرى, إذ يعمدون في الخفاء إلى إحراق أتبانهم وإلقاء النيران إلى داخل بيوتهم ويدعون الدواب تسرح في مراعيهم ليلاً ويشعلون البيادر, ويخاف الرعايا كثيراً من هذه التعديات من الأكراد فيراعونهم كارهين.

وإن جاء الأكراد إلى سرقة بيت أحد الحضريين وأحس به صاحب البيت فإنه خوفاً من القتل لا يضرب اللصوص أو يقتله, بل يداريه ويعامله بالحسنى لخوفه من عواقب إغاظتهم .

وإن قتل حضري كردياً, فلا خلاص من الأكراد إلى يوم القيامة, ويطالبون سراً وعلانية بدم قتيلهم ولا بد لهم من الأخذ بثأره.

ونادراً ما يتصاهر الأكراد والحضريون ويتزوج بعضهم بنات بعض, فالأكراد يسمون الحضريين باسم (كوران) ويدعون أنهم جبناء, بل ليسوا شيئاً.

كما يدعون أن الأولاد الذين يولدون لأمهات من الـ (كوران) يكونون مشوهين وجبناء, ولهذا لا يتزوج الأكراد من الحضريين.

وبدورهم يقول الحضريون إن نسل نساء الأكراد عديمو الأدب ولصوص وعصاة.

وهكذا فإن الطرفين بدواً وحضراً لا يرضى أحدهما بالآخر, وإذا حدث نزاع وكان ثمة حضر, فإن الأكراد لا يشتركون معهم في النزاع ولا يؤيدونهم ويقولون إنهم سرعان ما يفرون.

وفي الحقيقة إذا اقتتل بضعة نفر من الأكراد مع عشرة رجال حضريين فإن الأكراد لا يهربون ويقاومون أولئك الأنفار العشرة.

أما الحضر فليسوا كذلك بل هم ضعاف أمام الأكراد.

ويصح هذا الكلام فقط على الأكراد والحضر في مناطق وان وموش وبايزيد وقارص وإيران, أما في هكاري وبوهتان والعماديه ومناطق السوران فالأمر مختلف. إذ يكون الأكراد الرحل أقل شوكة من الحضر, ويقاتل بضعة حضريين عشرة من الرحل ولا يهابونهم. ولا يعتبر حضر منطقة هكاري الرحل شيئاً. والحضر هناك أصحاب مسدسات جميعاً.

ونادراً ما يتزوج الحضري فتاة كردية من الرحل, والأكراد أصلاً لا يتزوجون من الحضريات لأنهن متعودات على حياة الرخاء والنعيم، ولا يتحملن معيشة الأكراد وضنك حياتهم في الحل والترحال والرعي.

ونساء الأكراد يذهبن لقضاء كثير من الحوائج ليلاً, وإن اقتضى الأمر شاركن في المعارك وساعدن أزواجهن. أما نساء الحضر ففيهن جبن ويتهيبن الخروج من منازلهن.

وإن نساء الأكراد فريدات عصرهن، ويلعبن دور الزوجة والخادم والحارس والمقاتل الذائد عن الحياض في المعارك. بينما لا تتقن المرأة الحضرية شيئاً سوى القيام بدورها كأنثى فقط.

وتقوم نساء الأكراد عند بزوغ الفجر بإدخال الخيول إلى الاصطبلات، وإخراج القطيع وكنس البيت وخض القرب وتسخين الحليب والعجن وإحضار الحطب لصنع الخبز والطعام, كل ذلك وما يزال أزواجهن غارقين في النوم. ولا يتدخل الرجل أصلاً في شيء من أمور البيت, بل يقع كل شيء على عاتق المرأة.

أما نساء الحضر فلا يقمن بعمل شيء، بينما ينفذ أزواجهن كل الأعمال المنزلية ماعدا صنع الخبز وغسل الثياب فإنهما من اختصاص المرأة الحضرية التي تبقى نائمة إلى أن يحين موعد الفطور.

ومعظم نساء الأكراد فقيرات الحال, يمشين في الخريف والربيع والصيف، وينجزن أعمالهن وهن حافيات, أما في الشتاء فينتعلن الجاروخ, وأثوابهن من أقمشة حمراء اللون وسوداء وزرقاء, ومع ذلك فهن راضيات بقسمتهن وقانعات ومطيعات لأزواجهن كثيراً.

ولو أن امرأة منهن ضربها زوجها فإنها لا ترفع يدها ولاتعرف معنى للزعل.

 

 

www.tirej.net

 


 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006