مقام الضيوف 


 

حليم يوسف

مرَّت ْخمسُ سنوات، تقريباً،
 وأنا أعيش نهاري في ألمانيا،
 وما أن أغلق عيني لأنام
، حتى تأتيني عامودا

 

حاوره: مسعود خلف

 

* في أية ظروف نشأ حليم يوسف؟، ومن أية ينابيع نهل ثقافته؟

ـ ككل طفل كردي نشأت في أجواء لا علاقة لها بالطفولة. القوة لها القول الفصل في كل شيء. البيت يغص بأسئلة كثيفة وما من جواب. في الشارع تسيل دماء أنوفنا إثر حروب عصابات لأطفال يتجمعون ليهزموا الآخرين. في المدرسة يمنع علينا التحدث بلغة الأم. فنتلكأ بلغة المعلمين الصعبة. وقد تخرج الدموع من أعيننا قبل خروج الكلمات العصية على الفهم. كانت السماء غامضة على الدوام، والأرض لغزاً يستطيل أمام الأعين على شكل قنبلة يدوية، وما من يدٍ تتجرأ على لمسها. كانت الأسئلة جميعها تتزاحم في الروح، ولاتخلف سوى المزيد من الاحتراق. نفتح أعيننا في الصباح على أنباء الخراب والقتل المجاني والهراء. ننام ونحلم بأن يتضخم الجسد يوماً. ويُنزل الهزائم، بعضلاته الأسطورية، بمن يقلق راحة أرواحنا الهائمة في العراء. نشأتُ في عالم تتفتت فيه العائلة، تنسحب العشيرة إلى الحظيرة ولا يستطيع الحزب إلا ان يكون عشيرة مشوهة والأحلام الجماعية على حافة الاحتضار. ينحصر الجسد بين ازدواجيات قاتلة، في البيت يتحدث أحدنا بالكردية مع أمه طليقاً. في المدرسة يخبىء لغته الأم في حقيبته القديمة، ويحاول جاهداً تقليد المعلم الحائر. كذلك الروح، في أواخر الليل، تعري أحلامها الممتدة على طول البراري. وفي النهار يغتال الكبار والناس جميعاً أحلام الروح لصالح شخصية لها مقاسات أخرى. في ظلام هذه "الخربطة" الفظيعة اهتديت إلى قراءة الأدب. كانت الخطوة الأولى محاولة مستميتة لقهر الألم الكبير الذي كان يلم بقلبي الصغير آنذاك. كان الألم أكبر من الجسد وأعظم، لذلك خرج على شكل كتابة. اكتشفتُ باكراً أن الكتابة تخفف الألم وتبعث في الروح نشوة خاصة. أتذكر أن المصادفة قادتني إلى قراءة روايات تاريخ الإسلام لـ جرجي زيدان. حزنتُ مع أحزان شخصيات تلك الروايات، بكيت لانكسارها، وفرحت لانتصاراتها. كنت أغلق الباب على نفسي، وأعيش مع تلك الشخصيات التي كانت تنبعث من الحبر بأجسادها وأرواحها، وتنقلني إلى عالمها السحري. سحرني الأدب وأنا صغير، ووقعت في حب أعمى، لم يخلف وراءه، حتى اليوم سوى الندم والخراب. أتت الحكايات الشعبية الكردية والملاحم الاسطورية التي تتقاتل فيها الأشباح والعجائز والأبطال الخيرين لترفد المخيلة الجريحة بصورة غير متناهية. ثم أتت الروايات والقصص المكتوبة لترسخ ذلك النزوع العجائبي نحو اكتشاف عوالم جديدة، تغذي الذاكرة بالمعرفة والضوء، وتجهز على الجسد الحزين لتغرقه في ظلام الكتابة التي ماهي إلا محاولة فاشلة لقهر الموت

* مدينة عامودا كان لها السطوع ودور البطولة دائماً في مؤلفاتك. هل هي نتيجة للواقع التراجيدي لـ عامودا؟ أم أنك تستخدم بعضاً من أحداثها للدلالة على مرحلة الطفولة التي عشتها؟

ـ أعتقد أن النتيجة الطبيعية لمعايشة المكان، هي ظهور تجلياته في الكتابة الأدبية. قضيت أكثر من ثلاثين سنة من عمري وسط غبار عامودا وجراح شوارعها. وقد شربت من حكايات أهاليها آلاف الكؤوس المترعة بالسم حيناً وبالعبرة حيناً آخر. لا يوجد شبر من تراب عامودا، إلا وقد وطأته قدما حزني. ما من حجرٍ صغير أو كبير، إلا وكان شاهداً على ضحكة أو دمعة أو حسرة حب قتيل لقلب يعاديه الجميع. خمس سنوات، تقريباً، مرت وأنا أعيش نهاري في ألمانيا، وما أن أغلق عيني لأنام، حتى تأتيني عامودا مرة أخرى، رغماً عن أنف المسافات الهائلة. لا زلت أحس بأن عامودا هي مكاني الأول. المكان الأول كالحب الأول، يخلق آثاره الهائلة في روح وجسد صاحبه إلى آخر يوم في حياته. وأنا لاأستطيع التحدث عن مكان بمعزل عن كائناته البشرية. عامودا، كمساحة جغرافية، قد لا تعني لي الكثير، لكنها كذاكرة وناس وبشر وحكايات وحب وأحزان وأفراح وتاريخ ومعرفة وألم تعني لي كل شيء. أنا أكتب عن عامودا، لأن عامودا هي أنا، لطالما أحسست بخصوصية هذا المكان، وسأذكر بعض الأمثلة: المجانين، بائعي الخضرة في "العرصة"، الحمالين والعتالين، محكمة الصلح، (هل من محكمة تماثلها على وجه الأرض، لا أظن الموتى في شرمولا، احتراقات أطفال السينما، بالإضافة إلى بياعي اليانصيب والبزر والشعارات في منافساتهم مع بياعي دكاكين السياسة والقماش المستورد. أنا لم أغادر مكاني الأول بعد. فما زلت ذلك الطفل الحافي الراكض في غبار شوارع عامودا، لاهثاً وراء كلب سرق دجاجة حية. لا زلت أحلم باللحاق بذلك الكلب المسعور لربطه من ذيله إلى شجرة التوت في حوش بيتنا في عامودا. إن عامودا ليست بقرية، وهي ليست مدينة، هي حالة تختصر هموم وطن كامل، تختصر هموم العالم.

* صدرت لك عدة كتب باللغة العربية، والبعض الآخر بالكردية، لمَ هذا الانقلاب المفاجىء في لغة الكتابة لديك؟

ـ انا أكتب باللغتين، العربية والكردية. لم يحدث أي انقلاب لدي. ماحدث أنني بدأت النشر بالعربية منذ العام 1991 لدى صدور كتابي القصصي الأول (الرجل الحامل) وتلاه كتابي (نساء الطوابق العليا) في العام 1995. كنت أواصل الكتابة بلغتي الأم - الكردية- خلال هذه المدة. وتجمعت لدي قصصٌ تكفي لاصدارها في كتاب. نظراً لظروف المنع والحظر المفروض على الطباعة باللغة الكردية في سورية واستحالة الحصول على الموافقة الرسمية من الجهات المختصة لطباعة كتاب كردي، فقد اتجهت إلى الجهة الأخرى من الحدود. بعد رفع الحظر عن اللغة الكردية في تركيا بشكل رسمي ـ 1992 - تأسست مجموعة دور نشر كردية من بينها دار "آفستا" في استانبول لصاحبها عبدالله كسكين. وهناك صدرت لي مجموعة قصصية بالكردية بعنوان (موتى لا ينامون) في العام 1996 وترجمت فيما بعد إلى التركية، وصدرت عن نفس الدار. وفيما بعد صدرت جميع كتبي بالكردية عن دار آفستا. وكما ترى فانني لا زلت مستمراً في الكتابة باللغتين، وقد أثَّر خروجي من الوطن سلباً على كتاباتي بالعربية، وخاصة بعد انشغالي بالالمانية. هذه التأثيرات الطارئة لن تحول دون استمراري في الكتابة باللغتين. لا شك أن هذه الازدواجية اللغوية لها مشاكلها وصعوباتها الكثيرة، إلا أنها غالباً ماتكون سبباً لمتعة اضافية، لإن كل لغة هي مفتاح لثقافة مختلفة. والترجمة رغم كل شيء قاصرة على أن تؤدي في هذا السياق دور المفتاح، بمعنى الكشف من الداخل.

* أود السؤال عن "موتى لا ينامون"، التي صدرت بالكردية وترجمت إلى لغات أخرى، ودخلت قصة "جمهورية المجانين" المجال المسرحي. فقط تداخلت الشخصيات لتعبر كل منها عن مأساة الواقعية التاريخية للقضية الكردية عامة، والتنويه إلى التاريخ الكردي القريب خاصة. ماهي الدوافع والأسباب لاختيار القصة وتناولها على ذلك الشكل؟

ـ اذا كان "الرجل الحامل" كتابي الأول الصادر بالعربية، له موقعه الخاص لدي، فان "موتى لاينامون"  هو كتابي الأول الصادر بلغتي الأم، وقد صدرت الطبعة الثانية منه في العام 2000. وتحولت قصة "جمهورية المجانين" إلى مسرحية من قبل فرقة الحياة الجديدة التابعة للمركز الثقافي لـ مزبوتاميا في استانبول. وقد عرضت في العديد من المدن الكردستانية والتركية، وفي العديد من المدن الأوروبية، بالاضافة إلى بثها من قبل الفضائيات الكردية، وتوزيعها على شكلCD ، كل ذلك لعب دوراً في انتشار القصة ونفاد نسخ الطبعة الأولى من الكتاب. وقد تناولت فيها شخصيات "مجانين عامودا" من خلال الاستفادة من التجربة التاريخية المتجسدة في قيام جمهورية كردستان في مهاباد "الإيرانية" في العام 1946 وسقوطها قبل بلوغ عمرها السنة الواحدة، واعدام قادتها بتلك الطريقة المأساوية. وقد حاولت الاستفادة من البعد الفلسفي للجنون من خلال التداخل الحاصل بين فلسفتي الموت والحياة، وربطها مع التجربة السياسية والاجتماعية المؤلمة للشعب الكردي. تجري الاحداث في "شرمولا"، وهي مقبرة عامودا، فيجتمع الموتى والمجانين منهم، ويتباحثون لتشكيل دولة، فتوزع الوزارات وعددها مطابق لعدد الوزارات في جمهورية مهاباد. وهكذا تتداخل الأحداث من خلال اضاءة هذه الشخصيات، المعروفة على أنها مجنونة من الداخل. فيصبح التفكير بالحصول على حق الانسان الطبيعي ضرباً من الجنون، والعاقل لكي يحافظ على نفسه ويتجنب العقاب، فانه يخلد إلى الصمت والسكوت. إن المتابع للمشهد السياسي والاجتماعي الكردي يرى بوضوح مدى انقلاب الموازين لصالح غياب المنطق واختلاط الحابل بالنابل. إن هذه التراجيديا المتواصلة التي تجرف الأكراد مع وطنهم، مرشحة إلى أن تتحول إلى أدب رفيع يحتل للكرد مكانة لائقة بين آداب العالم. أما بالنسبة إلى "جمهورية المجانين"، فهي أقرب قصصي إلى نفسي على صعيد الموضوع. وقد حاولت في هذه القصة تعميق النزوع التجريبي نحو الارتقاء بالنص القصصي إلى أن يكون جديداً، على صعيد الشكل أيضاً، فتحولها إلى مسرحية، ربما ساهم في انتشارها، إلا أنها أفقدتها الكثير من العمق على الصعيد الفلسفي؛ عندما كتبت القصة كنت أتخيل أن الأكراد يعيشون في جمهورية مجانين، إلا أن العالم برمته اليوم يبدو لي وكأنه جمهورية مجانين، تدار وزارتها من قبل رجال عصابات يخلو قاموسهم من كلمات الحق والخير والجمال.

* بعضهم يتهمك بانك شخصية سوريالية . ما هو جوابكم؟ وهل تعتقد ان الأدب السوريالي له تقبلا في المجتمع الكردي؟

ـ ان اعتقادي هو أننا موضوعون في حالات سوريالية، هي أقرب إلى الخيال، منها إلى واقع يسيره منطق معين، واقصد"الواقع" بالمعنى المعهود للكلمة. الموضوع لا يتعلق بشخصي، بقدر ما يتعلق بهذه الفوضى العارمة التي تجتاح العالم، وخاصة في مجال علاقة المصطلح بمعناه. فعلى سبيل المثال نجد أن أكثر الذين يؤكدون على "الديمقراطية" مثلاً هم قتلتها. الأكثر استخداماً لمصطلح حقوق الانسان هو الأكثر استعداداً لسحق كل الحقوق في سبيل مصالحه الخاصة. من جهة أخرى، يستطيع شخص واحد، سواء في السياسة أو الاقتصاد، أن يتحكم برقاب وأرواح ملايين البشر وبمصائرهم. ألا تجد معي أن الصورة الواقعة لما نعايش، هي عمقياً صورة سوريالية. هذا على صعيد الخطوط العريضة. أما عن تفاصيل المسألة، فأنا لا أدافع عن أدب ينتمي إلى اتجاه محدد، أو إلى مدرسة فنية معينة. إن الأدب قد تجاوز مسألة التصنيف والقولبة في اطار المذاهب الأدبية. وحدث أن وقع اختيار السورياليين والرمزيين والواقعيين معاً على النص الأدبي عينه أو على كاتب بعينه. وقد يحيلك النص الواحد إلى دلالات واقعية وسوريالية ورمزية وتعبيرية معاً. أسعى دائماً إلى كتابة نص أدبي يحمل ذاتي. يحمل في ثناياه احتراقاتي الشخصية وشعلة همومي المعرفية والفلسفية. نص أدبي يحمل نبرة صوتي الذي يختزن صوت الجميع. أما عن تقبل المجتمع الكردي للأدب السوريالي، فالمجتمع الكردي بعيد عن القراءة بلغته وباللغات الأخرى أيضاً. لا أحد يقرأ، سوى القلة التي تكتب. المجتمع البعيد عن القراءة هو مجتمع قائم على اجترار مايقال له عبر إعلام الآخرين. ولا مكان لتقبل أي شكل من أشكال الأدب المكتوب. إن اغنية فلكلورية عن نهدي امرأة خارجة من الحمام، تلفت النظر أكثر من عشرين رواية. ومغنٍ من الدرجة العاشرة، أكثر أهمية في هذا المجتمع من أفضل كاتب. وحامل الطنبور، وإن كان يقلد غيره في الأعراس، أكثر احتراماً من أي روائي كردي أو شاعر، على الأقل لدى عائلته، لأنه يكسب قوت يومه، في حين أن الكتابة لا تهب صاحبها غير الفقر والعوز. الكتابة بالكردية هي بحد ذاتها تضحية. إذ ما من علاقة مباشرة بين الكاتب الكردي وبين مجتمعه، من خلال الكتابة. لكل كاتب وسطه الخاص، الشخصي، الذي يتحرك ويتنفس من خلاله. لاأعرف كاتباً كردياً معاصراً يجمع عليه الأكراد بمختلف أماكن تواجدهم وبمختلف لهجاتهم على أنه كاتبهم، بعد قراءة نتاجاته. مايحدث أن يكرس بعض الأسماء وهي جيدة فعلاً وجديرة بأن تكون لها مكانتها اللائقة. إلا أن أدبه يكون قد قرأ في مكان ولم يقرأ في مكان أخر، وهكذا. هناك خصوصية في هذا المنحى، فالمجتمع الذي نتحدث عنه كان ولا يزال عرضة للتتريك والتفريس والتعريب، وتُزال ملامحه الخاصة شيئا فشيئاً، ليصبح مجتمعاً بلا وجه ولا أعين بالطبع. فالمسالة - في رأيي- هي القطيعة السائدة بين النص الأدبي - والسوريالي من ضمنه - وبين المجتمع الكردي المبتلى بالاحتلال والاستيلاب والخراب.

* كتبك (الرجل الحامل- نساء الطوابق العليا- موتى لا ينامون- مم بلا زين) تضمنت الكثير من القصص التي حيكت بطراز جديد في مجال الأدب الكردي. لماذا اخترت هذا الأسلوب؟ وماذا يريد حليم يوسف أن يجدد في الادب الكردي؟

ـ بعد سنوات من القراءة المتواصلة والانهماك المحموم بدارسة التجارب الأدبية الجادة التي تركت آثارها على أرواح الناس في مختلف أصقاع العالم. توصلت إلى نتيجة متشائمة في البداية، مفادها إن كل مايمكن أن يقال قد كتب، ولا يستطيع أحدنا اضافة جديد إلى هذا الكم الهائل من التراث الأدبي الرفيع الذي خلفه البشر وراءه. هذا إلى جانب الأهمية القصوى التي تحيلها الشكل وليس المضمون في سياق تاريخ الأدب، حتى أن بعضهم اختزل تاريخ الأدب بأنه تاريخ الشكل. لأن الأفكار تكاد تكون نفسها على مر التاريخ. إلا أن هذا التقييم المجرد للمسألة لم يمنعني من مواصلة الاحتراق بنار الكتابة الأدبية وحتى الآن. وقد انطلقت من فكرة بسيطة، وهي أن كل انسان بطبيعته يختلف عن الآخر، نبرة صوته، مزاجه، أفكاره، أسلوب حياته، بالاضافة إلى زمنه الذي عاش فيه ومكانه. وإذا أخلص الكاتب لنفسه إلى أقصى حد فبامكانه الوصول إلى ما يطمح اليه، وهو ايجاد صوت خاص في المجال الذي يكتب فيه. أما بالنسبة لي، فيستحيل اختيار البديل، بمعنى أنني لا أستطيع إلا أن أكتب. وإذا سمعت يوماً بأنني توقفت عن الكتابة، فاعلم حينها بأنني ميت. أشعر الآن أكثر من أي وقت مضى، بأن لدي الكثير لأقوله، وأن العمر قصير ولا يكفي. إذا كان جيراننا العرب يعانون من بقائهم متخلفين عن ركب الحضارة المعاصرة، فان معاناتنا، ككرد، مركبة، وهذا يلقي على عاتقنا مسؤوليات اضافية. الأكراد يتحدثون كثيراً، إلا أنهم أكثر شعوب العالم كسلاً في الكتابة، وفي فهم القيمة التاريخية والروحية للكتابة الأدبية، لذلك كان التراث الشفوي الكردي يزخر بالحكايات والملاحم والأغاني الشعبية، في حين بقي الأدب الكردي المكتوب بقي فقيراً ومهملاً. وما كتب بقي عرضة للتلف والضياع.ن هذا الأمر، في رأيي، يدفعنا ككتاب أكراد إلى اعتماد خطة "حرق المراحل"- إن صح التعبير - بمعنى الاستفادة المباشرة من المنجزات التكنيكية الهائلة في الآداب العالمية واستخدامها في سبيل الارتقاء بالأدب الكردي الجديد إلى مستوى العصر الذي نعيش فيه. لاأعتقد أن الكاتب الكردي يستطيع التأسيس بتجربة أدبية كردية كبيرة من خلال الاطلاع باللغة الكردية فقط. من هنا تأتي أهمية اتقان العربية أو التركية أو الانكليزية أو الفارسية، لاستيعاب المنجزات الفنية والمقترحات التجريبية البالغة الجدة في القصة والرواية العالميتين. وبالتالي، مواصلة السعي لتأسيس أدب كردي جديد يضاهي في جودته آداب العالم الأخرى. أما بالنسبة للأسلوب الذي أتبعه في الكتابة فهو تحصيل حاصل لمجمل التجربة الحياتية والثقافية التي تراكمت لدي في مسعى البحث عن الامساك بالحقيقة والقدرة على تأجيل الموت القادم في كل لحظة، وامكانية قهره لكي لا يجيء. إنها محاولة فاشلة سلفاً، لكنها ممتعة على الدوام. كل منا يحمل "سيزيف" في صدره، ولا يتعب من ايصال صخرة حزنه إلى رأس الجبل. أنا لا أدعي امتلاك القدرة على تجديد الأدب الكردي، فهذا شرف قد لا أتمكن من الحصول عليه، لكنني سأظل مخلصاً لهذا الاحتراق الشخصي المتنامي في سياق تواصل التراجيديا الكردية على أربع جهات. إنها محاولة نبيلة، على أية حال، للدخول في قلب الحقيقة، كشاهد صادق على مايجري، والخروج بنص أدبي قادر على اختراق المكان والزمان واللغات، لرفع قيم الحب والتنوير والمتعة والمعرفة. لعل وعسى أن يصبح هذا العالم أقل بشاعة.

* متى تشعر بالسعادة ، ومتى تنتابك لحظات الحزن أثناء الكتابة؟

ـ الكتابة مهنة حزينة. أنا لا أكتب إلا في لحظات الحزن الشديد. أنا متشاءم بطبعي، وينتابني احساس دائم بالعبث. يأتي أحدنا إلى الكون دون ارادته طبعاً. يرى نفسه في مكان يُسَّير على العكس من مشيئته، فيظل يحارب الهواء للوصول إلى فهم مايجري، يتحسر الطفل لدى رؤيته الكبار، ويتمنى أن يكبر يوماً، ليفهم العالم ومَنْ حوله بشكل أفضل، والكبار يتمنون أن يعود شبابهم أو أن يكونوا أطفالاً، لكي يرتاح بالهم من الألغاز التي تحيط بهم، وعلى إثر عجزهم عن الوصول إلى تحقيق مايرغبون به. هناك، هنا، حيث نعيش، تختلط المراحل لدى البشر. يعيش الطفل كهلاً، وتعثر لدى العجوز على كل صفات المراهق. تقام الانتفاضات وتُسحق. تشتعل الثورات، فيُقتل الأوفياء، ويحوز الأوغاد على ثمار أتعاب الآخرين. يأتي جيل جديد بمشاريعه الهائلة فيجترّ الآمال نفسها، الأهداف نفسها. ويأتي جيل آخر بمقولاته الجديدة، فيدخل في الحلقة المفرغة نفسها، إلى أن ينكسر الحلم من جديد. إنه العبث بعينه ما نعيش. لقد انسحبتُ شخصياً