مواضيع أخرى


 

 

جوانى عـبـْـدال

الومضة الضائعة في مهبها

(فانتازية الهايكو، والغنائية المفقودة)

الومضة

إن النصوص الفلاشية ـ الومضة.. التي توجز في الحدث والكلمات والصور والأخيلة، والتي تفتقد كثيراً من مقومات الشعر والقصيد المعروفة بغنائيتها المعهودة، يشار إليها من طرف خفي كتقنية جديدة، وهذه الإشارة الخفية التي يشير إليها المرء جراء تلك الحالات التخاطرية في ذهن المتلقي أو في وجدانه وحسه.. أدت إلى خلق بنيوية تلك الأشعار في شكلها الفلاشي ـ الومضة.. أو على نمط الشعر الياباني, أو بما يسمى "الهايكو"، و"التانكا", وإعطائها من بعدها الآخر إلى بعد آخر مغاير، وهي تندرج ـ في رأي البعض - تحت بند التمرد على المشهد الشعري الكلاسيكي من ناحية، ومن ناحية أخرى الشعر النثري أو الحر، أو كما يقال عنهما شعر التفعيلة، وأضيف بأنه كم هائل من التجريب من آفاق معادة، لأجل تقنية إثراء الكلمة واللغة، وضد القوالب الشكلية السلفية الجاهزة الجامدة كما يقال عن الشعر المعروف، وهو بالتأكيد تمرد عليه، كما في تقنية فنية جديدة للقطعة الشعرية القصيرة وبنائيتها المدهشة، التي تعتمد على الجمل القصيرة والكلمات المبهرة، الغنية بالسردية الموجزة، وبفقدانية مقومات الشعر الكلاسيكي ـ الشرقي عموماً ـ المعروف بغنائيته ومشاعره الجياشة والمحن الذاتية قلباً وقالباً والمعاناة العاطفية.. بشعرية نثرية أقرب ما تكون إلى قصيدة التفعيلة، وببنوية هادئة الإيقاع... الخ. 

إن ذلك التمرد وتلك المشاغبة اللغوية.. يُختزل أحياناً كعنصر فني في تشكيل القصيدة الجديدة المهداة إلى مولود شعري جديد، وهي هلامية في أفقها؛ فكما هو معروف فإن الشعر الشرقي بكلاسيكه أو بحديثه يركز على الغنائية، والعاطفة الجياشة والأنا المهولة ذاتاً فردية، كما في مجموعة مترادفات، وفقد ذلكم العنصر يؤدي به هذا الكم من التجريب إن لم نقل المشاغبة الشعرية، وإعادة تلون المشهد الشعري. وهذا القول يفصح في سرده، وهو ـ أي الشاعر أو المتمثل بشعر الومضة ـ  الذي يجنح إلى التكثيف والاختزال والتركيز كما يدعي -  يسعى إلى توسيع دائرة التوتر وتبلورها في البنية المجردة لوحدة القصيدة وتعدد دلالاتها.. بهذا الهم المتربص بكليهما، ليتشبث بثنائية التجديف الذاكراتي والخيالي، والإدهاش التجريبي في لحظة معانقة المفاجأة ـ القفلة المتلقاة، بأقل الكلمات والصور والجمل، وذلك عبر جملة من المفارقات الدلالية - الذاكراتية، في الحالة التي تضفي هي بدورها إلى أسلوبها قيمة جمالية مغايرة للسائد الشعري.     

إن الإدهاش في الصورة من خلال الفكرة الموظفة للسرد الشعري الموجز، والتي تعتمد على الغريب من الحواشي اللغوية (كلمات وجملاً أحياناً)، تركز على التكثيف المعقد.. وعلى الجمل القصيرة جداً.. والمتكررة، ولكن بصورة أخرى, أي بمعنى ترادف الصورة بالتشبيه من تطور الفعل الحسي، وكما يبدو جلياً في نصوصها التي تمثل وتنوب عن كل أنماطها وأساليبها. 

وليس التمرد الخالص هنا حين يُرسل الشعر بيانات سريالية، اوأحجية مقنعة على اللغة، واللعب على أوتارها القلقة.. مغلفة بطرز من الومضات، والتي تضيء نقطة، إثر نقطة لسرد الكلمات واللغة إلى أشكال النظم في الكتابة الشعرية المعروفة.. لترتعي في بركة ضحلة، بمفاجأة باردة غير متوقعة من ترادفات التشبيه الدلالي.. أو بما يمكننا القول الصحيح، أنها مختزلة على نمط مشابه للهايكو الياباني.

وفي السياق بمعنى الكلمة هو تمرد بكل تأكيد، بأن تتخلص من العبارات الجاهزة والرموز الممجوجة، وتقليعة القديمة ـ الكلاسيكية، ومن التراكيب القائمة على المطابقة والجناس والتعبيرات الزاهية في ظاهرها؛ وبرغم المآخذ، فلا يعني ذلك أبداً أن هذه نواقص إشكالية تبعث على الملل, أو أنه مهلهل من جراء فعل التكثيف والإيحاء الشديد، بل على العكس، يجعلنا ويسوقنا إلى استنباط فكرة هنا ومعنى خلف الرمز ذلك، أو صورة شعرية مثيرة، ومن تركيبة لغوية جديدة لدى المتلقي.

في شعر الومضة، إهمال للكثير من التفاصيل, ولكن سرد المشاعر يبقى جليلاً، بحيث يقبض الشاعر الحق بناصية هذه التفصيلات بلمحة ذكية وبفنية عالية الصنعة.. من إيحاءات ودلالات موجودة برموزها، بما يختلج في القلب من عاطفة, والمتجذرة في اللاوعي من أحاسيس ومشاعر بالتزامن مع لحظة الانفعال ذاتها.

بالطبع.. إن الشعر صناعة شاعر، وليس حرفة محترف ترف، يزوّق في اللغة والكلمات والجمل، إن هذا الشعر ـ الومضة - لا ينزع إلى التجريد والتأمل العقلي فقط ، بل إنه إلهام وخيال يجنح إلى الابتعاد عن الواقع المعاش ـ القاسي الوقع، ولإعطاء هذا الواقع بالشعر جمالاً وانبهاراً وبعداً آخر، بأن يعطي شكلاً مثاليا للأحاسيس المتداخلة في ثوانيها..

وهنا في هذه المقولة ـ الومضة، حساسية زائدة وعاطفة جياشة أكثر، وهي فنية بسيطة عادية في تأملها، وأقرب للحياة ومصادفاتها الاعتباطية، وهي بقدر تفاعل المرء بما حوله، خيالاً وأفقاً متعدد الرؤى برهافة وحس جديدين، وهذا الفيض في الخيال والأفق، الشاعري الفطري والمعرفي الثقافي، يجعل المضمون في الشعر وفي الأدب إجمالاً غريباً ومحبوباً على الدوام، كمثال الشكوى من جفاء الحبيبة ووصالها، والشكوى من سطوة الزمن وترهل العمر.. وفراق الوطن وضياع الأمل، وعن خيبة الآمال إجمالاً، والوحدة الموحشة. نعم هي الأنا والذات المضخمة.

النقد

ونحن هنا، إن حاولنا أن نجيز هذا النص ـ الومضة.. فنحن في الحقيقة لا ننقد.. للكشف عن الأخطاء والهنات، بقدر ما هو تواصل مع النص، وفتح آفاقه المغلقة والخفية، وقراءة ما وراء الكلمات والأسطر، والتي تربض مخفية أو مبطنة بالألق، والتي لها دلالات تأويلية، كما ولها رمزية متوالفة المعالم.. لما كانت عوالم معروفة أم كانت عوالم مبهمة.

ويكون ذلك بالبعد عن النظرية الأحادية البعد، التي يشخصها إمرؤ ما، إنما بالتوسط لكل الرؤى والآراء، لتعم الجميع أسلوبياً كانت، أم كانت تركيبة، أم كانت دلالية. نعم، ليس النقد تفكيك للنص فقط، ووضعه تحت مبضغ جراح، إنما هو اكتشاف لعوالم جديدة لم تقل على الأوجه الأنسب.. ورؤى لم تنقل إلى المطلوب، كمتعارف أسبقي.

والمعروف عن الشعر روحانيته وجموحه أيضاً، وانطلاقه من عقاله إلى الخيال واندماجه في الطبيعة، والتوحد بالآخر بلغة سلسة وقريبة من الحس وبعيدة عن التكلف، ولا يترك للتفكير المعقد المجرد إلا قليلاً، من التجربة المعاشة، ليسوق المرء إليه.

بالتأكيد ما يقدمه شعر الومضة بكل أنماطه، يعطي بعداً جديدا للشعر في مقولته، وهذا له ما يبرره، إن في التجديد، أو في التجريب، وهو أن أحداً لن يأخذ مكان الآخر، أو يسد النقص في مكان آخر، إلا وله مجال وموجة تيار سيصله إلى مد شاطئه، لا أن يكون حالة خاصة بذاتها.

إن التلاعب اللفظي بالصور والتشابيه والمطابقة المعنوية للكلمة من جملتها وإعادتها، ماهو إلا تكوين لتكرار المضمون الشكلي لأسلوبية الشعر الحداثوي. وكما أن عبثية الحداثة الشعرية التي يركز الشاعر جل اهتمامه بها، لإظهاره، يبدو متضخماً في ذاته, إظهار رؤى وأنماط غير السائد.. بعيداً عن جمالية شعرية ـ غنائية معهودة.

كما أن المفارقة في شعر الومضة، بما يدعى القصيدة الشفوية القصيرة، تعتمد على صورة وأخرى لا أكثر، ولا تعتمد على تقابل الصور والتشابيه، إنما على قفلة مفاجئة وحركة غير اعتيادية في السياق الشعري لترادف الكلمات والجمل، هي تلك القصيدة التي تعتمد على الومضة بحدوتة ذهنية، وكما تعتمد على التكرار للازمة بلفظة بأخرى القصيدة وكوبليه لقافية غير مدوزنة، يخاطب ذهنية القارئ وليس عواطفة واحساساته، وانفجار هذا اللتكثيف لا يشتت الفكر والفكرة عند المتلقي.

فيما تناوله الشاعر، وكما يلاحظ أن مخاطبه ليست حبيبه وليست قضية آنية ولا قضية مؤجلة، لتوافق معنى الحياة، وليست حدوتة قصصية، وإنما ما يهمه آنياً هو الكلمة والقصيد واللعب على أوتارها المتلونة بكثير من الحب، في تدرجات الأجل ومتحديات الأزل, وهو أني ها هنا!!. أي لا يكتب الشعر إلا ليكون شاعراً مجدداً. 

فهل هي الفانتازيا الشخصية التي تتلبس الشاعر، حيث القول فقط ، ولا هم شخصي على مستوى القلب، ولا هم مكاني على مساحة الوطن؟، بالتأكيد هذا لا يعني تجرداً إلا قول العكس في مرات عديدة، مبثوثة بين القصائد والقفلات والجمل القصيرة، وكما يبديه العنوان ـ الومضة ـ الفلاش، ما هو إلا استفزاز يجود به متنه على طول الخط، وهذه لها دلالات استفهامية تقودنا إلى تساؤلات مبهرة حيناً، ومبهمة حيناً آخر، أم هذه موجه خطابي للشعر ككل عام، أم هي للمشاغبة التفردية، أم هي مجرد مودة التجريب والبحث عن الجديد‍، والتمني بالسبق والاكتشاف، أم هو تمرد على الشعر التقليدي المباشر ذات الصور والخيال الجامح والفكرة اللامعة، أم على المضمون والشكل معاً؟!!.

ولهذا النمط من الشعر مآخذ كثيرة على الشعر التقليدي، المعروف بالغنائية المتوالفة مع الصور والأخيلة ذوي الرتابة في فكره ورؤاه المباشر التقليدي والتقريري، والحشو الزائد في سرده، والذي يرى الشعر في التكثيف والاختزال، كفراشة تطير، وشرارة تومض ببعض كلمات، وتقول بعضاً من حالة شعرية مركبة، تكفي، وليس أسطراً وأبيات معادة بالملل ولا تكفي. نعم، وبعيداً عن الإطناب، هكذا يركز الشاعر على التكثيف، ليجمع كما من القيم الفنية في بسطة واحدة.

الهايكو

وكتعريف للهايكو هذا، هو أيضاً تكثيف للفكرة وكذلك للمضمون، ولكن ليس في الشكل السردي، وحتى لو اجتزأنا من أصل النص الشعري بعضاً من كلمات وجمل، لما تغير شيئاً في متنه، لا في الفكرة ولا في المضمون حصراً، لأن نصاً هكذا يستغني عن الأحاسيس والمشاعر الجياشة بغنائيتها المعهودة، التي تختلج وتتهاجس بها الذات مع الموجودات الإنسانية من انفعالات وتآلفات مع الآخر، من أم وحبيبة ووطن أو طبيعة وما ورائية فيزيقية ، إنما هو في ذاته قائم على المفارقات اللفظية في سرده ويبني أعشاشه على أكتاف اللغة والصور المترادفة بالكلمات، وهو، أي النص، لا يقوى الغوص في الفكرة، بل يغمض في الفكرة ويتشرد في المعنى، بالتساوي مع الشعر.

وشعر الومضة المقابل لهايكو الياباني المعروف, يعتمد على التكثيف المبالغ فيه للقصيدة، وذلك عن طريق تقصيرها على معنى ودقة التعبير أيضاً على بضعة كلمات وجمل، ذوات إيحاء ودلالية مكثفة قوية, ففي الشعر

من المهم أن توجز في الإيحاء، ولا تفيض في الوصف والتشابيه، ولا تسهب في مماطلة المضمون.

إن هذا النمط، الهايكو ـ وليسعفني التعبير ـ الذي يعتمد على التقطيع والتجزؤ، والتكثيف المللي، حيث يبدو كأن لارابط يجمع بين الجمل والصور الشعرية والفكر؛ وفي الشعر, وبخاصة الهايكو، يزوغ نحو اللامحدوية والإشارة السطحية والفكرة العابرة، وهي تفتقد الترابط العضوي السلس في بنيتها، ومن مميزات هذا النمط استعمالها- اللغة وترادفاتها دون دلالات -  بشكل مقصود، كعنصر فني في بناء القصيدة الشعرية.

وهي بعكس قصيدة التانكا، وان كان يمكن لها إبراز المضمون من خلال صور الطبيعة, وأن يرمز إليها، حيث لا يطلب من الشاعر أن يعرض عواطفه وانفعالاته الشخصية وألمه ومصابه بشكل كامل.

والتانكا، أي القصيدة  القصيرة التي تعتمد على الجمل القصيرة والكلمات القليلة، أطول قليلاً من الهايكو.. وهذا النمط الشعري كان سائداً بين البلاط، حيث الحاشية والرهبان المتمكنون من اللغة ومن التخم الفراغي، نعم, الملل الوقتي الصارخ.

وكتعريف موجز للهايكو: هو نمط من الشعر الياياني، تطور من قصيدة التانكا، وذلك بأن حذف منها البناء السفلي، أي السطران الأخيران، وهي أصلاً مكونة من خمسة أشطر.. ففي بادئ الأمر كانت المحاولة في تكثيف القصيدة عن طريق تقصيرها والسعي نحو دقة التعبير، كما يبدو لكتابتها ونقشها على مساحات الرسم والنحت على الخشب أو العاج أو على سيف أو تاج ما، مزنرة بالأزهار والألوان، ليعطي للوحة قيمة جمالية مضافة إلى الأخرى.   

إن الهايكو، بالتحديد، هي القصيدة ذات الأسطر الثلاثة والمقاطع الصوتية السبعة عشر، طبعاً دون قافية أو وزن عروضي، ويدور محورها على صور من الطبيعة أو انطباعات عنها في المركز الأول بترميز وإيحاء أقل، وبذلك فان موضوعها ـ بخلاف قصيدة التانكا ـ محصور بدقة في الطبيعة بفصولها الخمسة كما عند اليابانيين وما تتضمنه من طقوس وعادات، وتبجيل للنبات والحيوان وغيرهما.

 

الدرباسية

 

 

 

 

 

www.tirej.net

 

 

 


 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006