الشجن الثقافي


 

 

زردشت محمد

مونت كارلو الكردي: "العم جميلو"

 

1

عبثاً, نخاطب الأثير حين يقتحم الخبر المشوش على دماغ آباء يتشاطرون في تفسير الخبر اليقين. وهم في إصغاء تام, يستنجدون فيها رحمة المذيع, ولو كلمة تلفظ (أكراد – كردي – كردستان), حتى لو كانت مسبة ومضادة, فهي على الأقل, تثلج الصدر وتحسسهم بكينونة ما, عبر هذا المذياع الذي ينقل صدى وجود إلى مناحي البلاد. وحينها, سنكف عن الزعيق (كنا في وعي الذات!), ونشمر عن ساعدنا, لنباطح اليأس وندخل في اعتزاز, معركة الالتحام. قلة قليلة تتجمع في استقراء البدايات, وتدخل التكوين عبر القلق والخوف, متحدية كل أصناف الإمحاء والعنجهية المتسلطة, ودخول الآخرين في ملهاة كتابة العزلة, والانضمام إلى تقارير عن بني جلدتهم، يجرون عقال المتسلطين ويضعونها على رؤوسهم في تباهٍ, واستنكار للذات ومحوها في حسن سلوك, يرفعونها الآن دون تأنيب ضمير، وبسلوك يبيعون دم الشهيد في مراوغات, بدأت من ولي العمامة للشيخ المستبد بنعمة الولاء, إلى تستر في شكيمة الحزب العروبي، وتنحيه إلى بغال الماركسية بتعبير أممي, إلى مدخل الكرداتية وسحب البساط من تحت الزعيق وتفرد بالحدث, بموالاة الأسياد. ليفتتوا ما تبقى, باسم الوعي والذات والكردية، ويقتلوا حلم الطفولة في مهرجان الثقافة, المستمدة من سيرة تقاريرَ تدربوا في دبلجتها, في حجرات فقهاء أسياد، ليلعنوا الذات بما فيها, من تدريب وعي فاجر إلى صدور كردهم. ويتوزعون في بلاد الثلج لشرح قضية شعب, يرزح تحت نير من يدبر لهم جوازات، يبحرون فيها إلى الأمم المتحضرة. في حين لا يستطيع أي فرد أن ينطق باسمه, ويبيعون دم ضحاياهم رخيصة في ديمقراطية من أرسلهم!!.

 2

من المفارقات الكثيرة, أن تفسير الخبر وتوزيعه محلياً. لم يكن له نكهة, إن لم يضف العم "جميلو" ديباجته الخاصة على الآخرين , وبذكاء يندمج في غرابة مسكنته التي لم تكن تزعل أحداً. ويتنقل من بيت, لبيت، ويأكل أشهى ما فيه, وأحياناً تضاف إليه أرزاق نقدية. وجل أحاديثه عن كردستان العراق والزعيم البارزاني, وثوراته المتتابعة.

الملا مصطفى البارزاني

ونحن الصغار, نشنف آذاننا في حديث العم الخيالي, وأحياناً تنفلت الجمل منا وما كنا نفهمها.

العم جميل فيه علل ظاهرة, يتلعثم بتأتأة مزعجة، وإحدى عينيه مصابة بالرمد والبياض. ينقل أخبار إذاعة لندن المشهورة آنذاك, وحديثاً مونتي كارلو, وإذاعة الثورة الكردية في (شمال العراق), ونتف من إذاعات لم نكن نفقه لها إسماً ولا نعرف من أين هي. ويحلف اليمين المعظم بصحة أخباره, وأنها خاصة به ولا يعرفها سوا .

كنا نصغي إليه بشوق, صغاراً ونساء. بينما الرجال في أحاديثهم البعيدة عنه, يشاطرونه أحياناً ببعض التعليقات الجانبية, ليزداد حماساً في ابتكار أخباره العجيبة والغريبة. وإذا فاض الكيل به ودخل مسار الإزعاج بتضخيماته المحببة, يقول أحدهم: غنِ "هَيْ فلك فصوتك أجمل؟ . ولا يتردد العم (جميلو) بإفلات الصوت الجهوري العذب. ونستغرب جداً منه على هذا التواصل, وهذا الصدح الحنون دون أن يتعثر لسانه, وكيف تُفك عقدة هذا اللسان في الغناء؟ . وبانتهائه من الغناء, يستأذن بالخروج لأنه يدرك أن مهمته انتهت هنا، وعليه أن يلف البيوت, بيتاً بيتاً.

فيما بعد, أطلقنا عليه (مونت كارلو الكردي). وهكذا ثبتت عليه. وبقدومه,  نعلن ساعة الأخبار، ونرمز بتفاصيل الأحداث عن حالات نخترعها,  ليفيض بدقة ندرك مدى تقمصه لها رغم وهمها, ونرتاح كمن يفك رموز فنجان القهوة والمندل.

3

بعد دخول التلفزيون حياتنا, تغيرت أساليبه. وما عادت تستقطب أهل البيت أحاديثه التي فقدت رونق الإثارة, مقارنة بمسلسلي (رأس غليص) و(دليلة والزيبق) وغيرهما. ويتودد إلينا بقصص الخرافة, ويشبعنا بتهويماته التي لا تزال حاضرة في أدمغتنا وذاكرتنا المنهوبة بالخيال المقارب للجان. من قصة الحصان ذي الأرجل الثلاث, عاشق الأميرة وانتظاره المزمن لمنازلة الأسد المجنح, وفك لغز عودته إلى شكله الطبيعي باستسلام أو قتل. ونغيب في شروح وتفصيلات سحرية, ننسى فيها ارتباط الإنسان بخيالنا الذي يشحن الصوت في تصورات تعيدنا, إلى البدء والسديم. 

4

 ذاكرة (جميلو لا يمكن لها أن تخيب, وتتحدى الكمبيوتر في معرفة الشخوص, ولادةً وموقعاً, وانحدارها القبلي والوظيفي وتاريخها المفصل. ويتحفنا بمعلومات خاصة جداً عن هذه الشخوص المتحركة. بدءاً من (ديريك) مروراً بكل قرية، حتى (عامودا) نهاية تغطية إرساله ومراسليه الخاصين به. معلوماته من الشخوص, في تجواله بالتجمعات من حي إلى حي, ومن مكان إلى آخر, وأكثرها خصوبة مدينة القامشلي. يتحدث عن فلان وعلاقته مع أجهزة أمنية, وحكومية رسمية, حتى البلدية. ويسهب في إيصال الحدث إلى ذروته, ويلعن هذا الفلان الذي ذهب إلى البلدية ليخبر عن آخر, يبني بيته دون ترخيص, وكيف هدمته البلدية وسجنته. ويؤكد بغضب أن هذا العمل خيانة, وما فائدة تلك الليرات التي يحصل عليها, مكافأة عمله الشنيع هذا. وليزيد من اهتمامنا بحديثه, يمسك بياقة قميص أحدنا ويقول: ليس هو وبس, فابنه يكتب التقارير التي يتلوها عليه, ويتسكع في الحارات مثل الخفاش ويخبر أباه عن الناس. (مونتي كارلو الكردي) يجيد العزف على كل المواقع, ويستنبط الخبر من الصغير، حين يتعذر عليه الوصول إلى الكبار. أسئلة متتابعة بأجوبة مقتضبة, وحكايات تبدأ بلا نهايات, من الشرق والغرب وكل الجهات. وإحراج الشخصيات بمواقف يضطرون دعمه بنقود حين يحلف برأس الآغا الكبير، أنه شاهده بالحلم في جنان الخلد. هكذا كان يدعم إذاعته, بهذه الإعلانات التي تدر عليه قوتاً جيداً وتدفعه للصدارة.

5

جكرخوين

كان (جميلو) أمياً, ولكنه كان يحفظ من الشعر الكردي الكثير, الكثير. من الملا الجزيري, وجكرخوين, وأحمد نامي...، وغيرهم من الشعراء. ينقل قصائدهم من بيت لبيت, إما بطريقة الغناء, أو بمهارة خطابية, يلقيها بشكل رائع جداً, يجذبنا ويشدنا لسماعها بإعجاب لا تخلو من السحر. ونستغرب من ذاكرته العجيبة في حفظها, وخاصة, القصائد الحوارية الطويلة كقصيدة (ستير وشبال) للشاعر جكرخوين. ولقد حفظت عن طريقه, أكثر من خمسين بيتاً منها, لِما كان يتمتع به من أسلوب خطابي, بإيماء مسرحي مؤثر.

فيما بعد تغيرت الأحوال, ومعها تغيرت أساليب (مونت كارلو الكردي). ودعمها بتقنيات ذكية, تعفيه من الغوص في شرح الأحداث وإضفاء الغرابة غير المجدية. استنبطها بفطرة تحمل نضوجاً (للذات؟) أبعد بكثير من شهادات جامعية تزج بالمجان, ومن كتبة يسلطون مفردات النميمة والغيي, على صفحات بيضاء تتألم حسرة بهذه الحال، التي انسكب عليها الحبر مسترخصين الدماء الطاهرة, ليظهروا بطولة مهزومة؟!!!!.

6

هذه التقنيات بسيطة, ولكنها تعبر عن دهاء, يسحبنا إلى ساحته بكل هدوء, نتلو عليه الأخبار من المجلات والجرائد التي كان يتحفنا بها بدلاً, من أصحابها. ويركز, كبائع المجلات في المكتبات, على خبر يثير الناس ويحيطه بخط أحمر عريض, هكذا، ومن خلال الصور وبحنكة مفضوحة, يشير إلى مقال ما نلخصه بعد قراءته. وخلال وجوده, يغير إشارة إصبعه على مساحة المجلة أو الجريدة، لنقرأ الخبر ونشرحه له. وهكذا ومن موقع لآخر, يكون قد وصلته الجريدة بالكامل, موفراً على نفسه عناء التأتأة, والرذاذ المتطاير منه وهو يتحدث إلينا بصعوبة.                      

خلاصة التطور في الأدوات, لم تستطع أن تبدل من الذات ما نشأت فيه وعليه. ولهذا تبقى الذاكرة رغم سيطرة الوسائل التقنية السهلة, بين أيادٍ لا تستطيع استنباط الذاكرة الموشومة بخصوبة الدم الممزوج والأرض. ويبقى (العم جميلو) صلة الرحم, في تبرئة الذمم الناقصة التي تجاهد للخروج من مستنقع المواربة وتجميل الظاهر. ويضحك في عبه, بصوت خجول لا نكاد نسمعه, ويتجاوز محنة لسانه ويصبح طليقاً, حين يعلق على شخوص مكشوفة على الملأ, وخربشتها للتسلق على أكتاف الصامتين  للوصول إلى ما لا يمكن لها أن تصل. ليغسل عاره قبل أن يلوث القضية .

يقولها دون أي عناء, ويتبعها بحديث آخر. مؤكداً على نشرته المحلية, والزمن المخصص للمتابعات الميدانية الأخيرة.

قامشلوكي

 

 

 

 

 

www.tirej.net

 

 

 


 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006