مواضيع أخرى


 

 

 

 

أحمد عمر

الحبر من سم الثعبان

 

 

من بحيرة الدواة الزرقاء، انبثق لي شيطانُ القصة، وقال:

"يجب أن يكون لك وحشك. انظر إلى ذئب هيرمان هيسه، وحوت هرمان ملفل، وشهريار شهرزاد، ومسخ كافكا، ودب فوكنر، وشرطي زكريا تامر، وبطريرك ماركيز، وعمى بروخس،وحنين سليم بركات..".

قلت: وحشي ألمي.

وكان ينكش أسنانه بعود من خشب شجر الشمشاذ ـ شجر الغلبة، التي منها صنع تابوت طالوت. ألقى الشيطان العود، فإذا هو ثعبان يسعى.. فنفرت وتوقّيت.

أشار إلى الثعبان الملتهب، وقال: اكتب بحبره!؟

قلت: يارب الشر، يا مطروداً من الرحمة، ياعابد نفسه، يا كاشف السوءات، يا من يعطر جدائله ببول الذئب.. هذا ثعبان وليس حبّار!!

 فقهقه وقال: اكتب ببصاقه؟!

أنا امرؤ جبان، أخاف من دودة الأرض، فكيف بالثعبان؟! الثعبان كائن ميثي.. طوطم.. منذ أن سرق نبتة الخلود من جدنا جلجامش وافترسها، تحول إلى عدو أزلي لأحفاده.. التهمها فخلُد، وحولها، زيادة في الشماتة، إلى موت يتربص بأحفاد الضحية؟!

هذا مايسمى في لغة الطباعة وعلوم توزيعها: حقوق الخلود محفوظة.

ولأن الشيطان يجول في الآدمي مجرى الدم، قرأ ما يجول بخاطري فنقضه: السم هو سلْحي؟! هربت من غضب الرب واختبأت في فم الثعبان، ومن رعبي من القهار المتجبر، سلَحت على نفسي، سلْحي أكسير الحياة.. وسم الموت؟

خبأت الثعبان في سلة، وكلما وضعت الورقة، سمع خشخشتها، سمعها بلسانه الذي يطلق أشعة تحت الحمراء، فخرج.. بين الثعبان والورق ثمة قربى ونسب وأحلاف، ربما هي ورقة التوت الأولى.. ربما تذكره بعشبة جلجامش؟ أو بشجرة الخلد؟ بتبديل الجلد والولادة الجديدة.. أضع عدتي: مجازاتي ورموزي الواقية، أتلو تمتمات وتعاويذ .. وأناورالثعبان وأبارزه.. ثم أنقض بأصابعي على عنقه، في غفلة ، وأعصر نابه، في حلق قلمي ..ك ل كلمة تحمل تهديداً بالموت..

اكتسبت مهارات بعد مائتي ورقة وحفنة قصص. السم الصافي سيكشفني، الرقابة تمنع الكتابة إلا بالحبر المختوم برضاها. الحبر المسموح له بالجريان على ورق الصحف هو (الوطني)، المصنوع في (المؤسسة)، بشعارها المرفوع: أفضل حبر هو بول الدهاقنة، أرباب النعمة؟ لا. لا رب نعمة إلا الله. لا.. سلْح الشيطان أشرف لقلمي؟؛ توصلت بعد زمن إلى صناعة حبر أثير لقلمي :

مثقال من سم الثعبان الغاضب، مثقال من الضحك الأسود، ومثقالين من اللوعة، ومثقال من العرق المالح، وأردْباً من الخوف، ومثقال مطحون من الحنين إلى البدايات الأولي، إلى لحظة جلجامش، سبعة.. ثمانية.. تسعة.. تسعة وتسعين قنطاراً من القهر، منفوحة بذرور من رماد الغضب. الخليط يمزج بعود من شجرة شاب درخت، معبودة أصحاب الرس، في صدفة سلحفاة صحراوية، مقتولة صبراً تحت سياط الشمس، ويفضل أن تكون الصدفة مأخوذة عشاً لقبرة الحذر، من بعد؟!.

بعد قراءاتي لرواية جورج اوريل 1984 أو الزيني بركات، أو رواية (الواقع)، لا أذكر تماماً، أصبت بالرعب. خرج بصَّاصان تفوح منهما رائحة القماقم، واقتحما بيتي في عزّ النهار.. هو ليس بيتي تماماً، مكان أقيم فيه مقابل أجر، قال لي أكثرهما (بشاشة)؟!: هذه زيارة ودية وعفوية!!.. أخبرنا طريد الجنة إنك تلعب بالنار. عرفت زوجتي سبب الزيارة (الودية).. بعد مغادرتهما، نظرت إلى الثعبان ذي الناب الأعصل وقالت: ستحرقنا؟.

استعنت بعلوم النظر و( أم الاختراع) وعلم الحيل، في صناعة وتركيب أقرباذين حبري . وحتى  أنجو من شر الزيارات العفوية، ناديت (شيطاني) الذي لا مواثيق له ولا عهود، ورجوته أن يجعل ثعباني في شكل حبل أو دودة أرض، تقيةً.

فسخر مني:  ثعبانك بالع وليس بلاسع؟!.

أسرعت إلى السلة، وأمسكت غريم جلجامش وسارق خلوده ومنهل حبري، من رأسه، ضغطت على غلاصمه، فانفتح شدق الموت، ثم ما لبث أن استحال بين يدي إلى عود.. أعجفَ.. نحيلاً، له عقد، مجثوثاً من.. غصن شجر الشمشاذ؟!

حواشٍ وذيول وثمالات

بدأت بالكتابة عن تجربتي الشخصية في مجموعتي الأولى (مقصوف العمر1991) مستلهماً سيرة الصبا في قصص يتغير اسم بطلها، لكن صفاته هي نفسها، في مجموعتي الثانية (قلب الدراق) 1999التي ضمت قصص مرحلتين: من سيرة الصبا ومن مرحلة القمقم (الوظيفة). جربت فيها بلاإفراط، في الشكل القصصي. المجموعة الثالثة (شارلز بن ديكنز)، ضمت تجارب من الماضي البعيد،كتبت بعضها بالحبر المذكور آنفاً، ونجحت في تهريب رسائل ممنوعة من التداول، في شكل جديد: كل قصة متن وهامش.

وقعت على هذا الشكل من قصة عزيزة كان يمكن الاكتفاء بثلاثة أرباعها، فسربت ربعها إلى الهامش. المتن يغني عن الهامش، لكن الهامش يزيد في حمولة المتن وتوسيع دوائره وأطيافه. في مجموعتي الرابعة  التي قد تصدر، تقيةً، باسم مستعار - كأننا لم نغادر من متردم- اكتشفت أنني موهوب، وصاحب معمل قصصي.. أستطيع أن أزعم  أني أستطيع كتابة قصة عن  امرأة جالسة أمامي في المقعد (..)، والتي ألمحها للمرة الأولى، حال انتهاء هذه الشهادة!!

في مجموعاتي الثلاث الأولى، كنت أسبح في السواحل، قريباً من الشاطىء، حتى إذا خشيت من الغرق تمسكت بطوف التجربة، أنا ازعم الآن أنني قادر على الابتعاد إلى اللجة، ليس بعيداً جداً، وبطرق محددة في السباحة. لو اتسعت تجربتي الشخصية، لفعلت الأفاعيل، الوظيفة قمقم ولا تعلّم غير الانتظار.

رضعت قصتي من الحكاية الشعبية، ومن عزيز نسين امتصصتُ السخرية، ومن زكريا تامر خلط الأزمنة والأمكنة والمجاز والواقع، ومن سليم بركات لغته وترميزاته وتقنيعاته.

أزعم أنني قاص (فحل!).. المثل يقول مادح نفسه كذاب- تعلمت من كتّاب كبار، ومن كتبة صغار، ومن زملائي الشعراء في ملتقى جامعة حلب الأدبي؟ معملي القصصي مجهّز بأحدث الأجهزة، لكن المشكلة في المواد الأولية، قيود الوظيفة وأجرها لا يتيحان الوقت والمال لشرائها- هكذا أعذر قصوري- كما أن الكهرباء تنقطع عنه كثيراً، فتتعرض بعض قصصه للتلف. كما أعترف أني بعد كل قصة كتبتها، في مرحلة المجموعات الثلاث الأولى، قلت فيها لنفسي هذه قصتي الأخيرة.. هذه وصيتي؟ لقد انتهيت. حتى أنني كنت أؤجل قنص قصة في الدريئة ،أحياناً، حتى أوهم نفسي بأن لدي ما أفعله. الآن تغير الوضع.. أكتشفت أن التجربة تغنني والأدوات تزداد.. صار بوسعي النبش في مساحات لم أكن أحلم بها، فالقرية الأولى يمكن أن تتحول إلى قارة بالتجربة والخبرة  وبالقراءة (نظرياً على الأقل).

أكتب القصة بشغف، وبمسؤولية، وأستمتع بالسباحة في الحبر، في اللجة. أفرح لقلمي الأعرج وهو يقلز على الورق الصقيل، ويحاول رصد مشاعري وترتيبها ومتحها.. عندما يتعثر قلمي بإحساس أو يصيد فكرة، أفرح مثل لاعب سجل هدفاً في مونديال.

بعد الانتهاء من كتابة القصة، أتذكر صرخة فراشة هنرييت شاريير، في نهاية الفلم المأخوذ عن القصة، في المشهد الأخير الذي يبدو فيه وحيداً بين السماء والبحر، حراً، مثل آدم الأول، صرخته التي تشق الكون مثل ساطور يقسم تفاحة إلى فلقتين:

أنـــا هـنــا يا كــلااااااب..

 

* شهادة في القصة، ألقيت في المعهد الفرنسي للشرق الأوسط.

 

 

 

 

www.tirej.net

 

 

 


 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006