القص


 

 

فــــــــرات جَـــــــوَري

الحمامة البيضاء

 

 

الترجمة عن الكوردية: فواز عبدي

خمسة أيام كانت قد مرت على إطلاق سراحه من السجن. رغم أنه كان في الخامسة والثلاثين من عمره، إلا أنه لم تبق شعرة سوداء واحدة في رأسه. كانت وجنتاه قد غارتا، وتجاعيد وجهه قد غدت أشبه بتجاعيد المسنين. ذاك الوجه النضير الناصع قد شحب الآن. وقد انحنت تلك القامة الفارعة التي كانت رؤيتها حسرة لفتيات الحي في وقت ما. لم يعد ذلك الشاب الذي كان قبل خمسة عشر عاماً؛ فقد صار كعجوز.

أجل، مرت على إطلاق سراحه خمسة أيام... إنه الآن في غرفة عمله في الطابق الثالث، جالس عند النافذة ينظر من خلالها إلى مطر بدايات الخريف. يضحك بين الحين والآخر، ويغمغم بعبارات ما، ثم يخلد إلى الصمت. هذه هي ثمرة سنوات سجنه. قبل خمسة أيام، حين أطلق سراحه، شعر والده وأهلوه بحالته هذه، لذلك أسرعوا في عرضه على طبيب مقرب منهم. لم يستطع الطبيب تشخيص حالته، اكتفى بالقول: «يجب أن تأخذوه إلى أنقرة». لكن، لا هو كان يرغب في الذهاب إلى أنقرة، ولا وضع العائلة يسمح بذلك. ذات يوم جاؤوا بعجوز من قرية جبلية لتعد له بعض الأدوية، وتقرأ له بعض التعاويذ، غير أنه ظل يضحك من العجوز أكثر من عشر دقائق، بعدها هجم عليها، ووضع يديه في عنقها، ولولا تدخل أهل البيت لخنقها. العجوز التي نجت بصعوبة من بين يديه، خرجت من الباب راكضة بعزيمة شاب في مقتبل العمر.

يزداد هطول المطر حيناً، وحيناً يظن المرء أنه يشرف على الانقطاع، لكنه يشتد من جديد. أما هو فقد أسند مرفقيه إلى الطاولة واضعاً رأسه بين كفيه، ناظراً إلى مطر بدايات الخريف دون أن يطبق أجفانه. أحياناً يرغب في تعقب نزول قطرة مطر من الأعلى وحتى ملامستها الأرض، لكن سرعان ما تحول قطرات أخرى بينه وبينها، مشتتة ذهنه. كما فكر مرة في وجود المطر؛ فشبه الغيوم الداكنة المتناثرة في السماء ببحر شبيه بغربال. في هذه الأثناء تذكر تلك العجوز من جديد، فقهقه مرة أخرى، بعدها توقف تماماً. اتسعت حدقتاه. ثبت عينيه المتسعتين على الغيوم. حقيقة، كانت تظهر من بين الغيوم السوداء حمامة بيضاء؛ كلما اقتربت كبرت، وكلما كبرت ازدادت شبهاً بأخته. أجل إنها أخته، رآها بعينيه.

رفع مرفقيه عن الطاولة وأمسك بها بشدة، محدقاً في أخته؛ مرتدية ثوباً رقيقاً، عاصبة جبينها بضفيرة من شعر الخيل، وهي تحوم قبالته، راغبة في الدخول عبر النافذة. وحين أدرك ذلك هب إلى النافذة، فتحها، فدخلت أخته. مع أن المطر كان غزيراً في الخارج إلا أن الفتاة لم تبتل. عيناها تشعان مثل خرزتين زرقاوين، وشفتاها الممتلئتان حمراوان بلون وجنتيها، بهيئتها تلك وقفت على قدميها في إحدى زوايا الغرفة. ضامة جناحيها على جسمها مائلة الرأس، تبكي أخاها. قالت:

- ماذا أصابك يا أخي؟ أين شبابك يا شقيقي؟ لم قتلت شقيقتك؟ كيف طاوعك قلبك في قتلي؟ كيف طاوعك قلبك في قتل شقيقتك التي كنت تحبها كثيراً؟

آه.. كم اشتقت إليك! آه.. كم أنا راغبة في احتضانك. كم أرغب في أن أحتضن أخي الوحيد. أحتضن نور عينيّ. يا أخي، يا أبي، يا شقيقي.. لكني غير قادرة. والآن سأختفي إن لمستك يدي، لأني ميتة، لأنك قاتلي... آه.. يا أخي كم كنت أحبك. ألا تتذكر مناقشتنا أمور عرسك؟ بعد مضي سنة على قتلي، في اليوم المحدد لعرسكما رمت خطيبتك بنفسها أمام عجلات القطار منتحرة، في ذلك اليوم كنتُ سأقود الراقصين في عرس أخي.. شقيقي الوحيد. تماماً في ذلك اليوم حلت خطيبتك ضيفة علي. أخبرتني عما حل بك، أخبرتني أنك سجنت بعد أن قتلتني. فقدتْ صبرها، ومن أجل حبك رمت بنفسها أمام القطار وماتت. لم أرها منذ زمن بعيد؛ منذ تلك الليلة التي زرناك سوية في السجن. ستأتي إليك حين تسمع بإطلاق سراحك أينما كانت. حاولنا عدة مرات أن نزورك معاً لكن الخوف الذي زرعه فينا الحراس كان يمنعنا. إنك لا تفارق خيال خطيبتك. يوم حلت علي ضيفة أخبرتني أنها ستصل إليك بأي طريقة كانت. إنها حرمت على نفسها الزواج في الدنيا والآخرة. لقد جنّت بسبب حبك يا أخي، فقط غضبت منك قليلاً حين قتلتني، لكني رجوت ضيفتي أن تصفح عن أخي وتسامحه، وقد وعدتني بذلك. قلت لها: مهما كان فإنه أخي الوحيد، اصفحي عنه. قلت: حرام، إن أخي رقيق القلب. وقلت: إن أخي وإلى اليوم لم يؤذ نملة، لكنه قتلني، لا يهم، ما جرى ليس ذنبه، الناس هم السبب.. لولا الناس لما استطعتَ قتل أختك! لما طاوعك قلبك! أخبرت خطيبتك بأنك أغمضت عينيك وأنت ترميني. أخبرتها أنك لم تكن ترغب في ذلك. قلت لها: إنه كان يحب الناس كثيراً. وأخبرتها أنك كنت تحبني كثيراً. أليس كذلك؟ أما كنت تحبني؟ ألا تحبني يا أخي؟

دموع الرجل تتدحرج من عينيه عبر وجهه غير الحليق على ذقنه ثم تسقط على الأرض. صار ينشج باكياً كطفل. رغب في أن يضع رأسه على كتف أخته ويبكي بصوت عال. رغب في أن يعتذر منها. رغب في أن يخبرها مدى شوقه إليها، رغب في إبداء ندمه الشديد.

فقدَ صوابه. اتجه نحو أخته ليحتضنها، لكنها رجته قائلة بأنها ستختفي إن لمسها. لكن الرجل لم يتمالك نفسه، رمى بنفسه عليها. مع رميته اختفت الفتاة. هوى الرجل على وجهه في أرض الغرفة، ومع سقوطه اصطدم رأسه بزاوية الطاولة فانبثقت الدماء. لم يشعر بالجرح في رأسه.

حين دخلت أمه الغرفة، وصرخت مستنجدة بالجيران، شعر بنفسه كمن يصحو من حلم ثقيل وبدأ يستعيد وعيه شيئاً فشيئاً، ويدرك أنه سقط على الأرض.

كان المطر الداخل عبر النافذة قد بلل الورق والكتب على الطاولة، وجرى الماء تحت البسط والطنافس الممدودة.

نقلوه إلى المشفى بمساعدة الجيران، ضمد الأطباء جرحه، لفوا رأسه بشاش طبي، كان بين الأطباء طبيب صديق طفولته، نصحوا والده بنقل ابنه إلى أنقرة، وإن كان بإمكانهم نقله إلى أوربا فسيكون ذلك أفضل. شكا والده من ضعف الإمكانيات، وللحصول على بعض المساعدات طلب النصح من صديق ولده حول ما يجب فعله. وعده الطبيب بتقديم كل ما باستطاعته، وتألم لحال صديق طفولته؛ الذي كان شعلة من الذكاء والنشاط.

كان ذكاؤه ونشاطه معروفاً للجميع.

قبل خمسة عشر عاماً، كان ترتيبه الستون في امتحانات كلية الطب، من بين مئة وخمسين ألف طالب، أما صديقه هذا الطبيب المعين في مشفى المدينة فقد حصل بصعوبة على درجة الألف. لقد قرأ أيام الثانوية الأدب الكلاسيكي الفرنسي والروسي، كما نال الجائزة الأولى عن قصته "الثمل" في مسابقة نظمتها صحيفة البلد، بعدها ترجمت قصته تلك من قبل أحد أصدقائه إلى الألمانية، وقد طبعت من قبل دار نشر معروفة في ألمانيا ضمن أنتولوجيا باسم "الأدب الشرقي". لا أحد ينكر ذكاءه. حتى أن عمه الذي يشغل منصب رئيس بلدية بلدته، والذي يحبه كثيراً، كان قد وعد بإرساله إلى إنكلترا لإكمال الدراسات العليا. لكن حين انتشر بين الناس أنه قتل أخته تحت تأثير عمه، لم يصدق أغلب الناس ذلك، ومن أجل أن يتأكدوا بدؤوا بالاستفسار من العاملين في البلدية، الذين ما كانوا يرغبون في أن يظهروا رئيسهم على أنه السبب في هذه المأساة. حسب ما يقال، وحسب ما انتشر في البلدة فإن القصة تبدأ هكذا: أخته التي كانت مضرب المثل في الجمال كانت مخطوبة لابن عمها. وكان قرار الخطبة قد اتخذ من قبل الأخوين، والطفلان لما يزالا رضيعين في المهد؛ لكنهما مختلفان في طباعهما، وابن عمها الذي ما كانت تميل إليه بأية مشاعر حب قد اعترض طريق زواجها. إنما كانت الفتاة تشعر بميل إلى أحد جيران خالها، وحين شعرت بأن كل الطرق مسدودة أمامهما هربا معاً. ومن أجل أن يضيعا أثرهما، لجأا إلى تغيير مكانهما باستمرار؛ حيث ما كانا يمكثان في مكان ما أكثر من ليلة. وبعد ثلاثة أشهر، يصدف أن يراهما عتال في إزمير سمع صدفة بنبأ فرارهما والجائزة التي خصصها العم لمن يدل عليهما. غلب الطمعُ الضميرَ فأرسل إلى أهل الفتاة يخبرهم بمكانها. ومن جهة أخرى خدع الحبيبين بعقد صداقة معهما، وفي أحد أيام الصيف الأكثر حرارة عقدت المفاجأة لسانهما وأصيبا بالدهشة عندما وجداه يصحب والد الفتاة وعمها واثنين من أبناء عمها في الدخول إلى الدار. مد الشاب يده إلى يد محبوبته محاولاً الفرار، لكن عمها –رئيس البلدية- ذا الجسم الضخم أسرع إلى مسك الشاب من ياقته جاذباً إياه نحوه، ثم دفعه بقوة ضارباً ظهره بالحائط الإسمنتي، تقيأ الشاب، وقبل أن يمسح فمه بظاهر يده لكمه ابن رئيس البلدية، ذاك الذي أفسده الدلال فنشأ جباناً، غير متناسق القوام. لم تتمالك الفتاة نفسها، فهجمت عليهم، وحين حاول عمها صفْعَها عضت يده، صدرت عنه صرخة أشبه بخوار ثور. لم تنفع مقاومة الحبيبين في التخلص منهم، فربطوهما من أيديهما وأرجلهما إلى حلول الظلام، حملوهما في خلفية سيارة فوكس، وقطعوا مسافة ألف ومئتي كيلومتر، توقفوا خلالها ثلاث مرات فقط. أثناء التوقف للمرة الرابعة كان الشاب قد استطاع بطريقة ما فك حباله، رمى بنفسه، بسرعة رصاصة تنطلق من فوهة بندقية، إلى صندوق سيارة "بيك آب" تزودت بالبنـزين للتو وبدأت بالتحرك من المحطة، لم ينفعهم جري بعضهم خلفها؛ انطلقت السيارة بسرعة مبتعدة عن ذاك المكان. سجل عمها رقم السيارة وسأل عنها العجوزَ العامل في محطة البنـزين. تناول العجوز ثمن البنـزين هازاً رأسه علامة النفي، تاركاً سؤاله دون جواب. ركبوا سيارتهم مغادرين محطة البنـزين، وبعد ثلاث ساعات، وفي الساعة الثانية عشرة والنصف وصلوا المدينة. صادفتهم دورية في مدخل المدينة، وحين وجدوا رئيسهم حيَّوه وسمحوا له بالمرور دون تفتيش. اتجهوا مباشرة إلى دار والدها، أمسكها ابن عمها من ضفيرتها ساحباً إياها من السيارة ورماها في أرض الدار. حين استيقظت الأم ووجدت ابنتها الشبيهة بوردة دون أشواك على تلك الحال، لم تتمالك نفسها، ارتمت عليها، لكن الأب بدأ برفسها وتوجيه الشتائم إليها متهماً إياها بالتواطؤ في هروب البنت. بعدها حمل الرجال الفتاة فيما بينهم وأخذوها إلى الغرفة العليا، ربطوها من جديد، أغلقوا عليها الباب، وتركوها هكذا مدة ثلاثة أيام دون أن يسقوها قطرة ماء أو يطعموها لقمة خبز. في اليوم التالي طلب عمها هاتفياً من أخيها القدوم من استنبول، فقدم بالطائرة. فاجأه الوضع، لم يصدق الأمر بداية. بعد ذلك أقنعه أعمامه بغسل العار الذي لحق بهم، حتى يستطيعوا العيش بين الناس مرفوعي الرؤوس من جديد. أحضروا له مسدساً نقش قبضتها نقاش آشوري بالفضة، وطلبوا منه أن يقتل بيده تلك الكلبة؛ أخته. لم يقبل بادئ الأمر. مع أنه كان يرغب كثيراً في تخليص أخته لكن بعض الأسباب منعته؛ لقد انتشرت أخبار الحادثة في المدينة، وهي مثلبة كبيرة لعائلتهم المعروفة. ومن أجل إعادة السمعة الطيبة، واسترداد كرامتهم وشرفهم كان لابد من قتل الفتاة. ولأن الفتى كان مدركاً لكل هذا فقد قبل قتل أخته، أخذ المسدس من عمه، دخل مرتين غرفة أخته، وسدد نحوها لكن قلبه لم يطاوعه، فلم يطلق، بل كان يكتفي بالوقوف على قدميه والتحديق في أخته. أما أخته أمالت رأسها، ناظرة إلى أخيها، أشبه ما تكون بعجائز القصص والروايات بشعرها المتناثر. لم ينبس أحدهما بكلمة. في اليوم الثالث وحين فتح أخوها الباب بقوة في منتصف الليل، رأى أخته واقفة في زاوية الغرفة.

حين رأته أخته، وكأنها تتنبأ بأنها ستقتل هذه المرة، ضحكت في وجهه. وقتها تحولت أمام ناظريه إلى عجوز خرافية. تملكته رهبة شديدة، غرق في العرق المتصبب منه وكأن وعاء من ماء صُبَّ عليه. احمرت عيناه كجمرتين فأطلق صرخة قوية في وجه أخته. مع الطلقة الأولى تناثر دماغها، ولأنه أطلق الرصاص في اتجاه واحد، ومع الطلقة الأولى ارتخت ركبتا الفتاة، فقد جاءت الطلقات السبع الأخر في المكان نفسه.

***

هذا ما كان يفكر فيه حين وجد نفسه ،مساء، ممدداَ على فراشه معصوب الرأس، مثبِّتاً نظره في سقف الغرفة. يفكر في سنوات سجنه. شاهد الكثير من الأحداث. خالط الكثير من الناس. رأى العديد من المعروفين. وحتى يملأ أوقات فراغه، ولكي يتناسى الأمر قرأ الكثير من الكتب. بعدها ساءت حالته، ففترت رغبته في قراءة الكتب، وبدأ يؤجل زياراته، حتى أنه لم يكلِّم أصدقاءه في السجن فترة طويلة. فقد سيطرت الحادثة على تفكيره تماماً. بعدها، استوى جالساً فجأة. وبعد لحظات اتجه إلى غرفة عمله. قبل خمسة عشر عاما، وقبل أن تحل بهم هذه المصيبة، كان وضعهم الاقتصادي جيداً؛ باستثناء دارهم ذي الطوابق الثلاثة كانوا يملكون ثلاثة دكاكين "مال فاتورة" في المدينة. غرفة العمل هذه كانت له وحده. أعاد الجلوس أمام طاولته؛ أسند مرفقيه عليها، وأمسك رأسه بكفيه ناظراً إلى الخارج عبر النافذة. هذه الحالة أصبحت كعادة بالنسبة إليه منذ خروجه من السجن. فجأة اتسعت حدقتا عينيه ووثب نظره إلى البعيد. أجل، لم يكن مخطئاً، فالتي بانت من بعيد وتطير قادمة باتجاهه إنما هي أخته بنفسها. هب من مكانه وفتح النافذة. دخلت أخته ووقفت في الزاوية السابقة نفسها.

- كنت قد أخبرتك ـ قالت- أنك لو لمستني سأختفي. والآن يجب ألا تلمسني يدك. إن لمستني اختفيت ثانية.

اختفت مرة ثم عادت. أو أن الرجل تخيل ذلك. حدق في ناحية أخته، فوجد –حقيقة- تلك المتكومة على نفسها في زاوية الغرفة أخته. أخته التي كانت مرتدية ،قبل دقائق، ثوباً أبيض رقيقاً، بوجهها النضير الناصع وخدودها الحمراء، تحولت أمام عينيه الآن إلى أخته قبل خمسة عشر عاماً؛ شعر منفوش، ثوب ممزق، هزيلة ضعيفة. لذلك صرخ عالياً، ومع صرخته ردد: «لا..لا». أيقظت صرخته أمه وأباه وأخواته الصغيرات، لكنهم حين لم يجدوا ما يقلقهم عادوا باستثناء أمه التي أغلقت النافذة ومددته على الأريكة، جلست عند رأسه برهة وبدأت تمرر أصابعها في شعره الأشيب بلون الثلج. وضع رأسه على ركبة أمه ووضع ركبتيه في بطنه كطفل. تألمت الأم لما حل بابنها؛ ذلك الابن الذي كان كجبل، وصار الآن في هذه الحالة المزرية، تنفطر القلوب لمنظره. فكرت لحظات في طفولة وشباب ابنها. تذكرت فتيات الحي اللواتي كن يحترمنها فقط من أجل وسامة ولدها. كلما حكّت الأم رأسه كلما ازداد انكماشاً كطفل، تساقطت دموعه قطرات على الأرض. أما أمه فكانت تمسح دموعها بوشاحها لئلا تسقط على وجهه، وتدعو على أعمامه؛ أعمامه الذين ظلموهم يوماً ما، وبالأخص ذاك العم الذي كان سبباً لمقتل ابنتها ووصول ابنها إلى هذه الحال.

كانت تدعو على ذلك العم، تقول "مناجية نفسها": أعميت بصيرتي فليعم الله بصيرتك. وتقول: خربت بيتي فليخرب الله بيتك. وتقول: فليصبك عمى لا برء منه. كانت تقووول وتقول.. وتقول.

بعد لحظات نام على ركبة والدته. ظلت أمه دون أدنى حركة حتى الساعة الثالثة ليلاً خشية إيقاظه. لكنها وبعد أن لم تعد قادرة على تحمل الخدر، ولكي يذهب ابنها إلى فراشه، اضطرت إلى إيقاظه. هب مذعوراً نتيجة الحلم الذي رآه ومسح عرقه الذي خلفه الخوف بظاهر يده. مسكته أمه من يده وقادته إلى غرفة نومه، مددته على فراشه، قبلت وجهه، أطفأت المصباح، وبهدوء أغلقت الباب وخرجت. فارقه النوم، وبعد خروج أمه بما يقارب نصف الساعة اتجه إلى غرفة عمله مرة أخرى. مع دخوله فتح النافذة مباشرة، لكنه عاد وأغلقها، وأخيراً فتحها ثانية. هذه المرة فاجأه الصوت من الداخل مباشرة. التفت مذعوراً نحو الصوت، رأى أخته ملوية العنق تريد أن تخبر أخاها ببعض الأمور. تراجع الأخ إلى الخلف قليلاً، جلس على كرسي في الزاوية الأخرى، ونظر هو الآخر إلى أخته ملوي العنق. شك لحظة في أنها ليست أخته، وأن ما يراه ليست سوى رؤى تتراءى أمام عينيه، لكن، وكأن أخته كانت تقرأ أفكاره أسرعت إلى القول:

- أنا أختك يا أبي! أنا صوركل. قادمة الآن من عند خطيبتك.

دقق النظر فيها من جديد، حاول استعادة صورة أخته قبل خمسة عشر عاماً وبضعة شهور، لم يطرأ أي تغيير عليها، إنها مازالت محافظة على جمال ما قبل خمسة عشر عاماً وبضعة شهور.

- اليوم رأيت خطيبتك. أرادت أن أبلغك تحياتها، –قالت له- وأخبرتني أنها بانتظارك وقالت: "لن أتزوج غيره، أخبريه ألا يتزوج غيري". كانت ترغب في المجيء معي، لكنها لم تأت، بل قالت: "أخبريه أن يأتي هو إلي". وقالت: "أليس من حقي أن يأتي هو لزيارتي؟". قلت لها: نعم، من حقك. سأذهب إلى أخي وأحضره. إنها تستعد الآن لاستقبالنا، إنها بانتظارنا. هيا يا أخي، هيا لنذهب.

اتجهت أخته نحو النافذة، أمسكت درفتي النافذة بيديها وقالت لأخيها الذي تنهمر دموعه على وجهه غير الحليق "فلنذهب". خرجت الفتاة من النافذة مبتعدة. وظل صوتها يرن في أذنه :«الحقني يا أخي، أنا بانتظارك!.."

أمسك الرجل النافذة بيديه، صعد، ورمى بنفسه لاحقاً أخته.

***

في الصباح الباكر، حين عاد الملا من المسجد إلى البيت، لمح من بعيد شخصاً ممدداً، يحوم حوله كلب وجرو يتشممانه.

مع اقترابه عرف ابن جاره. كان قد سقط بداية على وجهه ثم انقلب على ظهره. تشوه نصف وجهه الأيسر، دماغه تبعثر هناك. أبعد الملا الذباب الأخضر عنه، وبمنديله غطى وجه