KKKKK

 


سجالات نقدية


 

زردشت محمد

فرهاد جلبي في حضن الذاكرة

 

الفراق المشحون, في وقت عصي, باْمال مشلوحة على بركان أسئلة مفتوحة على المدى, يستقطب أوجاع متداخلة، وروحنا القلقة  في حلم, ما يكاد يخرج من تحت الركام حتى نذهب, بلوعة المفارق إلى حتف لم يحن أوانه بعد. نرسم خفقة الجناح في ريح تعاند التحليق على أفق يوئد راية حلم متوارث في غبش السراب, أو ضمن زوبعة الفضاء الذي يأبى إلا أن يغلق الدموع المتحجرة في مآقينا؛ ويرحل الأحبة في غفلة من الزمن, وينكسر ربيعنا على قامة الفصول, بعمر بدأ ليكون مفردات سلوان على النزوح والغياب. مختصر الكرد, ربيع يتلاشى في أوردة الحياة سريعاً, وكأنه في طلاسم غيب مطموس بغياب, دون تكحيل عيون بحلم, وترتيب البيت وفق عنوان الله في الأرض والعيش في سلام ووئام. كل يوم , يزورنا الموت في صدمة مبتكرة، يرخي حزناً في سويداء القلب, ويشعل نار قهر وحسرة في مرتع نرتاده, حتى أضحى الحزن وراثة الشجن المستفيض, وخارطة تشكلنا.

في زحمة البحث, ينهمك المرء بإيجاد مرتكز ينطلق فيه نحو الحياة, ويلاحق الوميض في كشف ستر الأيام, ورفع التعب عن كاهل منحول, في خلق فسحة لمعاودة الأنفاس المتقطعة إلى مسارها الطبيعي, ويفك مختصر الكرد الغامض, المناوش لرفع هذه الهامة من دمار وتعسف الآخرين, وفي هذا الانهماك يُستهلك الروح وتصبح سهلة لمبتغى الموت. تراكمات, تخلف تراكمات ويزداد الوضع سوءاً, في غفوة التعب لتضعضع الجسد , وتكتمل الآفة في القضاء على الروح , الهائمة بمدخل الهوية المتناثرة في حصون الآخرين, الرافضين لقول الحق والحقيقة. أطفال يرضعون الغربة من ثدي مليء, بالرعب والتشنج, تنتصب قاماتهم في معارك يومية لأجل البقاء, يتشظون في وباء الديمومة المقرحة بلوثة التاريخ, والعدم في كفاف لا يغير سنوات العجاف, الجاثمة في منبتهم، وشباب يواكب البريق, في نبوغ البحث عن ضالته الهاربة منه, يبتكر التنافس في مسك الوقت المتسرب من طغيان سطوة حاكمة, ويسطر شيئاً من اسمه المنسي, في الفراغات المتبقية أو المنسية. يصنع رايته, بألوانه الخاصة الحالمة بالصفاء, المنتزعة من خلاياه بكثير من الشقاء. ويركب الموج تلو الآخر, عساه يمتلك ترابه المجبول بالدم, والمباح لقرصنة تلو الأخرى, ويأخذ فسحة من الوقت, في ترتيل شجون ممزوجة بالحداد الأبدي. شباب متحول من طفولة ناقصة, إلى رجولة تخوض المعركة قبل أن تستنشق عبق مراحل الإنسان, في تسلسل نحو العمر المشرع له في قوانين الطبيعة, وترهله وفق الزمن باضطراب الجسد في محن ثقيلة, حوصر بها مبكراً ليختصر ربيعه في شكوى الموت الموزع بكل الجهات؛ وليلتقط زاده المعجون بالقهر, ويكون كطود في شموخ الوجود, ينتزع من براثن الغي والضلال, الحقيقة المغيبة عن اصرار وتصميم, ويجعلها رايته الخفاقة في كل زمان ومكان.

أما آن لنا أن نستريح قليلاً, نضم الحنين المجبول بالحلم الحقيقي, نطلق زغاريد الخلاص من بثور غيرت معالمنا وأسلمت بالقيح المتفجر, ولم نتمكن بكل الوسائل لعلاجها ونزعها عنا؟! أما آن أن نمتلك موتانا, ونرتل بيقين الألم الذي يعتصر قلوبنا, خسارة العمر في مهب البحث عن كينونة تضمنا إلى الجسد الهادي, في حضن أم تشم رائحة الوداع المرير دون عودة وتزمل القامة المفجوعة, بوشاح أنينها ورباط قلب مثكول بقتيل الحلم وهجرة مسكونة في مورثات الكرد, بحُقن السطوة لنعيش السواد تلو الآخر. نموت في صحوة الحياة, من ارتجاج يهز السكون المسبوق انفجار نواة القلب، ونلم بعثرة الأجساد, في حيرة الفقدان, راكضين في كل صوب, نندب ما نسيناه في سهو الصراع, بين لقمة عيش كريمة والحفاظ على وجود يحاول الكثيرين محوه، وتضطرب محاورنا المتباعدة في سر, إلى شتات الصدمة تلي أنيننا المشرع في فضاء الزمن المفتوح بطامة الشتات, والوقوف في اندهاشنا مصعوقين بالبعد عن الحلم، ونستقبل الموت برحلة فصول لا توفر تقلباتها, نفض الأرواح, حيث الحداد ينخر صلبنا ويشغل الزمن بشهية النواح المزمن, وإيقاظ جملة السكون التي تترنم في خيم السواد لنعلن عن مفاتن الفقيد, والمناطحة لمد جسور الكلمات في مواصلة الدرب, الذي لم نحاول أن نخلق وحدة حال فيه  وكأن الموت لا نراه معششاً في كل جزء وثانية, دون رؤية الجسد الميت, الذي يحرك هذا الفوران, ولم يحركه أثناء معركة الحياة؟!

من حقنا, أن نمتلك  بهرجة الموت في اشعاله الحريق, الذي يدفعنا للتوحد في إخماد الفتنة, ونلتفت لبني جلدتنا في فخر, ونزيح عن بعضنا الحصا , ولغة التشنج, والمؤامرة والخيانة, ونرفض الخط , بميزان الحلول المستندة إلى العقل والحلم, ولا نكتفي بذرف دموع وخطابات ونفترق إلى جحور العزلة, نتبجح بهذه الأوكار وننفخها لتصير قلاعاً منيعة في وهم, سرعان ما تنطبق وتتهدم على رأس صاحبها؛ حتى وإن ذكرنا محاسن موتانا, لنبتعد عن تضخيم, وإلباس قمصان لا تليق بهم، وتشوه قاماتهم بحجم أكبر مما هي عليه, لا بل لنترك الحقيقة كما هي, احتراماً لما تركوه من أشياء جميلة, تضاف إلى جسد الوطن المنهوب, وتغلق فصاحة المديح المتهور، ولنقف بكل وضوح, في تحمل الفاجعة التي لا مناص لنا بالخروج منها, إلا بتزكية الروح المفارقة عنا وإظهار القيم التي تمثلتها, لتدشين صرحنا, لبنة فوق الأخرى مطعمة بالتضحيات التي تهبها الجموع العاملة في صمت ولا نقف ونتوازن دونها، ولماذا لا نُكرم, إلا بعد الفقدان؟, ونندب الزمن الهارب ونحن في غفلتنا وشجارنا المؤلم, ولا نتقبل بعضنا إلا ضمن توصية, وانتهاك للحرمات ونصوص غفران تدبج لشخوص مفرغة مهترئة, تحمل بيمينها أقدارنا وبيسارها تحرق الأخضر واليابس؛ والذي يحاول الخروج عنها, توصمه بالعار والبيانات المجهزة على مآدب المجموعات التي تشتري وطنيتها من شخوص تتقاسم كرامة الإنسان, أوسمة نضال تذكرنا بمفاتيح الخلد التي تعلق في رقاب تشتريها من سلطان حاكم بأمر الله. من حقنا, أن نمتلك موتانا ونودعهم كما يجب أن يكون, وكانوا, وإن فاضت دموعنا أكثر برحيلهم, وتمزقت الحسرة في شجون تنشر حريقها في مفاصل أجسادنا، لنكف عن التمثيل بالفقيد, وندلق صراخاً استثنائياً مزيفاً يفضح صاحبه, وينتهك حُرمة الموت, ويتدافع ليعتلي المنصة ويقف في المقدمة ويشهر دموعه الرقراقة, ويترنم بصوت فيه غنة الحزين الكسير, ويخاطب القلوب المنكسرة ليضمن كرش الوجاهة, وكأن هذا المنبر تتوالد فيه وجاهة تلو الأخرى. ماذا ألم بنا؟ وهل دخلنا نفق المناسبات لنكون؟ وحتى الموت وسيلتنا نحو تأكيد وجودنا, وإن كان الموت عبر , ولنا في الجميع جرح الفراق الصعب وألم الصدمة ونأسف للرحيل المبكر وما تحتويه من غصة, لشباب في ربيعهم وقوة عطائهم؟! وإن توقفنا عند طرف, بما فيه من مثالب أو صفة لا ينفي مطلقاً الآخرين الذين فارقونا, لا بل يجعلنا ننقل الأمانة كما هي, ويجب أن تعزز بما تحتويه من وجود في سيرورة الحياة وإضافاتها الشاملة للمستقبل, والاستناد إلى القيم الممنوحة, مبتعدين عن نفخ القُرب المثقوبة ونصادر أحاسيس الآخرين, والاستخفاف بعقول الجموع المجروحة التي تصمت, احتراماً وإجلالاً للفقيد والمصاب الأليم، وكل ممن نفتقدهم, لهم المقام في الحياة وخسارتهم, هي خسارة مختصر الكرد, الصامد في مواجهة الالغاء, وشلل العزيمة التي تتبدد في هذا التباعد والانطفاء, وتقدر مداها من تكوين إلى آخر, بقدرته على فك السلاسل المعقدة التي تحتاج لجهد, ووعي نشط، وهذا التكوين, يفرض شروطه بعيداً عن التزويقات التي تخرب الشكل والمضمون, ويستدعي الوقوف ليضيف إلى لوحة الحياة بلمسات خاصة, جمالية تكويننا الإنساني الذي نسعى لإخراجه من القيود التي تزداد وتعقد خلاصنا, وترسخ فكراً قابلاً للتداول في مسيرة الحياة ونقطة مضيئة تندمج في حزمة الضوء, التي تبدد حلكة النفوس لتعيش وفق قوانين إنسانية طموحة. فهل تكفي المهرجانات, واستعراض صرخاتنا في بوق النفير لنزيح عن نقطة الضوء, الحواجز والموانع وندعها تندمج مع حزمة الضوء وتأخذ مكانها المناسب؟ أم نشذب ما في نفوسنا ونتقبل الحقيقة كما هي, ونعطيها حقها دون أن نثقل كاهلها بما ليس لها ولا تزيد الطين إلا بلة؟ أم أن إثارة الزوبعة لا بد لها أن تعمي الأبصار, ولا تقلع شيئاً عن الصدور؟ ما نرمي إليه, يحتاج إلى محايدة في الموضوع وإبعاد المحسوبية عنها, وإن كان لها بعض التأثيرات بحيث لا تطغي على ما نحن عليه، وأية مساهمة, تقدر رغم جنوحها وفق أطر معايير تتخذها مجموعات معينة لهدفها, وتساند هذه المساهمة, وتلك من منظورها الخاص، رغم أن المطلوب منها, أكثر من ذلك بكثير في دعم وتقوية الأشخاص المثابرين في هذا المنحى, وترسيخ أرضية تشكل نواة, تلم هذه الطاقات وتبدع في جو من الثقة بنفسها، وتزيح عن كاهلها الزمن المبدد في شجار ومناوشات تشوه الطموح وصاحبه، وأن تترك الحرية في حركتهم, دون أي ولاء مطلوب مقابل هذا الدعم, وتضخيمهم مجرد انتماء يبدونه, وتزلف مفضوح في النهاية، رغم كل استهانة مؤقتة بعقول الجموع، ما أثار حفيظة الناس, في فاجعة موت "فرهاد جلبي" وأخويه، رحمهم الله جميعاً, رغم المصاب الأليم, محاولة كل طرف تقديم عروض سخية في ذرف دموعه, واستنهاض ملاحم التباكي والرثاء وجر مهرجان الجموع النادبة للموت, إلى حضنها, وإقناع الحاضرين بأنهم أصحاب الفقيد, ويتمخترون زهواً بهذا الامتلاك، ودبجت القصائد, والكلمات وصرخ من صرخ لجذب الأنظار ليس إلا، وضاع الصدق في هذا الهياج, وهذه الظاهرة المستفحلة في ظهور من لا شغل لهم  سوى دس العصا في الدولاب, واقتناص فرص الموت، لتأكيد عقد النقص فيهم على وجود لا ينتمون إليه؟ لنترحم ونرحم من فقدناهم, ونحترم موتهم ضمن توليفة الخشوع من نفاق وتسطح, لا يمكنه إلا أن يكون بلاء على الحي والميت, وتصبح هذه الظاهرة داء تحصدنا جميعاً, وننعي أنفسنا بخسارة, في الحفاظ على ما يمكن أن يشكل كارثة, إن بقينا ضمن وهم حصاد الموت؟

كلنا نتوقف صمتاً في حرمة موتانا, وننضم في تشييعه, ونتألم للفراق, ونتشكل في امتصاص هذا المصاب, ضمن تآلف يحسسنا بضرورة التوحد, ونبذ الخلاف لوحدة الحال. ومن الطبيعي, اظهار مناقب الفقيد لتكون نقطة ضوء في وجداننا, وتهيأ مناخاً للتخلص من نوازع غير صحيحة في نفوسنا, ونتصالح مع ذواتنا قبل الآخرين, ونقيم الحداد وفق ما يستحقه هذا الموت الصارم, المحدث بطريقة وأخرى، لا أن نتدافع, وفق الظاهرة التي أصبحت سائدة, لإظهار سلوك مختلف عن الواقع الذي تتكاثر فيه النرجسية, وتحسين صورة ذاتهم التي يقحمونها في رثاء يمنون ذاتهم فيها, ولا تنتمي للفقيد إلا بجزء يسير منها, ولا يمكن لها أن تخدع الجموع التي تصمت إجلالاً للميت, وتزداد ألماً بالأحياء أكثر من رهبة الموت. فهل نتعظ بالموت ونتوقف عن المتاجرة, ونحر رقاب بني جلدتنا, بأوهام المديح المجاني ونخلط الحابل بالنابل, ونبتعد عن الهدف من تكاتف الجموع في تشييع أحبتنا؟

وموت فرهاد وأخويه, أثارت بعضاً من مخاوفي اتجاه هذه الظاهرة, وخاصة سهولة الوسائل المجانية في نقل الحدث, ودخولهم في حماسة غريبة,  ميداناً يمتدحون فيه شيئاً لا يعرفونه إلا لتغطية الحدث وغرف دلوهم. وعلاقتي بـ "فرهاد لا تتعدى الاحترام المتبادل, وبعض الأمنيات في تمتين مواصلة فكر ثقافي واندفاع نحو مختصر الانتماء, رغم تباعدنا في العلاقات الفكرية, والتي كان يسعى فيها ضمن طرف حزبي معلوم للجميع, مهد له المجال وأعطاه الدعم القوي, ليتحرك بحرية لم تُقدم لغيره, وهو كان ديناميكياً في حياته, يتواصل عبر مجموعته بشكل حيوي من خلال الفرق الفلكلورية, ومهرجانات ثقافية مرتبطة بفصيل , ويشرف على القسم الثقافي, ومساهماته في الجريدة الثقافية التي يصدرها هذا الفصيل, وسفيرهم إلى المنابر المشتركة، وهذه الفعالية, نكن لها الاحترام، وإن كنا مختلفين في بعض الجوانب بما تطرحه, فهي تعبر عن قناعة خاصة بهم، ولكنها, تشكل مع الجميع وحدة حال تتدفق في مختصر الكرد كيفما كانت؛ وبالتالي فيها وجهات نظر مختلفة, ومتباينة من زاوية وأخرى, والمشترك فيها ما تركه فرهاد هي التي, تعطيه مقاماً ما وفق هذه المساهمة. ولن أتوقف عما قيل وكتب عنه, في هول الفاجعة, وحرارة الحزن, وقساوة المصاب, والانكسار الذي يحدثه الموت المرير, وما حدث من اقتناص للبعض في تدابير شؤونهم الخاصة, التي أشرنا إليها بالظاهرة المرضية الخطيرة، رغم البوادر الايجابية التي أبدتها الجموع, في احترامها لموتاها والتضامن بوحدة الحال لما أقيم في تكاتف رائع, واصرارها على انتماء لكل من يساهم في مختصر الكرد، ويعزز مكانة هذا الشعب المضطهد، فأين يقف فرهاد من هذا الحضور ضمن المشهد الثقافي الكردي "بعيداً عن حزبيته, وما هو الأثر الذي تركه, ونقله بأمانة العقل، لا العاطفة التي تنحاز للمشاعر الشخصية المتضخمة فينا؟

قامشلي

  

 

 

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006