Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


ملف الشاعر الراحل فرهاد جلبي 


 

 

محمد نور الحسيني

 

عاشق الشعر والفرح والرقص، يختمها بتراجيديا

 

1

كان هو يكتب بالكردية ونحن بالعربية، ولكن كانت ثمة مساربُ متدفقةٌ تجمعنا هنا وهناك.. نلتقي حول أمسية شعرية، أو تبادل لكتب ومجلات أو لسجالات ونقاشات، كنّا نخرج منها أكثرَ وداداً رغم الاختلافات لا الخلافات.. والاختلافات التي في العَرَض لا في الجوهر؛ لأنّا جميعاً كنّا ننتسب إلى مَحفل الشعر والفن، ونأتي إليه من مسارب شتى ومن مشارب متنوعة، لكن كانت شفاهنا تَمَسُّ نبيذ الدنِّ في إيقاعٍ متناغمٍ، وتتناول القربان من مصدرِ إلهامِ واحدٍ أحد!!.. كان متاحاً له الانصرافُ إلى هواياتِه الأثيرةِ أكثرَ منا، ولكن كنّا نلتقي وكنّا نحبّه ونقدّره.. نقدّر فيه صفاءه ورقته المتوارثةَ وانفتاحَه؛ مغلّباً فيه المبدعَ على الحزبي، وناصراً للفنان الشغوفِ على ماسوى ذلك من انتساباتٍ عابرة في حياة عابرة.. كنّا أقصدُ بهذه الـ (نحن) تحديداً، أنا ومحمد عفيف الحسيني، إذ ثمة توافقاً خفياً بيننا في تقديرنا وتعاملنا مع فرهاد، بحيث أن تواصل أحدنا معه يعني الآخر جداً، وإذا اجتمعنا نحن الاثنين، فذلك الغبطةُ والشعرُ والأفقُ المفتوح والآخر الرائع!... لاالخصم ولاالمتضاد.. والآن وبعد أن اكتمل فرهاد تماماً، واكتملت قصيدته تماماً، واكتمل نأيُه تماماً، وختم بتراجيدياه الدموية المناقِضة لكل الفرح الذي كان يشعُ به ويتوهج من حوله أقواسَ قزحٍ حتى حدود الافتعال والابتكار!! وكان آخرُ تجلياتِ فرحه هذا ماشهدته من حضوره اللافت قبل سنتين في مهرجان للفنون الشعبية السورية في موقع أثري حلبي، ولما ينسجم مع فرقته، لايتورعُ عن مشاركتها في إيقاعها البهيج بكامل قيافته المعهودة منه والمترسّمة على حضوره الشفيف.. أجلْ، فرهادُ من النقيضِ إلى النقيض.. من البهجةِ إلى الفجيعة دونما ممهداتٍ مسبقةٍ ولاتنبؤات..

2

 تلقيتُ الخبرَ من عامودا أولاً بهاتفٍ أسيانَ، ولن أصفَ الألم حتى أبدو متماسكاً في شهادتي هذه، وكي لاأقاربَ مشارفَ الميلودراما التي أمقتها... تلقيتُ الخبر فيما يشبه حالَ المغتربَ، ومالايشبهه، فمذ نأيتُ وترحالي نِصْفٌ، ونأيي نصف، واغترابي كذلك.. نِصْفُ!!! .. فأنا بين البين أقفُ.. بين اللوعة والدهشة ـ فيما يماثل البرزخ - .. بين أن جسدي هنا، وروحي هناك، وكيف لي أن أميّز بين الـ هنا والـ هناك وبين الروحِ والجسد؟.. إذ أنني في الحقيقة أتردد على الوطن كلما سنح السانحُ، واكتملت أنصبةُ الأتراح أو الأفراح؛ فبعد رحيل فرهادَ بأيام، أتيح لي أن أصل إلى عامودا "بافي محمد".. وصلتُها في السَحر أو ما يسبقه، كانت متشحة بالضبابِ تماماً، وبالحزن كذلك، وكان على عينيَّ وعلى زجاج نوافذ السيارة مايشي بالدمع وبالندى والبخار.. لاتصفو الرؤية إلا بعد الدنوِّ، وكان السائق الحلبي الذي أقلنا من المطار لايعرف المسالك جيداً، المبتلة لتوِّها بمطرٍ عنيف.. فكنا نرشده، وإذ أردنا عبور شارعين، فوجئنا بهما مسدودين بخيام العزاء المبتلة - المحاصِرة- لبيت صديق الطفولة الخفيف الظلِّ الراحل أيضاً.. أقصد شيرو العازف والفنان هو الآخر الموهوب بالفرح والشريك لشقيقيه بامتياز في الفجيعة.. حينها أدركنا أننا صرنا في عامودا "بافي محمد" المنذورةِ هي الأخرى للفجائع، حتى أنها أصبحت خبيرة ومستشارة في هيئة الحزن الأعلى، وفي سدّة الوجع الأدمى وفي سدرة الألم الأصفى، حيث هناك تتربَّع بملامحها غيرِ المتكدّرةِ تغني للهائمينَ بقامتها التي لاتنكسرُ رغم كلِّ عصفٍ.. بحزنها المكين الذي يصقلها أكثرَ، ويشرف بها على مدارك الحكمة أكثر، ويكرّسها مملكة للشجنِ الأسمى، ليتقدّسَ سرّها الشادي  إلى أبد الآبدين، آمين...

3

بلسان "زكريا عبدالله"، دلفتُ إلى أساها، منحنياً لكل انكساراتها المتجبّرة‘ أقصد لكل صلابتها الهشة!.. لجبينها الصَلْد كجذع التين.. لقامتها التي فيها ميل خفيف لايلحظه إلا العاشق الهيمان بشجر الرّمان.. جددتُ أوراق اعتمادي لدى بلاطها الحزين.. آي دلااااال.. آخ دلااااال.. دلااااااال.. دلاليكا جافي تمي، وأز حيرانا بشنا تما، واي دلاااال دلاااال.. كدأبها المنيةُ لها ولع بالجميلين لاترأف بهم ولايرفّ لرحمتها جفن، فاغتنمته بكامل رشاقته.. انتقته بذوقها العنيف.. بحسِّ امتلاكها المتوحش.. سحقته في طيِّة من سواد نبضها المتلاطمِ!.. لكنها - يقيناً - فشلت أن تصل إلى هفهفة اللهب الذي ظلَّ منه، والذي لمستُه متوقداً في ليلة العيد، إذ تيسّر لي أن أقف على قبره، وفي صباح العيد أيضاً، تعمّدتُ زيارة ثانية، لكن الآن مع جموع الزائرين المتدفقين من كل الأصقاع، فيما يشبه قيامة صغرى، ليختلط الأحياء بالأموات والأنسجة بالعظام والوداعة بالأسى والتعازي بالتهاني، فلا تعودُ تميِّز المُعزِّي من المُعزَّى، ولا المنبعث ممن أُصطفي للموت. كلهم جاؤوا يقدمون ولاءهم للتراب وللحجارة.. فالمجدُ لهما.. المجدُ  لشطر الشِّعر الغابر (ليت الفتى حجر)، كي يتقدّس فلزه نائياً عن النمل الأحمر.. آمناً مطمئناً من فتكات الدود وسطوة العاديات والرياح السّافّات..

4

في المساء، رأيتُ مالم أره إلا في طفولة مكدودةٍ أو بداية يفاعة مرضوضةٍ قضيناها على حفافي "شرمولا حيث كان المَغنى والملعب؛ فالحدائق الغنّاء كانت شيئاً نائياً تصيب بخضرتها وعبقها أناساً محظوظين،   وكذلك كان الشجر الكثير والورد المنضّد يقترن بالجنان التي كنا نودع الراحلين إليها، مروراً بشجيرات شحيحة ستتناثر عند رؤوسهم الثاوية هناك! أما نحن، فكنّا نخوض في التراب والحصى ومايتبقى من شغب الخرنوب في الصيف.. شهوداً على عسف الطبيعة وقسوة الإنسان فكلاهما لم يتيحا لنا طفولة إلا على بعد خطوات من القيامة.. !! لم أكن قد زرتُ شرمولا منذ أكثر من عقد، منذ سوانح الغربة، ولكني في هذه العجالة من الذهاب والإياب، وجدت نفسي مسوقاً بمقادير من الذكرى والعرفان لوضع زهرة على ضريح فرهاد، فرأيت مالا أتذكره إلا من طفولة مكدودة أو يفاعة مرضوضة!.. وجدت الناس كأنهم مقبلون على عيد أو نشورٍ.. وجدت المساءَ غير المساء والناسَ غير الناسِ.. وجدتهم على حالٍ من الشغف لايدانيه شغف.. ثمة مَنْ يزرع شجيراتٍ عند الأضرحة والقبور.. من يروي المزروع منها بماء عامودا الصافي القراح الذي ينضِّر عروق الموتى، ويفتح في برازخهم ينابيع ثرّة تظل تسيل حتى عيد آخر!.. رأيتُ.. من يغسل الشواهد.. من يدهنها بدهان أبيض.. مجدداً حبرها العربي بآيات بيّنات.. وجدت من يكرم ميِّته، حتى ولو بنضحة ماءٍ لترابه أو بشتلةِ ريحان.. كأنما العيدُ سيبدأ من هناك.. كأنما القيامة لتوّها مقبلة وما على الأحياء إلا تدارك موتاهم ليليقوا بهذا البعث الوشيك.. كأنما العيد والقيامة متواشجان لميتة تذكارية لارجعةَ عنها.. إذاً، لاغرابة!!.. الناس في عجلة.. والليل مقبل، وضوء المقابر شحيح، والمقابر يجب أن تسبح في الظلام وإلا فكيف ستكون مقابر!!!؟

5

في صباح اليوم التالي.. صباح العيد.. لمستُ انبعاث الناس منذ أكثر من عقد  مضى لي عليهم..!! شهدتهم ذوي أجنحة منكسرة ولكن أشدّاء في ـ معدنهم الترابي - .. أحببت كل من كان يدبُّ  هناك على الثرى.. فرحتُ بهم أحياءَ.. ربحتهم مكسباً طيباً.. فزتُ بهم بعد أكثر من عقد.. حتى من لم أكن معه إلا على مسافة نائية!.. اقتربت المسافةُ وأوشكت أن تتلاشى بل تلاشت.. حضنت البعض.. صافحت البعض.. قبّلت البعض.. وجدت الجميع أمواتاً! أقصد أحياءً.. وجدت الجميع جديراً.. بالرثاء.... وبنظرات شفوقة ودعتهم يَجُرُّون وراءهم آخرَ خطوةٍ من بين الشواهد والزهر الذاوي، عائدين إلى دورة النسيان وغبطة الأعياد التي كان مقعد فرهاد فيها شاغراً حتى الثمالة.. لكنها استراحته.. لكنه قسطه من الخلود إلى نفسه.. تهدئة نبضه إلى حين من الوسن، غفوة قدرية لاريب فيها، لكني إذ غادرت مرقده، أيقنت أنه لايقدر على البقاء مديداً تحت هذا الرّكام من التراب والحجارة وأطواق الورد الذابل والمتجدد بمعية العيدِ عيد الفطر،إذ لابد أن ينجو منه الكثير في أوبته ليرجع بكامل حيويته، فمثله لايستطيع أن يموت طويلاً.. مثله يتجدد كشجر الورد.. ورد عامودا الذي له أكثر من موسم وأكثر من فصلٍ.. وفرهاد قضى موسماً من الشعر والحب والرقص وعشق الأرض، وبقيت له مواسم أثرى في الأفئدة، وكذلك فصول متقدِّمة سيتجدد فيها على تل موزان Girê Moza  في كل نوروز.. قامة وشعراً وذكرى..

 

أبوظبي

10-12-2004

 

 

 

خاص بـ تيريز. كوم

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002