KKKKK

 


سجالات نقدية


 

 

خالص مسوَّر

العائد من التيه

(إبراهيم محمود)

قراءة موضوعية في كتاب (وعي الذات الكردية). لمؤلفه السيد ابراهيم محمود.

 (الجزء الأول)  

 

 

 مقدمة لابد منها.

السيد إبراهيم محمود، هذا الجندي العائد من منفاه المختار، الجندي المجهول كردياً، والكاتب المسكون بسيكولوجية الرجل المعزول عن محيطه الحيوي، سياسياً- اجتماعياً- وثقافياً، والذي حارب طواحين الهواء بيديه وأسنانه طويلاً، باحثاً عن النجومية في جبهات، جغرافية الملذات، والجنس في القرآن، والمتعة المحظورة....الخ. كل هذا بعيداً عن همه القومي نوعاً ما،إلى أن حان وقت سئم فيه الرجل القتال على تلك الجبهات، وألقى عصا الترحال بين أهله وذويه، متخلياً عن سلاحه الفياكري المفلول! مترجلاً عن حصانه العربي، ممتطياً حصاًناً كردياً هذه المرة، بادئاً برحلة استكشافية في ربوع وطنه بعد جفاء طويل بينهما، ماراً بجزيرة بوطان مركز الإمارة الكردية العريقة، وموطن (بكو) النمَّام الشهير في الأدب الكردي الشفاهي، فباركه هناك، حاملاً معه طيفه وطباعه عائداً بهما إلى جزيرة القامشلي هذه المرة. وبذلك عاد الجندي التائه إلى حيث كان يجب أن يكون منذ ثلاثين سنة مضت، عاد كردياً مشاكساً يبحث عن مكان لائق له تحت الشمس الكردية التي بدأت تبزغ بجلال فوق الأفق البعيد، وليستمتع بصدى صوته في الفضائيات الكردية وبلغته الأم، بعدما شبع من سماعها على صفحات كتبه بلغة أخرى، عاد وهو يأسف على ماضٍ تولى، وحاضر قارب يفنى. ولِمَ لا يشاكس، وهو الذي راكم خبرة ثقافية خلال سني حياته الطويلة، ثقافة تؤهله لخوض صراع، يبدو أنه أزلي الوجود في السيكولوجية الكردية، صراع أسلست له الأمية العنان، وزادته الثقافة والمثقفون إواراً، ذاك قدر الكردي ونمط حياته أينما حل ورحل!. ومن هنا، كانت خشيتي من أن السيد ابراهيم محمود يفتقد الروح الكردية المضحية، ويستعصي عليه فهم المرحلة الصعبة والحساسة التي يمر بها شعبه، فيفرق أكثر مما يجمع، وخاصة أنه بدا مغرماً بـ (بكو) كلفاً به، يشتهيه حتى الكراهية. وقد رأيته باحثاً مستميتاً عن الشهرة في وسطه الكردي الجديد، يريد أن يأخذ مقابل كل مايكتب - طبعاً ليس الأخذ بالمعنى المادي للعبارة - أي وجدته يتأوه ويتشكى ويطلب لنفسه ما يتمناه، ضمن حيز من التفكير المصلحي الضيق. مثلاً، فلا أحد يستعرض كتبه أو حتى يقرأها، ولا من يهتم به أو يزور بيته من المسؤولين السياسيين الكرد، رغم أنه يتمنى ذلك لازلفى ولاملقا كما يقول، رغم أن لهجة التشكي تستشف بشكل واضح، من كلامه المفعم بالإباء ظاهراً. ولكن قد يكون قوله هذا صحيحاً إلى حد ما، وعلى السياسيين، بل ومن واجبهم أن يهتموا بالكتاب والمثقفين الكرد. ذاك نعم، أمر حسن ولكن لابأس فبالكاد يحمي السياسيون أنفسهم، ولكنهم حقاً فهم - من جانبهم ـ قد يكونوا مشغولين عادة بالهم الكردي، ولكن علينا أن نعلم بأن ما يتشكى منه المؤلف، يتمفصل مع الأوضاع التي يعيشها الكرد من سياسية- واجتماعية، محلية وعالمية ...الخ.

والغريب في الأمر، أن الرجل يدفع الأكراد هنا، إلى الإلتهاء بما هو لايعنيهم على مستوى قضية شعبهم ووطنهم، ويشغل نفسه أيضاً بما لايعنيه، في مثل هذه الأوقات العصيبة، التي يمر بها الكرد راهناً. نعم،

فالثقافة ضالة الكردي أينما وجدها أخذها، ولكن هناك أولويات وماهو أهم، قبل المهم؛ فلماذا يستعرضون معظم كتبه المختصة بالجنس في الإسلام، فماذا يعني الأكراد منها حتى يستعرضوها؟ وأي فتح مبين منشور على صفحاتها؟ أما كتبه التي كتبها عن الأكراد، نعم، فهي تضاف إلى رصيده القومي، ولكنها هي الأخرى لم تستعرض، بل وحتى لم  تقرأ من قبل الجماهير الكردية، وأعتقد أن لذلك أسباباً عدة:

أولاها- أن الكرد ونظراً للظروف الصعبة التي يمرون بها، هم قليلو القراءة في الوقت الحاضر، وقسم منهم توجه نحو القراءة بلغته الأم.

وثانيها- أن صاحب الكتب تلك لم تعرف عنه بين الجماهير ميوله الكردية لفترة طويلة، أي كان في حالة انقطاع عن مجتمعه الكردي، ولم يكن ملتزماً بقضاياه بالشكل المطلوب، وحسب مقدرته الكتابية في أي وقت من الأوقات، إلا في التفاتته الأخيرة من سني حياته، وهو نفسه يقول بأنه حتى الثمانينات كان يكتب قصائد ذات طابع قومي عربي.

وثالثها- أن مقياس الإحترام لأي كاتب وعامي كردي، هو مدى تقربه والتزامه من  كرديته وقضايا وطنه وشعبه، وخصوصاً في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ الكرد.

ورابعها- هو أن هناك تثليث موضوعي، يعمل كعامل وصل وربط بين الكاتب أو القائد السياسي والديني وبين القاريء والمتلقي وهو:

أ- نوعية الفكر الذي يحمله الكاتب ومدى إلتزامه بتطبيقه.

ب- الصفات الشخصية والمعنوية للكاتب.

ج-  وأخيراً، سيكولوجية المتلقي، ومصالحه العليا، ومدى توافقهما مع فكر الكاتب وما يكتب.

ولكن، أية نوعية من الفكر الذي كان يحمله كتب السيد ابراهيم محمود ككاتب، وعمل على نشره بين الكرد؟. الجواب هوفي الكتب نفسها!  فحتى إذا كانت هناك من كتبه ما هي متعلقة بالكرد، إلا أن كاتبها كان يفتقر إلى الإلتزام بقضايا يعتبرالكردي لها الأولوية، حتى قبل خبزه ومائه، ألم يقل الشاعر العربي الأبي النفس عنترة بن شداد:

                        لاتسقني كأس الحياة بذلة                 بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

أي ما نعني قوله هو أنه: كانت هناك قطيعة فكرية وانفصال مستمران، بين النظرية والممارسة في كتاباته الكردية، وهذا الإنفصال هو الذي قلل من قيمة تلك الكتابات، وبالتالي عدم إقبال القاريء الكردي بشغف عليها، ولأجل هذا، أرى أن على كل كاتب كردي كان أم غير كردي أن يرتقي إلى مستوى المسؤوليات الملقاة على عاتقه، حتى يفرض احترامه طواعية في وسطه الإجتماعي. وسيرة الكاتب والمناضل التركي (اسماعيل بيشكجي)، صاحب كتاب (كردستان مستعمرة دولية)، هي عبرة ودرساً لمن أراد أن يعتبر. هكذا يجب أن نرتقي  مثقفين وعواماً، بتفكيرنا إلى ماهو أرقى، وأن نتخلص من أنانيتنا وبحثنا المميت عن الشهرة الزائفة، وألا ينتظر أحدنا على جهوده الوطنية جزاء ولاشكوراً، أو يطلب (العفارم) لنفسه على الطريقة التركية، فلا منة لأحد هنا على أحد، فكل يدافع بما يتيسر له من عزم وإرادة، عن عرضه، وماله، ووطنه، سواء أكان بالقلم أم بالسياسة والسيف. نعم لقد عاد الكردي التائه وهو أكثر عزماً وتصميماً، على أن ينافح بعضاً من الكتاب الكرد، ووجد في هؤلاء الذين رآهم طواويس منفوخي الأرياش خرجوا من جلدهم، يسدون عليه طريق الشهرة كردياً، ويقفون عقبة كأداء أمام توجهه الجديد، لا أقول هذا تشفياً من الرجل، بل بالعكس، فقد عاد عودة مرحبة بها كردياً، ولكني كم كنت أتمنى أن تزيد عودته من المحبة ولم الشمل، لا التفرقة والتذرر، حينما راح يحاول إزاحة من يقف  أمامه من الكتاب الكرد بضربة واحدة، في كتابه الذي نحن بصدده (وعي الذات الكردية) الذي أسماه بالكتاب النقدي، وياليته كان كتاباً من النوع الذي ينقد النتاجات لاالشخصيات في أخص خصوصياتها، إذ لا أحد من الكتاب  ينتابه الإزعاج من نقد جاد لنتاجاته، وعندها سنحكم على من ينزعج بفقدانه للأصالة في ذاته وكتاباته. ولكي أكون موضوعياً أكثر، فأنا لاأوافق على تهجمه الشخصي وبهذا الشكل السافر على من تهجمهم من الكتاب الكرد، وبالمقابل فلاأوافق على من نعته بالحجلية وعداوة القوم، ولهذا قلت أن كتابه مهاتراتياً، خلق رد فعل مهاتراتي مثله، ولكن البادي أظلم.

ولهذا كان استعماله للسلاح (البكوي) نسبة إلى (بكو) البطل الثاني في ملحمة (مم وزين) الكردية، أنسب الأسلحة المزدوجة الأغراض، لتحقيق أهداف السيد مؤلف كتاب (وعي الذات الكردية)، حتى يخفف بها من غلواء الشهرة الزائفة ـ كما يراها هو - وقد تحققت، لبعض من سبقوه من الكتاب الكرد دونما وجه حق من جانب، وليعوض عن ماض شكلت له نصف خسارة في استراتيجيته الثقافية من جانب آخر، ومن المعلوم أن الرجل لم ينتسب لأي حزب سياسي كردي طوال حياته كلها، وهو ما يشكل جزءاً من مركب النقص الذي تلبسه ويتلبسه على الدوام، ومن هنا يأتي تحسسه العميق من كلمات الكاتب السيد "رزو أوسى" التي أوردها في إحدى مقابلاته عن مفهوم القومية والحس القومي لدى الرجل الكردي، وأورد السيد ابراهيم محمود تلك المقابلة في كتابه المذكور، فناقش مضمون المقابلة، ولم يعجبه شيئاً منها، ولكن لابأس فهذا رأيه، كما أن هناك ماهو رأي رزو أيضاً، والكاتب يطرح فيما يراه ويؤمن به، والمتلقي أيضاً يرى فيه مايؤمن به وما لايؤمن به، يقول السيد رزو في تلك المقابلة: (....أن تكون كردياً فهذا لايكفي، لابد من الإرتباط بماهو قومي... والشعور القومي ليس حجلاً نصطاده ونخبئه في عبنا، إنه يبدأ مع الولادة....) ص- 50 .

إنها كلمات ـ وبغض النظر عن صحتها أوعدم صحتهاـ، جاءت كلها ضد ماضي السيد المؤلف في معتزله السياسي، وآفاق توجهه الكردي الجديد، مما حز ذلك في نفسه كثيراً، وجعله يشعر بغربة الإنتماء إلى محيطه الجديد، فهاجم تلك الأقوال، وراح يفندها واصفاً إياها بالطابع الحكواتي، لانقول لماذا يهاجم الرجل تلك الأقوال بمثل تلك الهمة والشراسة، ولكن ما نريد قوله هو: أننا استشففنا منها، تداعي نوع من المازوشية اللاواعية في ماضي السيد المؤلف، ووعي الذات المقهورة سياسياً واجتماعياً في حاضره. ولن أطيل في الكلام عن شخصية الرجل، وفي تقديمه أكثر من هذه العجالة، رغم أنني أستطيع الكتابة عنه باستفاضة، ولكني لاأفعلها حرصاً على العلمية من جانب، وعلى حرمة الخصوصيات الشخصية من جانب آخر، ولكن علينا ألانكون ملائكيين أكثر من الملائكة نفسها، في الأمور التي تهم المصالح العامة والقضايا المصيرية عموماً، عندها علينا أن نخرج كل شيء وألا نتكتم على أي شيء، ولكن دوماً ضمن مايفيد، لئلا يتحول عملنا إلى المهاتراتية كما في في معظم أجزء كتاب (وعي الذات الكردية) كنموذج ومثال، هذا رغم أننا أحوج ما نكون إلى كتاب نقدي جاد ورصين، ولكن ليس بمثل هذه السلبية والغوص في خصوصيات الآخرين والإبتعاد عن العلمية، وتهميش المنهجية والنصية، في عملياتنا النقدية المهمة والحديثة.

ولكني- وباديء ذي بدء - سأعقب في معالجتي النقدية هذه، حول مضمون الدراسة التي أجراها مؤلف الكتاب السيد إبراهيم محمود، لكوكبة من الأدباء الكرد في كتابه الآنف الذكر، وليعلم كل أحد، أنني لست هنا في معرض الدفاع عن أحد، ولا عن أي من الكتاب الذين تناولهم كتاب (وعي الذات الكردية)، فهذا لاشأن لي به، ولكني سأبدي هنا رأيي، مجرد رأي ـ وكما قلت - في الكتاب ومضمونه النقدي بكل حيادية وتجرد. كما أحب أن أنوه سلفاً بأنني كتبت أخطر المقالات وأكثرها موضوعية عن الكرد وتحت أسماء مستعارة أحياناً، وسوف لن أقول أكثر من هذا..... نعم سنعود إلى كتابنا ونقول: لاشك أن السيد المؤلف أراد لكتابه أن يكون كتاباً نقدياُ، فقد يبدو للوهلة الأولى، ومن عنوانه ذي الطابع الفلسفي ـ النفسي، أنه يغوص في جوانب من السمات الشخصية لسيكولوجيا الكردية الثقافية، ولكن ومن خلال اطلاعي على مجمل مواضيع الكتاب، تبين أنه لايمكن أن يكون كتاباً في النقد المنهجي، ولا حتى نقداً جاداً كما أراد له كاتبه أن يكون، بل هو مجرد انطباعات عن رفاق الأمس، بل أن مواضيع الكتاب في مجمله، عبارة عن دراسة تدخل ضمن ما يمكن أن نسميه بالدراسة الرؤيوية الإجتماعية، أو سنسميه تجاوزاً بالنقد الإنطباعي أو السياقي- التاريخي في أحسن أحواله، لأنه يدرس الماضي الإجتماعي للكتاب وليس نتاجاتهم، وحول التاريخية في النقد يقول ستولنيتز: (إن استخدام العمل الفني وثيقة تاريخية كأنه دستور أو مذكرة سياسية، ليس خطأ إذا كان اهتمامنا منصباً على علم الإجتماع، غير أنه يكون خطأً فادحاً إذا حاولنا أن نفهم العمل جمالياً).

ويقول الناقد العراقي جواد الطاهر: (إن المنهج التاريخي منهج حساس إذا فقد فيه صاحبه توازنه زلت به قدمه... وصار مؤرخ خاص أو مؤرخ جماعة). والكتاب في بعض جوانبه ـ وكما قلنا - عبارة عن دراسة نفسية لبعض الكتاب ولماضيهم الثقافي والسياسي، أي أنه يتدثر بوشاح من الفرويد- يونغية، وقد اعترف هذان كلاهما، بأن علم النفس لايمكنه الوصول إلى نتائج مرضية في مجال النقد والدراسات الأدبية؛ يقول فرويد: (إن النقد الجمالي للعمل الفني وتفسير الموهبة الفردية ليسا من مهمة التحليل النفسي). كل هذا بخلاف المنهجيات الحديثة، كالبنيوية التي تعتمد سلطة النص، بمعزل عن سياقاته الأخرى، والتفكيكية التي تعتمد على سلطة المتلقي، والنص المفتوح على احتمالات لانهائية، والكتاب النقدي إذا لم يتقيد بمنهجية محددة، يعتبر في موضوعاته أباطيل وخصومات ما أنزل الله بها من سلطان، والمؤلف يعترف ببعد كتابه عن المنهجية، في الصفحة 18. منه بقوله: (لا أستطيع اعتماد منهجية محددة، وأكتفي بها لإنجاز موضوعي، ثمة مفارقة ثقافية عامة تركز على المفصح عنه والمغيب في الأثر... إن الذي  يعنيني من العمل الذي سأتعرض له بالنقد، هو نوعية التماسك الذاتي للكاتب، وما إذا كان في مستوى مكتوبه...). فالمؤلف يقول هنا أنه سيقيس بميزانه، شخصية الكاتب ودواخله النفسية، والشهرة التي حصل عليها هذا الكاتب الكردي أو ذاك، هل هي بمستوى كتاباته ومايسطر؟ وهذا نقد (بكوي) بامتياز! قد يشعل إوار حرب مهاتراتية ضروس، قدلاتحمد عقباها على الأمد البعيد، أي نلاحظ هنا هدراً لكرامة الكاتب، وشططاً كلامياً في سياقات علمية رصينة، فالبعد عن المنهجية يحول الكتاب، أي كتاب نقدي، إلى كتاب سيرة وسرد تاريخي- اجتماعي، أو أي شيء إلا النقد ذاته، ويكون سفراً لايعتد به نقدياً في الدراسات الحديثة، أما قوله هذا فيتضمن عدة أمور سلبية أساسية، وهي:

أ- إن كتابه غير منهجي، وسنبين بعدها ما معنى غير المنهجية.

ب- إنه سيعتمد على معاشرته اليومية لأولئك الكتاب، إلى جانب القليل مما كتبوا يستعين به على نقده كما يقول.

ج- إنه يدرج كتابه ضمن الكتب النقدية كما في قوله (سأتعرض له بالنقد).

د- إنه كتاب يدخل في باب علم النفس لقوله: (التماسك الذاتي للكاتب) كمثال.

فكيف يتأتى لأحد منا أن يعرف مدى التماسك الذاتي لهذا الكائن المجهول؟ وفي هذه الحالة إما أن تكون طبيباً نفسياً محنكاً تغوص في أغوار النفوس، أو أن تدرس منقودك من خلال ما يسطر وما يكتب، أي من خلال نصوصه، ودراسة النصوص لها منهجيتها وطريقة دراستها، ولكن لم يورد الناقد إلا نصوصاً أو نصاً يتيماً عن كل كاتب درسه في كتابه، فهو ـ والحال هذه - ليس طبيباً نفسانياً محنكاً، كما لم يرد نصوصاً كافية تظهر من خلالها شخصيات منقوده، وفي هذه الحال سيلجأ الدارس إلى انطباعاته عما يكتب عنهم، ومن هنا يأتي انطباعية نقده، والذي لايعتد به في الدراسات الحديثة على الإطلاق، فكتابه هنا يبتعد عن العلمية ويصبح مهاتراتياً في معظم أجزائه.

كما تخلى الرجل هنا عن بنيويته التي احتضنها بحماس يوماً ما، لأن البنيوية ( قامت  لتسترد: المنظور الذي نطلق عليه الرؤية المنبثقة، والذي يقوم على دراسة الأشياء في ذاتها، قبل التطرق إلى أحداثها وتاريخها)- فصل- نظرية البنائية ـ ص- 180.  ولهذا يلاحظ أننا يمكن أن نعطي كتابه هذا- ومن خلال ماسبق - التوصيفات التالية: عدم المنهجية ـ علم نفس ـ إنطباعية ـ سياقية (تاريخية) ـ اجتماعية - شخصية - تأثرية. وهي في مجملها أساليب قديمة في النقد، وحشد من التناقضات لاتجتمع في كتاب، إلا أحاله إلى ركام من الطلل البالي.

وحول القيم المنهجية في النقد نقول: إن الناقد الجاد، لايتخلى عن منهجية ذات نظرية واضحة الرؤيا والمعالم بأي شكل من الأشكال، لأن النقد وسيلة قادرة على ضبط وتنظيم البحث النقدي، من خلال الإحتكام إلى قوانين وإجراءات محددة، إن أهمية المناهج النقدية تكمن في حمايته للناقد من الإنزياحات المخلة بسلوكية البحث العلمي، وتحدد له المسالك والدروب التي يمكنه السير عليها دون انحرافات وعثرات مربكة، كالتي شاهدناها عند مؤلف الكتاب السيد ابراهيم محمود، والذي أوقع نفسه فيها بسبب من التسرع وعدم المنهجية العلمية لديه كما أوردنا اعترافه آنفاً،، وظهر لنا ذلك بجلاء، من خلال الدراسة التي أجريناها للكتاب في مواضع أخرى من هذ البحث، مثل قراءته لكلمة "كورك" بالكردية، أي (الفروة) بالعربية، فظنها (القرقة) وهي دجاجة لها فراخ، وجاء خطأه هنا من تقارب اللفظتين بالكردية من جانب، ولضعفه باللغة الكردية من جانب آخر. ثم في خروجه عن الموضوع في قصيدة السيد "رزو" (أحبتي لاتقلقوا)، وفي تفسيره لمعنى (كوني رش) أي الخيمة السوداء، فظن أن اللقب رمزاً قومياً، بينما هو ليس إلا تيمناً برجل شهم في قرية (كون)، كان يضع على رأسه (شعراً) كسروانياً أسود اللون،أي لفاحة، كانت تبدو عليه كأنها خيمة سوداء لكبرها ومهابتها، فسمى (سلمان عبدو) نفسه كونى رش تيمناً بالرجل بعد رحيله.

وفي المنهجية في النقد أيضاً، وأهميته العلمية للنقودات الحديثة، يقول الناقد ا&