Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


الشجن الثقافي الكردي


 

 

هوشنك أوسي

 

كرنفال الحبر

 

 لأيقونة القمح والجرح.. درباسيتي.

 

مخاضات غيمةٍ عاقر

4

 

شمالاً...

الريحُ الريحُ اليبوسُ خانتني.

اختلت بباصرتي، وأراقت خيالي في أوردةِ برقٍ مخصيٍّ خيالهُ.

سجَّت كلامي بغبار الخرائب ونعيق الغربان.

أدغمت ظلِّي وظلَّ الفاجعة بظلال نسلكم.

نكَّست سيرتي على سيرة درباسيتكم، أيها الموءودون في ثرى الحزنِ أشجارَ عشقٍ ميديًّ أبداً.

أذنت للنسيان التعشيشَ في حنايا ذاكرتي الثلجية الماطرة. ذاكرة الأيائل المذبوحة بنصلٍ مثلوم.

أباحت للقيظ النخر في رحمي.

أهدتني قفرها المستعِر.

أهدتني للحيرة والضجر العقيم زورقاً مهشمَ البصيرة.

شرقاً...

الصيفُ السيفُ أودى بأغنيتي الرؤوم.

أحرقت أوراقي

رسائلي..

صوري ..

وثائقي.

أعاقَ وجهتي نحوكم، كي أطفيء أوارَ حزنكم.

ألبَّ عليَّ الزمن.

أودعني ظنونه المتحجِّرة. لأني لم أخضع لمشيئة الرملِ والصبَّار، وأتيتكم حاملةً لكم وطنكم المشطور درباسيتين وأربعة أقمار.

جنوباً...

لن أتجهَ ما حييتُ. بعد أن خانتني الريح اليبوس.

الجنوب، إمام المجازر والمقابر وهودجها.

سليطُ الرملِ، ومُرشدُ الماء لعقيدةِ القتل.

الجنوبُ نخَّاسٌ. وسيّد البغاء الأكبر.

الجنوب، إثم الآلهة.

الجنوب، نافثُ الخماسين والضباب السديمي في عقول أبنائه. محالٌ شفاؤهُ من رجسهِ الواله بحرق الدم وتلويثِ الروح.

غرباً...

السماء تناديني.

العيون الطهورة ترمقني بوابلٍ من النجوى المنعكسة من مرآةٍ زمن أُبيد، وعنوان وطنٍ يُرادُ لهُ الصمتَ على نحرهِ. بعد إخلائه من بنيه.

وطنٌ يُرادُ لهُ أن يختمَ شهادة وفاتهِ بدمهِ.

يُرادُ لهُ البقاءَ نِصفَ ميتٍ وربع حيًّ على الصليب.

أساطيرٌ تتناحرُ بقرون الأيائل. وخرافاتٌ تتراشق بالحقائق والأباطيل.

خرافاتٌ تتبادل نسجَ أدوارها في مسرحياتِ دمٍ معدومٍ لونهُ.

خرافاتٌ تتآكل آكلةً أصول محاكمات عقل اللون وعقل الحرف وعقل النغمة.

زناةٌ يتقاذفون الشعارات كفرُوجٍ بشريَّةٍ متقرِّحةٍ متقيِِِّحة.

يتبادلون أنخاب هزائم على مآدِب الوطن.

قدِّيسون يتناولون الكلام اليابسَ خبزاً، ومنيكم نبيذاً، وخصاكم بيضاً في فِصحكم، أيها المتوارون عنِّي في أيقونة القمحِ والجرح.

غرباً تلوذ مصائركم الدامية عاريةً من بداياتها، هاربةً من نهايتها.

الغرب اغترابٌ الروح، وانتماءٌ للفكر.

الغربُ امتحانٌ لخيالكم في توصيفِ نِعَمِ الجحيم الذي يُسوِّرُ الشرقَ جاعلاً  منهُ سجنكم.

ألا ترونني أجتُّرُ مرارة أنوثتي العجفاء، فأتمخَّض عن وهمٍ يكابدكم.

تتوسَّدني أحزانكم.

تناجيني أحلامكم.

تطاولني صرخاتكم المتروكة برسمِ الصدى و الصمم.

يطالني كلامكم في التواطؤ على قمحكم.

فأراني أتمخَّض عن سجعٍ سرابيٍّ يكفيكم لمواصلة إيمانكم وفناؤكم، ريثما تمرُ بكم غيمةٌ أخرى.

أيها المنذورون للحرائق، للنار درُّكم...

أتحسنون قراءة أكف الليل حتى تتنبأوا بأني حُبلى بأقماركم؟

أتمعنون النظرَ في طيشكم حتى يطالني كلامكم عن التواطؤ على قمحكم؟

أتنوون فِعلاً الخروج من محاريب هزائمكم، كي أنذر رحمي لغدكم؟

أتزعمون الولاء لترابكم، والإيمان بهِ عقيدةً لدمكم، وأنتم تسوقونه لنحرهِ بهروبكم منهُ؟

أتودون البقاء في ظلال الشتات، أم في ظلال وثنية حربكم على ذواتكم؟

أتريدون الدخول في متاهات الإفك الجنوبي بخروجكم من الحِراك الذي صاغهُ دمكم وأوقدهُ في الرحم الثاني عشر لآذار؟ أم حسبكم ما وجِدتم عليهِ من ترهُّلٍ وتخاذلٍ و تململٍ مقيت؟

لكم ترجعُ أسبابُ عُقري.

للكارثةِ يشيعكم شِقاقُكم الدفين.

للجبال سيرثيكم ويرويكم الحجل. ولليلٍ مستعرٍ ستلقيكم جبالكم، فلا  تتفاجأوا.

ولغيمةٍ أخرى سأترككم علَّكم تعقلون.

 

"أبا الريح"

5

كُن كاتبي...

أمدُّكَ بخزين الريحِ دواةً، وأصوات الخريف أوراقاً. كي أملي عليكَ شرائعي السمحاء التي لن تضِّل بعدها.

كُن سامعي...

أُنبئكَ بأحوال مجهولكَ الأرعن ـ سيِّد المعلوم الأكبر ـ الماثِل أمام حضرةِ الأزل الأصغر، الذي ارتضى الهذرَ طقساً، والطيشَ فأساً، وحربكَ كأساً لهُ ولي.

كُن شاهدي...

أُريك حنكتي في فكِّ العقد المستعصية على الآلهة.

فالزمان عُقد.

المكان عُقد.

البشرُ عُقد.

الشجرُ عُقد.

النجوم.

الغيوم.

الأسرار.

الكلام.

الخيال.

الجبال.

الأرواح.

الجراح.

الأحزان.

الألحان عقد...

عُقد.

عقد.

كُن تابعي...

أرشِدكَ لخطايا آلهتك الضالعة في قتلكَ. أيها المستعلي على خرابك المديد المجيد.

كُن قائدي...

أمنحكَ شموخَ عورتي ساريةً لرايتكَ البلهاء.

كُن قارئي...

أكتبُ لكَ سيرتي ـ سيرتكَ، سيرةُ الدم والكلام الشهيدين في حروب الجهاتِ والريح، المعلنة وغير المعلنة عليك.

لو كنتُ إلهاً.. لقتلتُ نفسي، كُرهاً للرقم واحد، وعشقاً للرقم اثنين.

لو كُنتُ إبراهيمَ...

لما ذبحتُ الكبشَ أيضاً.

لبنيت البيتَ من النار بدلَ الحجر.

لما غادرت بلاد الكرد.

لو كنتُ يوسفَ..

للبِّيتُ طلبَ "زليخة" واحترمت عشقها الذي فضَّلني على فرعون.

لصاحبتُ الذئاب بدلَ البشر. أو قضيّتُ بقيَّة حياتي في الجُبّ.

لو كنتُ نوحَ.. لباركتُ الطوفان. وتركت الماء حرَّاً. وما قتلتُ الشجرَ لأنقذ نفسي. وأجلب البلاءَ لجودي.

لو كنتُ أفلاطونَ..

لأحرقتُ كُلَّ ما كتبتهُ, وتبرأتُ من كُلِّ ما فكَّرتُ به.

لو كنتُ "دوغانَ"..

لأحرقتُ نفسي مرة أخرى.

لو كنتُ "عكيد"..

لأطلقتُ رصاصتي الأولى عليكم يا قتلة رأيي. ورصاصتي الثانية علي.

لو كنتُ هوميروس.. لاعتذرت عمَّا كتبتُ. وما أثقلت كاهل خيالكم بما ينوء بهِ خيالي.

لو كنتُ هتلر...

لادَّعيتُ النبوة، وأعلنتُ حربي فتحاً مُبيناً

لو كنتُ آذارَ..

لأطفأتُ نصف النيران التي توقدونها لنوروزي. ولأخفتُّ ثلثها لقصائدي. وتركتُ عُشرها متقِداً ينهلُ منها الجان خصوبتهم. وعُشرها مرهوناً للدرباسية في رحم جودي.

ذلك الدربُ المنفلتُ من رتابة المكان، المتموجُ كأفعوانٍ كهلٍ سيوصلكم نجوماً طينية لحافة الأبد. وأنتم تستقلون بصحبة الدجاج "بوسطة شفو" على مهل الغبار الممسود بعناية عرقِ أجسادكم وبول الماعز المندلف من السقف كمطرٍ كسولٍ شديد الوخز والملوحة.

"بوسطة شفو" عروسُ الغبار وسيَّدة الكيد.

لا الزمانُ بناجٍ من مكائدها الطينية التي تحيل ركابها إلى تماثيل توحي بذكرى بشرٍ كانوا موجودين هنا. ولا المكان بعارفٍ، أهي ذاهبة أم آتية؟

أما أنا...

فلن أقودَ "بوسطة شفو" كما قاد نوح سفينتهُ شمالاً. بل سأقودها نحو السماء، فهل أنتم آتون؟

أبشِّركم أن "علوِس" لازال يلقي عباءتهُ ـ عباءة الأوس والخزرج ـ أرضاً، مندداً بكبير القتلة على هدنتهِ الكذوب قائلاً:

ـ "شاور مين؟! قال لمين؟! القاع قاعوا؟! ماأقبل...".

قد لا تعلمون أن الثلث الثاني من آذار قد عرَّى أبناء الضاد من عباءاتهم. وإذا بهم كلهم "علوِس"، لا تبحثوا عنِّي كثيراً..

قد تجدونني في "مقهى آدم" أشاور كوب الشاي في قضية اغتصاب كهل الكوبّى لفتاة الديناري!؟

قد تجدونني في "حوش الميماس"، أتفيأ شجارَ وشاياتكم ودسائسكم، ساعة الظهيرة العمياء، متناولاً صحن دوندرما مع فقيه الجان.

قد تجدونني حاملاً مدافن الكورمانج لمدافن السريان، موحِّداً الموتى ـ أصدقائي ­­ـ ضد عقائدكم التي فرَّقت حتى الموتى طوائفَ رقطاء.

ربما لن تجدونني بعد الآن. حتى لو سألتم عنِّي الآلهة الريح التي أقودها.

فكونوا عقلاء دمكم.

وداعاً يا أولي الأنوف المعقوفة على الشوارب الرماد، والقامات  المنكوبة المنكَّسة بحكمٍ من حماقات صمتكم، وبلادة أصواتكم.

كلما صادفتكم عقدكم، تذكروني تجدوني.

وداعاً الآن.

 

أبو الريح : أحد مجانين الدرباسية.

دوغان:  المظلوم دوغان.

عكيد: معصوم قورقناز ـ عكيد.

بوسطة شفو: حافلة نقل كانت مشهورة في الدرباسية.

علوس: أعرابي من الدرباسية.

في لقاءِ الأزرق

6

 

أضواءٌ متباينةٌ، تتراقصُ احتفاءاً باقتراب حلول ملكةِ الألوان على درباسيتي المشطورةِ لامرأتين من الخمر والشِعر.

ضوءٌ يغازلُ ظِلَّها شاكياً أرقهُ وولههُ بهِ.

ضوءٌ يبكي فرحاً أثناءَ مرورهِ في زحام الألوان المتراكمة المحتشدةِ، كي تلقي عليها نظرةً تشفي غليل توقها لها، و تروي ظمأ عِشقها لها.

ضوءٌ يرثي أمسهُ مادحاً هذهِ اللحظة.

ضوءٌ شيخٌ استعادَ شبابهُ في الرقصِ المبرِّحِ والشدوِ المترع بالسموِّ الكوجري.

ضوءٌ يباغتُ الجميعَ مبهِراً عيون الكلام بصوتهِ العطِر.

ضوءٌ أطلق خيالهُ أسراباً من القصائد تنحو منحى غناء الآلهة لها.

ضوءٌ لا يستوعِبُ الكون جنونهُ القدسي الآن.

ضوءٌ يناجي عينيها الحنوَّ عليَّ.

ضوءٌ أفشى لي: إنَّ من يعبثُ بأقداري، هو كبير الآلهة، كي لا يزيد عشقي لها أضعاف عشقهِ.

ضوءٌ يسخرُ من مهاراتِ كلامي في توصيف بهاء المشهد، مراهناً على كلامهِ، أنهُ الأجدى في لفتها إليه.

ضوءٌ يعاركني.

ضوءٌ يزاحمني.

ضوءٌ يواسيني.

ضوءٌ يواريني عن ضوءٍ يعاديني.

بقيَ ضوؤها، هو الوحيد الذي أسرني في ظِلِّي، ثم اقتادني للشِعر موغلاً في قتلي أمام هذا النصّ، كي يغيبني عن اللقاء.

فيا مُلتقى الأضواء والألوان والكلام.

يا مهبط الأسرار والألغاز والأحلام. موئلَ الألحان  الجراحِ والأحزان.

تريَّثي..

لا تهجريني أكثر.

فما عدتُ أحتملُ كوني مهجوراً من قلبي وفكري وروحي.

الهجرانُ جرحٌ شديد الإيغال في دمي الجريح.

فلا تجرحيني أكثر.

ما عادت الآلهة قادرةً على إحصاءِ جراحي.

جراحي، توائمي الأزليَّة.

وثائق عشقي.

وشائج زمني الخرِف المعتوه.

كنوزي التي ضِقتُ بها.

جراح الخيال والروح أشدُّ إيلاماً من القتل المُر.

فلا تقتليني أكثر.

فحتى الموتُ ما عاد صاحبي.

صحبةُ الموت، سجنُ الروح.

سجن الروح، اليأس.

واليأسُ، احتراقٌ صامت.

فلا تحرقيني أكثر.

ما عدتُ أمتلكُ خرائباً وأطلالاً تفي شهوة النار التي أوقدتِها فيَّ بهجرانكِ لعشقي وتجاهلك لعذاباتي.

ـ لا.. لا.. لم يكن الأمر هكذا!؟

بل هكذا...

الذي ساوركَ وألهاكَ عن يقينكَ، اقتادكَ لجنونكَ، كان طيفي، ولستُ أنا.

لم تكن عينايَ وحدهما اللتان استدرجكَ لشِرك العشق، بل آذار أيضاً شاركهما.

لكن، لا أنفي أنني أضفتُ لسِجلِ عيون الكوجر قتيلاً آخر.

لا أنفي قنصي لكَ في عقرِ شِعركَ.

لا أنفي استعذابي العبثَ بخيالكَ، جاعلاً منكَ كوجرياً مُترفَ الرحيل كالطير.

ـ لا... لم يكن الأمرُ هكذا؟!

بل هكذا...

الكوجر جعلوا من سحبِ الربيع خيامهم. مطلقين قطعانهم تسرحُ في سهوبٍ تتنفسُ بخار الدم.