Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


أدب التاريخ


 

 

هوشنك بروكا

الإيزيدية، والطقوس الدوموزية

 

 

فاتحة

إن تاريخ الدين ـ أي دين ـ هو في النهاية تأريخ لوقائعَ قدسيةٍ كانتْ في البدءِ. هو تاريخٌ يشدّنا إلى البدايات: بدايةُ كل شيء، بدايات العدم والوجود على حدٍّ سواء. هو تاريخ "كليّ القدرة" مفتوح على كل الإحتمالات، لأنه "صحيح". وعليه يتأسس المقدس، في مكانٍ وزمانٍ مقدسين. وتاريخ الدين/تاريخ الآلهة، حسب ميرسيا إلياد، هو التاريخ "الصادق" الذي "لاغبار عليه"، لأنه تاريخ يتحدث عن أصل العالم. أما الفاعلون فيه، فهم كائنات إلهية، وكائنات فائقة الطبيعة، وموجودات سماوية، أو فلكية (...) لذا ففي التواريخ الصادقة "نرى أنفسنا أمام المقدس وفائق الطبيعة. وعلى النقيض من ذلك، نكون في التواريخ "الكاذبة" أمام محتوى دنيوي، وأمام مضامين مستمدة من مجرى الحياة العادية"(1)

فالتاريخ الديني "الكلي القدرة"، الصادق و"الصحيح"، هو تاريخٌ يتخذ من الأكوان الميثولوجية جغرافيةً لتسطير إمتداداته، ومن الإسطورة مادةً لـ "سوبر منة"(2) وقائعه. بذا يكون الموقفُ الإيماني من الشيء، هو في النهاية، محاولة للعيش في لحظاته. وما تقرّب الإنسان من آلهته، إلا محاولة لتحسين تلك الأزمان المقدسة والتواريخ "الصادقة" التي عاشتها. بمعنى آخر، هي محاولة لعصرنة تاريخ الآلهة، كي يؤسسَ عليه تاريخه. إن الإنسان إذ يحيّن التاريخ المقدس ويحاكي المسلك الإلهي، فإنه يقيم ويبقى بالقرب من الآلهة، أي في الحقيقي وذي المعنى (…) فالإنسان الديني، مهما كان السياق التاريخي الذي يغرق فيه، يؤمن دائماً بأن حقيقةً مطلقةً موجودةٌ دائماً، وأعني بها المقدس الذي يخترق هذا العالم، ويتجلى فيه في نفس الوقت، وهو لهذا السبب يقدس العالم، ويعترف به حقيقياً، فهو يؤمن بأن للحياةِ أصلاً مقدساً، وأن الوجودَ البشري يحرك جميع قواها الكامنة بمقدار ما هو وجود ديني، أي: المشاركة في "الحقيقة(3). إن الدين ليس مجرد عقائدَ وطقوساً وليجندات وأكواناً خرافية (بمعناها السلبي)، إنما هو أشمل من ذلك بكثير. لهذا فإن ما يتحقق منه مؤرخُ الأديان، حين يضع نفسَه في منظور الإنسان الديني، الذي ينتسب إلى المجتمعات القديمة، هو أن العالمَ موجودٌ لأن الآلهة خلقته، وأن وجودَ العالم نفسه "يعني" شيئاً ما، فالعالم ليس أخرسَ ولا كثيفاً، ليس شيئاً جامداً، لاهدف له أو معنىً. عند الإنسان الديني، الكونُ "يعيش" و "يتكلم"(4). فمن مهمة دارس الأديان، وقبل كل شيء، هي إستنطاق ذاك الكون الذي "يعيش" و"يتكلم"، هي دغدغة وملامسة تلك الأكوان الميثولوجية، علّه يكشف لنا عن حدود العلاقة بين التاريخ المؤلّه/تاريخ الآلهة، والتاريخ المؤنْسَن/تاريخ الإنسان.

في هذا المبحث، سوف نتناول الإيزيدية نموذجاً، وذلك بتسليط عدسة البحث على واحدةٍ من أكثر القضايا والأفكار إثارة للجدل والنقاش، في أوساط العامّة والمثقفين على حدٍّ سواء، إنها فكرة "طاووسي ملك" بخلفياتها الميثولوجية والتاريخية والأثيولوجية/علم دراسة الأسباب والبدايات. سوف نحاول البحثَ في كنه الفكرة، وتحليلها في إطار نظرية (الرمز ـ الإسطورة) والتثاقف الميثي بين الإيزيدية ككون سوسيوميثولوجي والأكوان السوسيوميثولوجية الأخرى(5).

آثرتُ التنظيرَ رمزياً، وإتخذته منهجاً في هذه الدراسة، لأن الرمزَ لا يجعل العالمَ "منفتحاً" فحسب، بل يعين الإنسان الديني أيضاً على بلوغ ما هو كوني. وبفضل الرموز يخرج الإنسان من وضعه الخاص(6)، وينفتح على العمومي والكوني. والرموز توقظ الخبرةَ، وتجعل منها فعلاً روحياً، بالمفهوم الميتافيزقي للعالم. إن هدف هذه الدراسة في المقام الأول، هو تأصيل الفكرة الطاووس/ملكية، وذلك بإتخاذ المرحلة ماقبل العدوية/الشيخادية جغرافيةً، لتحركها، لأنها المرحلة الأكثر أصالةً وتجسيداً لروح الإيزيدية.(7)

طاووسي ملك/الوجه الآخر للألوهة الكونية الشمولية

إن الدراسات والبحوث التي تناولت شخصية "طاووسي ملك" اللاهوتية في الميثولوجيا الإيزيدية، من منطلق ساميٍّ، بإعتباره ملاكاً للشر المتمرد على أمر الله ومشيئته، إنما لهي دراسات تتنافى وحقيقة هذه الديانة ورؤيتها الفلسفية واللاهوتية لثنائية الخير والشر الكونيين، "فطاووسي ملك" حسب الميثولوجيا الإيزيدية، مخلوقٌ من نور الله وسرّه العزيز، هو الوجه الآخر للألوهة، بل هو إسمٌ من أسماء الله الحسنى:

"ربِّ، ملك الملك الكريم.

ملك العرش العظيم.

ربِّ قديمٌ منذ الأزل.

ربِّ قدس الأقداس.

لك المديح والثناء.

ربِّ، كلُّ الجهات،

تؤدي إليك..

يارب العالمين"(8)

 

إن هذه السبقات، تؤكد بجلاء تداخل سيماء شخصية خوده دي/الإله، مع سيماء شخصية طاووسي ملك، إلى درجة الحلول والتماهي. ففي ذات الوقت الذي يُنظر إلى طاووسي ملك لاهوتياً، على أنه ذاته في مستوىً، يُنظر إليه على أنه الآخر/الله (خوه دي) أيضاً في مستوى ثانٍ، ورغم أن السبقات المارة ذكرها، هي مقاطع من "قه ولي طاوسي مه له ك/دعاء طاووس ملك"، إذ يبدو فيه هذا الإله على أنه ذاته في مستواه الأول، فإن الملامحَ التي يستقرؤها المرء/القارىء من بين ثنايا النص ودهاليزه، هي ملامحُ الإله الراجح في مستواه الثاني، أي ملامح طاووسي ملك بكونه الله ذاته/ خوده دي. لهذا يصعب على الإنسان الإيزيدي، الفصل بين حدود إيمانه بالله وحدود إيمانه بـ طاووسي ملك، فالتعالق الميثي بين شخصية الله، وشخصية طاووسي ملك في وعي الإيزيدي، له مرجعيته اللاهوتية والأثيولوجية الضاربة في أعماق التاريخ والإسطورة على حد سواء.

إن الأديان الساميّة، وقبلها الزرادشتية، تنظر إلى الإله بإعتباره مصدراً للخير المطلق فقط، أما الشر "النسبي" فيأتيه من الخارج/العدو، لذا فالإله السامي والزرادشتي، هو إله إيجابي: إيجابي في خيره، وإيجابي في صراعه مع الآخر/الشر/العدو، لأن النصرَ سيكونَ حليفَه في النهاية، مما يستوجب عبادةً إيجابيةً من "الداخل" المؤمن، وبالتالي التقرب منه، بإعتباره إلهاً للخير فقط، ضد قِوى الشر الخارجة عن إرادته. إن فكرتي الخير والشر الكونيتين لدى اليهود، بإعتبارهم آباءً للفكر الديني السامي، لم تتبلورا ـ في رأيي ـ كقوتين متمثلتين في إلهين منفصلين ومتصارعين: إله للخير، وإله للشر، إلا بعد فترة السبي البابلي (587 ق. م) وتأثر الفكر اليهودي بالأفكار الزرادشتية المتأسسة على ذاك الصراع، والتي سرعان ما أُستسيغت في بابل وسائر الإمبراطورية الفارسية آنذاك، فاصبح الرب وإبليس عند اليهود نظيرين لـ آهورامزدا وأهريمان/انكرامانيو، ليتحولَ الربُّ التوارتي لاحقاً من إله خاص باليهود، إلى إله عام لكلِّ البشر.

في البدء، لم يحل (الله) في إنسانٍ أو يتجسد فيه، إنما كان موجوداً في الشيء الذي تقدسه العقيدةُ، وليس في كل شيء، وهذا يعني أن (الله) لم يكن قد تبلور عند بني إسرائيل كمفهوم واقعي بإعتباره موجوداً في كل شيء، وإنما يتحقق فعلُه في اللحظة الإبداعية، يفرح فيثيب، يغضب فيبطش.. هو الحامي والمدافع والمناصر لبني إسرائيل، وقد أُعتبر (الله) بمرور الزمن مصدراً لكل شيء، فهو مصدر الخير والشر، إله الظلام وإله النور.. إله الحب والفرح، إله الدمار والخراب(9). إن ظهورَ الشرّ وتبلوره في الفكر الديني كقوة، أو كإله سلبي، مستقل، قائم بذاته، أمام جبروت خير الإله الإيجابي، هو من مفرزات الصراع التاريخي المرير بين الآلهة القمرية/الإنثوية، والآلهة الشمسية/الذكرية، وبالتالي فإن بدايات الحضارة الرجولية/الذكورية تبدأ حين تسلم الرجلُ/الذكرُ، كإله شمسي زمامَ الأمور. فعندما إنهارتِ الدياناتُ العشتاريةُ/القمريةُ، وإرتفع على أنقاضها آلهةُ الشمس الذكور، إحتكروا وجه الألوهة الأبيض، ورموا بوجهها الأسود للأبالسة والشياطين، فتحللتْ صورةُ عشتار/السوداء الجليلة، وتفتتْ إلى صورٍ مبعثرةٍ مبتذلةٍ، يلوكها الخيالُ الشعبي، ويعجنها على طريقة الحكايات الفولكلورية. ففي الغرب هي الساحرة الشمطاء العجوز التي تركب عصا المقشّة طائرةً في الهواء. وفي بلادنا هي "النهّالة" مصّاصة الدماء، وهي السماوية خاطفة الأطفال، وهي "الغولة" آكلة البشر التي إحتفظتْ بلقب "الأم" حيث يشير إليها الناسُ دوماً على أنها "أمنا الغولة"(10)

أما الإله الإيزيدي الجدير بالعبادة، فهو إله كليُّ القدرة في خيره وشره. وبمثل ماهو خيّرٌ، هو شرٌّ أيضاً. هو مصدر كل شيء، ولاشيء خارج إرادته: إرادته على فعل الخير، هي تماماً، كإرادته على فعل الشر. لذا فإن تقرّبَ الإنسان الإيزيدي إلى إلهه، وبالتالي توسله إليه، يحمل في طياته، إيمانية بثنائية الخير والشر المتجسدة في ذات الله/خوه دي الواحدة. وقد عبر الشيخ "عديّ بن مسافر"، عن هذه الثنوية بصريح العبارة في قوله: "لو كان الشرُ بغير إرادة الله، لكان عاجزاً. ولا يكون العاجزُ إلهاً، لأنه لايجوز أن يكونَ في داره ما لايريده، كما لايجوز أن يكونَ فيها ما لايعلم به"(11)، كما أننا نستطيع قراءة ملامحَ وسيماءَ هذا الإله الثنوي في الأدب الشفاهي الإيزيدي: "إلهي إرزقنا بالخير، ونجّنا من الشر" أو "الخير والشر كلاهما ينبعان من باب الله"، والإستحلاف بين الإيزيديين، يكون بإلهٍ لليل/الظلام، في ذات الوقت الذي هو إله للنهار/النور. بهذا يكون الإلهُ الإيزيدي، هو الإله الذي قدرته على إمكان الخير، كقدرته على إمكان الشر، هو المبتدىء والمنتهى.

إن فكرةَ عبادة الإله الكوني الشمولي، بوجهيه الأسود والأبيض، الأهريماني والأهورامزدي، هي فكرة قديمة جداً، وأصيلة في الفكر الديني. فدين الإنسان البدائي كان ديناً متمركزاً حول مدار إله كاملٍ في صورته وقدرته، إله مطلق في شره وخيره. وإن الجغرافيا الإلهية في منظور الإنسان البدائي، هي جغرافيا كوسموغونية/كونية، لاتعرف الحدود بين الخير والشر، بين إله أبيض وآخر أسود، أو ألوهة مظلمة وأخرى منيرة، فالخير والشر، الأبيض والأسود، النور والظلام، كلها توائم أزلية متجسدة في الذات الإلهية الواحدة. والإله الكوني الشمولي، عندما يجرّد من نفسه ظلاً له، يحمّله مسؤولية الموت وشرور الحياة، لابدّ له من الإمساكِ بخيوط القوّتين الكونيتين بذراعيه الإثنتين، باليمنى يمسك قوةَ الحياة والخير، وباليسرى قوة الموت والشرِّ. وهنا تغدو مسألة إسترضاء وجه الإله الأبيض، وإتقاء غضب وجهه الأسود، الموضوعَ الأساسي للعبادة والطقوس. من هنا نستطيع أن نفهمَ الخصيصتين المتناقضتين للأم الكبرى للعصر الحجري، أول إله شمولي عبده الإنسانُ. كما نستطيع أن نفهمَ إستمرار هاتين الخصيصتين في وريثات الأم الكبرى.(12) ولقد عبّر إنسان العصر الحجري، الحديثَ عن وجهي عشتار/الإلهة الأم المظلم والمنير، بأنْ مثّلها في هيئةٍ مزدوجةٍ. ففي معابد "شتال حيوك، نجد الأمَّ الكبرى في بعض المنحوتات الجدارية، وقد إزدوجت في شكلين إثنين متطابقين، يولد منها الإله الإبن ـ الثور، وهذا الشكلان ليسا تعبيراً عن إلهين منفصلين، بل هما تعبيرٌ عن الإلهة الواحدة للعصر النيوليتي ذات الوجهين: وجه تديره نحو الحياة، وآخر نحو الموت.(13) إن ثنائية الخير والشر المتجسدة في ذات الإله/الآلهة الواحدة، لم تكن في البدء على المستوى الإيماني، ثنوية إنحيازية لصالح الإله في وجهه الأبيض، ضد الإله في وجهه الأسود، وإنّما كان الإلهُ معبوداً في كليته: بوجهه الأكمل، وصورته المثلى، أي بإعتباره خيراً وشراً على حدٍّ سواءٍ. ولكن صورة الإله الأسود، قد بدأتْ تزداد قتامةً، وتنفصل عن صورةِ الإله الأبيض، حتى زالتْ عنها صفةُ الألوهة، متحولةً إلى نقيضها. ذلك أن التركيزَ المتزايدَ على الوجه المضيء للقوة الإلهية، وإستبعاد وجهها الأسود، قد أدّى بالضرورة إلى ظهور الشيطان مرافقاً للرحمن، وقام كل إله أبيض، بإبتكار شيطانه الأسود، فحمّله شرورَ العالم.(14)

على الرغم من أن الإيزيدية، قد بُحثتْ، ودُرستْ على مستوى الآخر، بأنها دين الشيطان، ودين الشرك بالله، وإلى ماهنالك من دعاوى مغرضة، إلا أن حقيقةَ الديانة الإيزيدية ونصوصهاالميثية، تجعلنا أمام لوحةٍ مغايرةٍ تماماً. فالإله الإيزيدي (خوه دي ــ طاووسي ملك) هو إله كوني شمولي: شموليٌّ في خيره وشره، في نوره وظلامه، في بياضه وسواده. ولا توجد على الإطلاق إرادةٌ تعلو إرادته، لذا فهو لم يخلق شيطانَه بذاته، وإنما هو بدعةُ وإختلاقٌ من الآخر. إن جغرافية الألوهة الإيزيدية، لاتعرف  للشيطان، إبليس، يعلزبول، بعل، مكاناً لها. وهي مصطلحات مبتدعة ومختلقة، وبالتالي غريبة كل الغرابة عن القاموس الإيزيدي.

إن الإله الإيزيدي على المستوى الأثيوميثولوجي، في رأيي، هو إمتدادٌ للإله/ الآلهة، الكوسموغوني/ الكوسموغونية، الأول/الأولى، حين لم يكن بمقدور الشر إعلان إنفصاله كجزءٍ متمرّدٍ عن الألوهة كوحدة شمولية كونية، فـ "إنّانا" السومرية، كانت سيدةً للسماوات والعالم النوراني، وسيدة لعالم الموت وظلمات العالم السفلي، وتكررت هذه الألوهية المزدوجة في شخصية عشتار البابلية، التي تظهرها الأساطيرُ تارةً إبنةً لـ "سن" إله القمر، وتارةً إبنة لـ "آنو" إله السماء. فكإبنة لآنو، كانت عشتار إلهة للخصب والحب ومِتع الحياة. وكإبنة لسن، القمر، حاكم الليل، كانت إلهةً للدمار، وسيدة للحروب والمعارك(15). إن هذه الألوهية ذات الطابع الأمومي/الأنثوي الصرف، كأنْ لم يكن بالإمكان أن تستمرَّ في سطوتها إلى مالانهاية، لأنّ الآخرَ الذي هو الذكر، فكّر أيضاً بنيل نصيبه منها، وبالتالي المشاركة في صنعِ التاريخِ الألوهي القداسوي. لهذا كان لابدَّ من بروز الإبن، كإله ذكوري ناشيء، إلى جانب أمه، كإلهة كونية شمولية.

روح العالم في الأساسِ، قائمة على مبدأ الشيء وضدّه. هذا المبدأ الذي أطلق عليه في الفكر الصيني القديم إسم "يَنْ"/المبدأ السالبُ، وينتمي إليه كلٌّ من القمر والأنثى، يقابله الـ "يانغ"/المبدأ الموجب، الذي ينتمي إليه كلٌّ من الشمس والذكر، ومن تفاعل هاتين القوتين المتكافئتين، تستمرُّ حركةُ العالم ومكوّناته التي تتداخل فيها القوّتان فتتعادلان أحيانااً(16)، وتغلب إحداهما الأخرى أحياناً، دون أن تلغي الواحدةُ نظريتها. إن الميثولوجيا البابلية  والسومرية، هي الميثولوجيا الأكثر تعبيراً عن حالة اللاحرب واللاسلم هذه. فبالرغم من إنتصاب دوموزي/تموز كإله ذكوري ناشيء، إلهاً إبناً حيناً، وإلها عاشقاً أحياناً أخرى، في حضرة الألوهة الكونية الشمولية إينانا/عشتار، فإنّ حالةَ التوازن بين القطبين الإلهيين: القطب الذكوري/اليانغ، والقطب الأنوثي/الين، ظلّتْ قائمةً حتى مراحلَ متأخرة من الأسطورة. ففي شكلها الأقدم كانت عشتارُ روحاً للنبات، تقضي جزءاً من السنة في باطن الأرضِ، وجزءها الآخر في نسغ الحياة النباتية، إلهة مزدوجة تمثّل العالمين، وتنتقل بينهما دون أن تفقدَ بإنتقالها إلى واحدٍ، تأثيرَها على الآخر. وعندما أخذت بالخروج من مملكة الطبيعةِ والتحول تدريجياً إلى سيدةٍ لها، بدأت صورتُها المزدوجة بالإنقسامِ، وظهرت بدلاً عنها صورةُ الأم والإبنة، حيث تابعت الأم مسيرتها نحو الأعلى، لتأخذ مكانَها أخيراً بين اآلهة السماء، وتركتْ إبنتها حبيسةَ الحياة الطبيعية ودورة الإنبات السنوية. إلا أن هذا الإنقسام لم يتمَّ تكريسه نهائياً، وبقيتِ الأمُ "ديمتر" والإبنة "بيرسفوني"، في المستويات السرّانية للأسطورة إثنتين في واحدة، وواحدة في إثنتين. أما في الميثولوجيا التي لم يُقيّض لها أن تتابعَ خطةَ تطورها الأمومي، فقد تحول شقُّ عشتار الآخر، إلى إبنٍ، أسلمته دورة الطبيعة، وتابعت مسيرتها مع آلهة الذكور نحو الأعلى. إلا أنها هنا أيضاً، بقيتْ متحدةً معه عند المستويات السرّانية للإسطورةِ. وبقي تموزَ شقّها الآخر، وجانبها الذكري الكامن معكوساً نحو الخارج(17).

مايهمّنا هنا، هو تقرّي الوجهَ العشتاري بملامحه الذكورية/التموزية، في كل من الإسطورتين السومرية والبابلية، ومن ثم مقارنته مع ذات الوجه بملامحه الطاووس/ملكية في الإسطورة الإيزيدية.

إن فرضية هذا البحث، قائمةٌ على أساس الإعتقاد بالتعالق الأثيوميثولوجي، بين النص الميزوبوتامي، بإعتباره نصاً سابقاً، والنص الميثي الإيزيدي، بإعتباره نصاً لاحقاً. وسوف تحاول هذه الدراسة الكشفَ عن خيوطِ ومفاصلَ التعالق بين هذين النصين: السابق واللاحق، لنستشفَ في النهاية، كيف أن طاووس ملك الإيزيدي/الوجه الآخر للألوهة الكونية/الشمولية/الله ـ خوه دي، هو دوموزي/تموز الميزوبوتامي/الوجه الآخر لـ إينانا، أو عشتار/الإلهة الكونية الأم.

طاووسي ملك/تموز الإيزيدي الأكبر

إن الإسطورةَ ـ على مر الزمن ـ هي تحو&#