Bi xêr hatin malpera Tîrêj...çandî, wêjeyî û hunerîye...             

 


القص


 

 

آزاد برزنجي

جنازة شخص مجهول

 

كان الليل في أواخره، وكنتُ مضطجعاً على سريري في غرفتي، أعاني من تعب وإرهاق شديدين. قبل اضطجاعي أمسكت كتاباً في يدي بغية قراءته. لكنني لم أستطع الاستمرار في القراءة. كانت عيناي تزوغان، وتبدو الكلمات غير واضحة أمام بصري، وبدأت أنعس. وكان يتناهى إلى سمعي غطيط أمي التي كانت نائمة لوحدها في الغرفة الأخرى. فمنذ وفاة والدي بقينا أنا وأمي لوحدنا في هذا البيت. حاولت مرة أخرى الاستمرار في قراءة الكتاب، ولكنني لم أفلح. لذا وضعت الكتاب جانباً، وأطفأت المصباح وتمددت على سريري ثانية.

لم يمر الكثير من الوقت حتى سمعت صوت دقاتٍ على الباب.. دقة، دقتان، ثلاث..استغربتُ وازدادت نبضات قلبي.. ترى من يكون الطارق في هذا الوقت المتأخر من الليل؟! ترى ماالذي حصل؟! جاء صوت الدقات من جديد، فهرعت نحو الباب.

- من الطارق؟

أجابني صوت مرتعش:

- أنا.. إفتح الباب. جئت لأخبرك شيئاً.

وعرفت أن الصوت هو صوت امرأةٍ عجوز.

فتحت الباب، وكما توقعتُ، كانت عجوزاً ذات وجه رهيب. ملامحها تشبه ملامح ساحرات مسرحية (مكبث). ولكنها نظرت إلي بحنان وقالت:

- بنيّ، يبدو أنك لاتعلم شيئاً؟

قلت مندهشا:

- لماذا؟ ماالذي جرى؟

قالت بنفس اللحن:

- ألا تعلم أن شخصاً عزيزاً لك قد وافته المنية؟! كان عليك أن تكون أول العارفين بموته.. وقد أخذوا جنازته إلى ذلك المسجد المقابل لدارك.

فسألتها على عجل:

- من أنت، ومن هو ذلك الشخص العزيز علي والذي وافاه الأجل؟

ولكن العجوز لم تجبني، أدارت لي ظهرها ذاهبة.

فصرخت فيها:

- أخبريني، من هو ذلك الشخص؟

لم تلتفت العجوز، واستمرت في مشيها حتى غابت عن ناظريّ وتركتني في بحر التيه.

(من كانت تلك العجوز؟! ملامحها غريبة عني. ومن هو ذلك الشخص القريب مني الذي وافته المنية ولم أعلم بذلك؟!)

هذه الأسئلة وغيرها بدأت تستفزّ ذهني.

نزعتُ بدلة النوم مسرعاً، بدّلت ثيابي، وأسرعت الخطى نحو المسجد المقابل لدارنا. كان باب المسجد مفتوحاً، فدخلت وتوجهت مباشرة نحو الغرفة التي توجد فيها الجنازة. كانت الجنازة في وسط الغرفة، وثمة خمسة أشخاص جالسين حولها. وكان مؤذن المسجد جالسا بالقرب من الجنازة يتلو عليها آيات من القرآن.

عندما حيّيتُهم، لم يجبني أحدهم، بل نظروا إلي مندهشين. ولكني لم أرتبك، وجلستُ في إحدى زوايا الغرفة. بعد أن تلا المؤذن بعض الآيات، بدأوا يقرؤون سورة الفاتحة. ولأنني لم أكن حافظا لها ، تظاهرتُ بقراءتها بدوري وبسطتُ يدي مثلهم حتى انتهت قراءتها.

ثم اقتربت من أحدهم بتؤدة وسألته هامساً:

- هذه جنازة مَن؟

فأجابني غاضبا:

-كيف لاتعرف المرحوم وأنت قادم لتشييع جنازته؟!

كانت لهجته قاسية بحيث جعلتني أشعر بالخجل من سؤالي، وعدتُ جالساً في مكاني.

بدأ المؤذن بالكلام وقال:

- أيها الإخوة.. الموت مصير كل واحد منا. لذا من الأفضل للمرء أن يترك ملذات هذه الدنيا الفانية، وعليه ألا يكون مغروراً، وأن يمد يد المساعدة للناس، وأن يشارك هموم أهله وأقربائه، كي يفوز بالحياة الأخرى. وأيده الآخرون (كلامكم هو عين الصواب).

هنا بدأ أحدهم بالحديث قائلا:

-شيخنا العزيز، كان المرحوم شخصا منزويا، محبّا للعزلة والوحدة. كان إنسانا لامبالياً تجاه أهله وأقاربه، لايزور أحدهم. كان يعاملني، وأنا عمّهُ، معاملة شخص غريب.

كنت أنصحه دائماً أن يترك عادته تلك وأن يختلط بالناس، ولكنه كان يستهزيء بكلماتي، بل ويستهزيء بكل شيء.. إنّه كان لا يؤمن بأي شيء..

هنا انتهز المؤذن الفرصة وقاطعه قائلا:

- هذه مأساة المرء.. مأساته حين يفتقر إلى الإيمان، وفوق كله إيمانه بالله سبحانه وتعالى.. الله، خالق الكون والكائنات.. الله، الذي.. واستمر المؤذن في حديثه واعظاً. وكان بين آونةٍ وأخرى يقطع حديثه قارئا سورة الفاتحة.

أما أنا.. فقد غلبني النعاس ولم أتمكن من الأستماع إلى حديث المؤذن والجالسين الآخرين. الحديث الذي كنت قد سمعته فيما مضى، عشرات المرات. كنت أشعر أن هذا المنظر سبق وأن رأيته في منامي مرات ومرات.. وهكذا بدأت أجفاني تثقل، ولم أعرف كيف غلبني النوم ومتى.

عندما استيقظت لم أجد الجنازة في الغرفة، بل ولم أر أحداً من الجالسين الذين كانوا حولها في الليل.

قمت بسرعة، ولبست حذائي الذي كنت قد نزعته عند عتبة الباب، ورأيت شخصاً في فناء المسجد فسألته:

- أين هي الجنازة التي كانت موجودة هنا؟

أجابني الرجل بخشونة:

- أنا قادم كي أصلّي هنا، لاعلم لي بالجنازة.

ثم قال و ثمة إبتسامة ساخرة على شفتيه:

- إلى أين يأخذونها، من المؤكد أنهم أخذوها للمقبرة.

فخرجت من المسجد مستعجلاً، واتجهت صوب المقبرة القريبة من بيتنا. بعد بحث ليس بالطويل رأيت هناك جماعة من الناس، حينما اقتربت منهم وألقيت عليهم نظرة، تعرّفت على المؤذن وكذلك على الأشخاص الذين سهرت معهم في المسجد. كانوا قد واروا الجثة تحت التراب. حين اقتربت أكثر سمعت صوت بكاء عدد من النساء. عندما تقدمت منهن أكثر ودقّقتُ فيهن، تجمّدتُ في مكاني. كانت إحداهن تشبه أمي.. بل كانت هي بنفسها. ففتحت الطريق أمامي مسرعا حتى وصلت إليها، وصرخت فيها حائراً (أماه.. يا أمي العزيزة، لماذا تبكين؟) كرّرتُ سؤالي هذا عدة مرات، ولكنها واصلت بكاءها. بل إن ماحيّرني أكثر أنها لم تنظر إلي ولو نظرة، وأشاحت بوجهها عني كأنها لم ترني في حياتها أبداً، ولم تهتم بي. وجدتُني يأخذ بذراعي رجلان ويسحبانني إلى الوراء، سمعت شخصاً آخر يهمس في أذن صديقه:

- من هو ذاك الرجل؟

- لاأعرف. إني لم أره في بيتهم قط.

- يبدو أنه مختل العقل.

- ربّما.

ولأن أمي لم تتعرف علي، لم أرغب في الرد عليهم، و في أن أقول لهم: أيها الناس، أنا لست بمجنون، صدقوني إنها والدتي وأنا إبنها. ولئلا يزداد شكهم فيّ، قررتُ ألا أسأل عن اسم الميت أيضا.

أردف المؤذن قائلاً:

- كفى يا أختاه.. كفي عن البكاء.. إن البكاء على الميت حرام عند الله.

ثم تلا سورة الفاتحة، وقال:

- والآن كل من يريد إلقاء كلمة على المرحوم ،باستطاعته أن يلقيها.

إن ماجلب انتباهي هو الحماس الذي بدأوا يقرأون به كلماتهم. عرفتُ اثنين منهم، أحدهم كان رجلاً، كنت أراه أحيانا في المقهى الذي أرتاده بين آونة وأخرى. كان حينما تُنشر لي قصيدة أو قصة، أقرأ في سيمائه الحقد والكراهية تجاهي. وكنت أُصاب بالحيرة من ذلك.

بدأ هذا الرجل بقراءة كلمة رثاء والدموع في مقلتيه. تحدث في كلمته، عن وفائه وإخلاصه وحبه للميت المجهول. استغربتُ حبه الشديد لصديقه المتوفى.

أما الرجل الآخر، فقد كان أحد زملاء طفولتي، كنا في صف واحد، وكنت أساعده على فهم الدروس. ولكنه لم يستطع إكمال الدراسة، فتركها، وفي السنوات الأخيرة هذه عُرفَ كرجل سياسي، وأصبح مسؤولاً إدارياً كبيراً. في العام المنصرم عندما كنت عاطلاً عن العمل وأعاني من ضنك العيش، ذهبت إليه حين قيل لي إنه مدير مؤسسة، وقلت ربما يتذكر صديق طفولته ويجد لي عملاً. لذا عندما دخلت غرفة الاستعلامات ذهبتُ إلى الموظف وقلت له واثقاً: أنا قادم لزيارة.. فقاطعني قائلاً: (من أنت؟) قلت: (قل له صديق طفولتك"ك" قادم لزيارتك) وبعد أن دخل الموظف غرفة المدير عاد بعد قليل وقال لي:

(أخي.. إنه يقول بأنه لايعرف أحداً باسم "ك") فاظلمت الدنيا أمام عيني في تلك اللحظات، وندمت على ذهابي إلى تلك المؤسسة.. وهكذا أسرعت الخطى خارجا منها.

حين رأيت هذا الرجل تذكرت كل هذه الأشياء. على أية حال. فقد قرأ بدوره كلمة تأبينية على روح الرجل المجهول الراقد في القبر، وتحدث فيها عن ذكرياته مع المرحوم واصفاً إياه برجل شهم يندر وجوده في وطننا. وتلاه عدد آخر من المشيّعين في قراءة كلماتهم، ولم أعرف أحداً منهم. وكنت أنصت لهم لأتعرف على الميت، إن ذكَرَ أحدهم اسمه. لكنهم لم يذكروه، بل كان كل منهم ينعته بـ: صديقي، زميلي، أخي العزيز.. الخ.

هنا تذكّرت ما قالته لي العجوز ليلة البارحة حين جاءت إلي بالخبر، وقلت في نفسي: إذا كان ماقالته صحيحاً، وهذا الشخص المتوفى هو شخص قريب مني، إذاً لمَ لايعرفني هؤلاء، ولا أعرفهم بدوري، يبدو من أحاديثهم أنهم من أقربائه المقرّبين، وأنا هو الشخص الغريب لا القريب من المرحوم.

استغرقت هذه المراسيم قرابة ساعة، انتهت بقراءة سورة الفاتحة على روح المرحوم. بعدها غادر الجميع المقبرة ماعداي. لم يطلب أحدٌ منهم أن أذهب معهم.. ولم يقولوا لي لماذا ستبقى وحيداً في المقبرة؟ وكذلك أمي التي أخذت امرأتان بذراعيها لتعودا بها إلى البيت، لم تقل لي: بنيّ تعال، لنعُدْ إلى بيتنا، ماذا تفعل بين هؤلاء الأموات؟!

بقيت جامداً في مكاني حتى غادروا وغابوا عن عيني، فبقينا لوحدنا، أنا والمقبرة. اقتربت من مثوى الرجل بخطوات وئيدة، وبدأت أحدّق فيه متأملاً. فكرت في الجلبة التي كانت موجودة حول قبره قبل قليل: دموع وبكاء، نواحٌ ونحيب، ضجيج وفوضى. وهاهو الهدوء قد هيمن على المقبرة أخيراً.. مكثتُ عند قبر الشخص المجهول لبرهة من الزمن، ولكنني بدأت أشعر بضيق في قلبي وبدُوار في رأسي. لم يكن بمقدوري البقاء هناك أكثر من ذلك، وهكذا لملمتُ نفسي عازماً على العودة إلى البيت، شعرت بضعف يسري في كافة أعضاء جسدي، وبدأ رأسي يثقل بحيث صعب على جسمي الناحل حمله.. لكنني شجّعتُ نفسي على السير حتى وصلت قرب بيتنا، كنت أتمنى أن أنام نوماً عميقاً يهديء أعصابي، ولكنني حين اقتربت من البيت رأيت ازدحاماً غير طبيعي أمام باب دارنا.. جهدت أكثر للاقتراب من الحشد ولكني فوجئت عندما رأيت لافتة سوداء معلّقة على جدار بيتنا، مكتوبٌ عليها:

(ببالغٍ من الحزن والأسى ننعي الشاب " ك"  لموته المفاجيء والمفجع).

كوردستان

* الترجمة عن الكردية: القاص.

 

 

 

خاص بـ تيريز. كوم

 
الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

التحرير

 

tirej@tirej.com
 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
2004
©copyright
tirej.com,2002-2004 [ info@tirej.com ]vebûna malperê 01/12/2002