تيريز: أسبوعية، أنترنيتية، تعنى بشؤون الثقافة الكردية. أهلاً  وسهلاً بمتصفحي الموقع.

 
 
 الشجن الثقافي الكردي
كِتابُ المحاورات
مقام الضـــــيوف
أنتولوجيا تيريز الشعري
 سجالات نقديـــــة  
 الكلاسيك الكردي 
 الشـــــــــــــــــعر 
 القـــــــــــــــــص 
 الروايـــــــــــــــة 
السينما الكرديـــــة
  دراســـــــات فكرية
 أدب التـــــــــاريخ 

 التشــــــكيل الكردي 
الموســـــيقا الكردية 
 كتب الكترونيـــــــة 
 تقارير ثقافيــــــــــة  
 اصـــــدارات كردية 
 كتــــــــابات جديدة 
 ريبـــــــــــــــورتاج
ثقافات العـــــــــالم 
 مواضيـــع أخرى  
 
القســــــم الكردي
 


التحريـــــــــــــــر
 

 
 


  دراسات فكرية


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بيان سلمان

 

شعرية اللغة في ملتقى الأساطير

في رواية "كهوف هايدراهوداهوس"، لـ سليم بركات

 

"اخترقوا رأسي كما تخترق السفن الحربية بحاراً، أدموا كلماتي كما تدمي المجازر ميناء أعين ٍ، أما مخيلتي - فهي حصن يحميها الزمن". لكل متخيل...

 

لتفادي سطحية البحث عن مفتاح للقراءة، سأشرع بالبحث عن مدخلٍ لكهوف هايدراهوداهوس:

أن يعيشَ الكاتب تجربة خاصة لا يخلو من مغامرة وخطورة وربما العنف الشديد، أن يخلق كياناً منتجاً في محاور دلالية ومنها يخلق كياناً منفصلاً لكائنات تستفرد بالمكان ليس كرقعة جغرافية بقدر ما هي حدود مطلقة للامكان. وهذا ما يطويه أحداث هذه الرواية الدقيقة، التشبث بالعَيْشِ داخل الأسطورة وإحياؤها وليس"إسقاط أساطير في نص الرواية" بإعطاء اللغة بعدها الأكمل، فتسرد الأحداث على ألسنة أنصاف بشر فينجز الكتابة من الداخل، تألفها الخيال وتسري في الشرايين.   

هناك في مكان ما أسطورة غطاها الغبار، طمست معالم شفراتها، عالم يبدوا لنا نحن البشر ـ بدائياً، موغلة في القدم، يعثر سليم بركات على مفاتيح دهاليزها ـ من خلال القراءة ندخل مكتبتها الخيالية، أشبه بمكتبة بابل لبورخيس، ويقترب من مكتبة المتاهات الموصوفة في رواية إسم الوردة لأمبرتو إكو. مَكان، هو موطن أسطورة ممحوة. يصفُ الراوي الأحداث من الخارج، لا يعرف أكثر من شخصيات لا ينفرد أي منهم بالبطولة، والاحتكاك بينهم شبه معدوم، يثير الشبهات. ومن هنا، فلكل محاورة أبطالها وبروفيل كل واحد منهم مفصل على مقاسه، مقرون بالدور الذي سيلعبه في الأحداث. نترقب معه وهو الدليل المتبصر، منيراً لنا بشعرية فائقة وشفافية مرهفة، كلمات مصاغة في محاوراتٍ تنحو منحىً منطقياً داخل سرد مرتب بتنسيق وتناغم بنائي تجد صداها داخل كهوف هايدراهوداهوس.

نتساءل عن حقيقة الوجود، وجودنا، وجود أنصاف البشر! تتداخل الأساطير وتلتقي عند مداخل الكهوف ومخارجها وبالمرّة لا يبدو أيّ منفذ للكهوف، فنحن نشعر طوال الرواية بأننا ندور في حلقة دائرية من قاعة لقاعة أخرى، تؤدي كل منها إلى مدخل قاعة أخرى دون مخرج حقيقي. وهنا تكمن قوة الكتابة وحداثتها، حين يرغم قارئ القرن الواحد والعشرين باستعادة خصوبة الخيال والعيش داخل واقع الأسطورة بيوميات مسبوكة من خيال واعٍ، مدرك لأثر الفانتازيا وتمييزها عن عبث الكتابة.

في هذا النص الهجين، المعجون بمياه تنبع من شطحات الخيال، نتتبع الراوي سارداً الأحداث من زاوية خارجية، شخص، ربما كائن آخر! له معرفة بالتأريخ والأساطير، عابراً حصن الإلياذة والاوذيسة، معطياً أبعاداً شاملة للأحداث، ومانحاً قوة التكلم لشخصياتٍ أشباه بإجراء محاورات طويلة أو قصيرة بين كائناتٍ يمتلكنّ أسرار الكلمة وينطقنّ الجُمل على شاكلة الإنس بفضل امتلاكهم القسم الأعلى (البشري). 

تنطلق الرواية من أسطورة واحدة لتصُبَ في بحرٍ من أساطيرٍ متشابكة في البنية. من تلك السلالة النصفية، يولد عالم مشّفر برموز، يقدم الراوي الملفوظات على شكل حقائق مختبرة: نعيش زمن الأسطورة والمكان ديكور يجتاحنا بغرابة تراكيبه داخل فضاء متخيل، يلتقي فيه الزمن والمكان وشخصيات أنصاف إنسان وحيوان تعيش حلم الكمال أم عدمه؛ أمر مقترن بمخيلة عالمٍ فكرة الكمال فيه رهينة بما يتصوره كل مخلوق، بالأحرى بما يتلقونه، أو يملى على مخيلتهم من قبل سلطة الأمير الأعلى. فأورسين بمفهومنا النوعي للإنسان، إن هو إلا مخلوق دخيل، غريب عن عالمٍ الموديل الخلقي فيه كائن على شاكلتهم، بنصفه الأعلى إنساناً (حيث يتمثل العقل، الفكر، الأحاسيس، الغرائز والأحلام) وبجذع وحوافر حصان يتمثل فيه (القوة، الصلابة، الأعضاء الجنسية ومنها اللذة والولادة أيضاً).

ولادة كائن انساني ألم، وولادة الأنصاف ألم مضاعف، أما ولادة كائن نصفي بقرن في جبهته فهو ألم مستثنى، والاستثناء يمس الشاذ عن القاعدة العامة، بما يعني يشذ عن أحكام عالم كهوف هايدراهوداهوس. في هذه الثلاثية التي تبدو عقلانية، يولد ثلاثية: الإنسان؛ كائنات أشباه؛ وأحلام بأنصاف. هل الإنسان موديل يقاس عليه أم هم الموديل؟. هل يتمثل الحلم الكامل بهم، بأنصافهم أم بالإنسان الذي يبدو لهم كجزأين متشابهيْن، مركبيْن لا يترجم أي معنى لهم؟. ماهي معايير التشابه والاختلاف في عالمٍ نقتحمه نحن(الإنسان) باعتبارنا كائنات أسمى، وبالنسبة للهوداهوس - كائن لم يرتقِ عن الدرجة الثالثة؟.        

برغم أن سليم بركات يسبق القارئ بحكمه معلناً على الغلاف الرابع (الأخير): " لا إسقاطات من الأساطير في نص الرواية. لا إعادة صوغ لإنشاء أسطوري". إلا أننا لا نستطيع الامتناع عن التفكير في أساطير ومعتقدات أخرى وحتى قصصٍ ورواياتٍ عالجت فكرة كائنات بأنصاف أو تحول الكائن الإنساني إلى كائن آخر. فسنتور، كائن معروف عند الإغريق والرومان على السواء، ممثلاً العتمة، مخلوق نصفه الأعلى إنسان ونصفه الأسفل حصان؛ شخصيات من عالم: التحولات لأوفيد، أشخاص يتحولون إلى حيوانات في ألف ليلة وليلة الخالدة، مسخ كافكا، وجانيش ابن الإله شيفا. أليس الاغتراب الذاتي، تعقيد العصر الحالي، اللهث خلف السراب، ازدياد درجة العنف ورقي الحضارات ـ عوامل يحث الكاتب للالتحام بعالم يصنعه من جنس خياله؟

الكهوف يمثل العالم أجمع حين ينقسم على ذاته في ترتيب هرمي تتركز السلطة فيها تحت إمرة كائن واحد يمتلك العلن والسر، يصادر الحقيقة والحلم، مستبيحاً المشّرع واللامُشرّع. وحتى داخل نظام الكهوف العالم منقسم مرة أخرى: الداخل (الاميروعائلته، خاصته وأتباعه، مهرجه، طباخيه المخصيين، فئة المثقفين)، الخارج (العامة) نظام اجتماعي مبني على تدرج معدن الحدوات أيضاً (الذهبي للأمير، الفضي لأنستوميس، الحديد لخانياس ونعال من جلد الجاموس للعامة)، في ذاك الفضاء المستلب يلتقي الإنسان بمسخه أو تلتقي كائنات أنصاف بمسخهنّ، يلتبس الأمر علينا - منْ مسخ منْ؟ ومن تعرض للانحدار ومن خضع للتطور؟.

الصور الثلاث ممثلة أورسين في حركتين مدروستين: من زاوية تراها أنستوميس: "واحدة لأورسين مستنسخة، بتمامها، عن شخصية اللوح التي وهبتها أنستوميس ال ديديس. والثانية لأورسين وقد أضيف ذيل طويل إلى جسده، فوق ردفيه، كما أستبدل قدماه بحافرين. والثالثة لأورسين، بنصفه الأعلى فقط، متصلاً بنصف جواد، مثله مثل مخلوقات الهوداهوس. لكن ما سكب في قلب أنستوميس قطرة من ندى الطلق هو القرن. الذي برز مستقيماً في جبهة أورسين". أما الأخرى فهي من زاوية الأمير (ثيوني لحظات أخيرة قبل موته): "نقل الأمير بصره من شكل الهوداهوس الكامل إلى الشكل الثاني ذي الذيل والحافرين، ثم أطال التحديق إلى الشكل الثالث - شكل المخلوق الواقف على ساقين، عارياً..". أنها أيضاً لحظة ـ يتمم الراوي فيه قوله: إن الأمير مات مطبقاً أجفانه على نقوش الحقائق. ونتساءل أية حقائق في عالم يبدو ترميماً لصور ورسوم غائرة وتشكيلاً من محاورات لن تحل نهاية لها؟  

في كهوف يستلزم فيها خيط أريان للدخول والخروج، يمتزج الدال والمدلول في تقييم الألفاظ والمعاني داخل نظام بجيولوجي بدائي قائم على محاكاة الطبيعة ولكن طبيعة مرسومة في مرحلة بدائية لتشكيل اللغة، وهذه ليست كافية، فيتوجب تدخل العقل لتصفية الأوضاع في تشكيلة علامات ورموز لا يفك شفراته سوى الفوضى حيث بداية الأصل، الخلاص ولكن ممَ؟ "الفوضى هيّ النظام الأصل"، "الفوضى خلاص" نسمع صدى هذه الكلمات على شفة آزينون الشاعر/ شبيه الأمير في الآن نفسه. توأمه الشكلي.

مخلوقات بلا ذاكرة ليست لديها أدنى وعي عن وجودها أو عدم وجودها، بينما الموت يفرض نفسه في جدالٍ، أقطابه ينتجون الموت حرقاً ومفضلين عليه التحنيط بما يضم هذا الأخير من دلالة عميقة، حيث الخلود، السرمدية وما فيها من تناقض الفكر حين يعلن: "شرع التسليم بتحنيط الموتى بدل حرقهم. الحرق يكثر من اقتحام الأرواح للأمكنة المحظورة: العقل.الهيكل الذي يتزوّد فيه الأمراء برؤيا الكهوف المفقودة. مخادع النساء". الحرق هنا مرادف لكل الشرائع والأديان القائمة على حرق الجثث، مؤمنة بأن الأرواح تتناسخ وتتلبس جسداً آخر (حيوان أو إنسان). بينما التحنيط يتحوّل إلى تأهيل للعودة للحياة، نوع من إعادة إحياء الميت بصورة ما، مما يتيح مراقبته حيث بالمقارنة مع الحرق (حيث تتجول الروح بحرية) يغدو استحالة السيطرة على تلك الأرواح الهلامية التي تتمكن من دخول أيّ مكانٍ تريدها والمحظور منه خصوصاً.

دورة الحياة في ذاك العالم قصيرة: "في السادسة يتزوج مخلوق هايدراهوداهوس. يكتمل في العشرين. يشيخ في الثلاثين. إن لم يمت ضعفاً، أو مصادفة، حتى الحادية والثلاثين، حمل معه حدوة." كما في روايته الأولى لسليم بركات "فقهاء الظلام"، حيث شخصية بيكاس(...) يولد، يكبر بصورة استثنائية ليشيخ في دورة ليلة واحدة مختفياً في صحراء الثلوج.

في نظام فلكي يدور حول نفسه: تعاقب الليل/النهار، فاكهة الظل/ فاكهة الشمس، القمر/ الشمس. يحتكم عالم كهوف هايدراهوداهوس، بالأرقام إذ لها مكانة مميزة. فالرقم ستة مكرر في عدة مواضع (أحياناً يمثل نصف رقم آخر "ستة وأربعون، ستاً وستين، ستة عشر") ألها علاقة بقصص الخلق والتكوين؟ سلسلة من أشكال هندسية تفرض كياناً منفصلا مخترقاً بدلالاته حدود عالم مطلق، مرسوم على خريطة زمن ساكن، زمن "حقائق ثابتة"، محاولة اجراء أي تغيير عليها أو حتى فهمها هو المس بقدسية ذالك الكيان: "ستة وأربعون خواناً واطئاً من المرمر الأسود، أنصاف دوائر، توزعت، في حلقة واسعة على أرض الكهف. كل ضيف أخذ مجلسه أمام خوان منها يسع ستة صحون من الفخار، وإبريقا آجريا مليئاً بنبيذ التوت الأبيض. في وسط الحلقة مائدة مستطيلة من الصوان ذي عروق الفلز الأصفر والقرمزي."

مقاربة أخرى لصور تجمع بين نصوص دينية سماوية ووجهات نظر فلسفية بالإضافة إلى صور لمأدبات معدة أشبه بمأدبة أفلاطون (مع فارق الشخصيات) وأقربهم مأدبة البطريرك في رواية ماركيز خريف البطريرك: (حين إحضار جثة وزيره مشوياً ليشارك الوزراء الآخرون في أكله):

"كان الخوان الصخرة، المستطيل ستاً وستين ذراعاً، على أتم عدته: فاكهة الظلّ وفاكهة الشمس متجاورة في الصحاف..."؛ في أبهة تلك الأجواء الاحتفالية يعيش أُولئك المحاربين زمنهم، ممارسين طقوساً ليست أقل معاصرة في وحشيتها لطقوس عصرنا الحالي. ضمن هذه الاستعراضية أيضاً يقدم سليم بركات الرواية وكأنه لايمت إليها بصلة، متحولاً بدوره لقارئ لمحاوراتٍ تبدو كمونولوجات، لأنها تأوي أفكاراً ميتافيزيقية تنحصر في دائرة مغلقة؛ وإن تحولت إلى ديالوك - أي إعلانها، فإنها ستؤدي للنهاية كما هو حال الكائن الأبيض حين يستنطقه الكاهن كيدرومي: ["ما الحلم الكامل؟. سأعيدك طليقاً إن شرحت لي ما كنت تثرثر به للطحانين ساعة قيلولتهم"، قال الكاهن. صهل ثانية: "أهي هرطقة ما تفوهت به، أم رؤيا؟". لا هذه ولا تلك، أيها الهوداهوس الكاهن. الأمر تمرين على الوحدة "، قال الهوداهوس المقيد.]. الحلم الكامل، التمرين على الوحدة، ما هما إلا وجهاً واحداً لفردانية محكومة عليها بالفناء في عالم تعيش نظاماً جماعياً لا مكان فيها للأسرار، والتي تعني بدورها عدم الإنفراد بالنفس - "حمحم كيدرومي: ما حاجتك إلى الأسرار؟ رد الهوداهوس المقيد - هي حاجتي إلى الوحدة".    

الكائن، في هذه الرواية مقدم ككائن طبيعي يعيش على مساحة أرضية بعيدة عن التجريد. غير أنه عالم منقطع عن الاتصال؛ يعيد إنتاج ذاته عن طريق أنظومة من العلامات المستهلكة لا جديد يضاف عليها، حياة فقدت الحركة، وانعدم فيها التغيير والانتقال نحو الأمام (المستقبل)، والحاضر اجترار لماضٍ قابع في سيرورة ترميم. فالزمن هو عصر أشكال ونقوش على الجدران، إذ لا وجود لزمن حقيقي بالمفهوم المعروف للزمن، لا أداة تعلمنا الوقت، ولا نعرف ما هو الوقت، كل الزمن أشبه بالتأطير داخل "ساعة محطمة". نحن راضخون للعتمة والنور، ننصاع لنظام متسمِّر في الأفلاك.

ففي هذا المنحى يخطو سليم بركات درجة أخرى في استمرارية الإبداع مقترحاً وجهاً آخر من تراجيديا له بعد فلسفي عميق، يحتم التوقف عنده للوقوف على خاصية النص المقدم باعتباره معالجة سياسية، غير أنها معالجة بعيدة كل البعد عن المباشرة والسذاجة، انه نص لتذوق رفيع، لخيال ليس بحاجة إلى جواز سفر. أما إيقاع المحاورات فهي مسجلة في زمنين: زمن السرد بالماضي، وزمن المحاورات في الحاضر، وهناك لحظة تتداخل مع هذه الأخيرة، تعاد سردها عن طريق الفلاش باك بالاستعانة بخيال الأميرة أنكسوميدا يُعلم فيها القارئ وقائع اختفاء الأمير: "امتعض أكسيانوس، حمحم الكاهن كيدرومي. رفرفتْ أنيكساميدا بمروحة يدها أمام وجهها، عائدة بخيالها إلى المساء الذي كاشفها الأمير برغبته في الخروج إلى ساحات هايدراهوداهوس وأسواقها، متنكراً(...)".  

 من زوايا تلك الأشكال الهندسية التي تعج الرواية بها: (الدائرة، المربع، والمستطيل، المكعب