تيريز: أسبوعية، أنترنيتية، تعنى بشؤون الثقافة الكردية. أهلاً  وسهلاً بمتصفحي الموقع.

 
 
 الشجن الثقافي الكردي
كِتابُ المحاورات
مقام الضـــــيوف
أنتولوجيا تيريز الشعري
 سجالات نقديـــــة  
 الكلاسيك الكردي 
 الشـــــــــــــــــعر 
 القـــــــــــــــــص 
 الروايـــــــــــــــة 
السينما الكرديـــــة
  دراســـــــات فكرية
 أدب التـــــــــاريخ 

 التشــــــكيل الكردي 
الموســـــيقا الكردية 
 كتب الكترونيـــــــة 
 تقارير ثقافيــــــــــة  
 اصـــــدارات كردية 
 كتــــــــابات جديدة 
 ريبـــــــــــــــورتاج
ثقافات العـــــــــالم 
 مواضيـــع أخرى  
 
القســــــم الكردي
 


التحريـــــــــــــــر
 

 
 


   القص


 

 

 

 

 

م. علي كوت

 

مـاريـــــــــــــا

 

الترجمة عن الكردية: فواز عبدي

 

 

منذ مدة ساءت حال العجوز، يبدو أن قلبها الذي ظل ينبض سبعين عاماً لم يعد قادراً على القيام بهذه الوظيفة. طلبت منهم أن يضعوا فراشها قرب النافذة، ولأنهم كانوا يعرفون أن العجوز تعيش أيامها الأخيرة فقد كانوا يلبون كل طلباتها، وها هم قد وضعوا فراشها مباشرة قرب النافذة في الغرفة العلوية.

كذلك  ـ وبناء على طلبها- منعوا الأطفال والضيوف من الدخول إلى الغرفة العلوية. في الغرفة الصامتة كانت العجوز وحدها مع أفكارها وذكريات حياتها الماضية.

قابض الأرواح الذي كان على عجلة من أمره كان يحوم حول الدار. كلما فتح الباب يلقي نظرة إلى الداخل ليرى إن كانت العجوز مستعدة لتسليم روحها أم......

وحين يجد العجوز مشغولة بذكريات حياتها، يمنحها الفرصة. ما كان يرغب في إزعاجها، فيتراجع إلى الوراء.

يقال بأن الإنسان حين يموت، وقبل أن يسلم الروح، يتذكر كل حياته. تمر حياته أمام عينيه كشريط سينمائي.

لكن هذا ليس بالأمر اليسير بالنسبة للمرأة العجوز؛ ستشاهد شريط فيلم أية حياة! حياتها الحقيقية التي سرقت منها ! والتي عاشتها حتى سن العاشرة! عشر سنوات عاشتها بحرارة المحبة مع والدها ووالدتها، أخوتها وأخواتها وصديقاتها. مازالت حين تتذكرها تفوح حرارة حب تلك الحياة من روحها. صوت والديها يرن في أذنها: » ماريا.. يا ابنتي، جهزي نفسك بسرعة، سنذهب إلى الكنيسة! يجب ألا نتأخر.. الآن بدأت التراتيل!«. حينها كانت ماريا ترتدي أجمل أثوابها وتسلك طريق الكنيسة مع والديها وأخواتها. يتناهى صوت الناقوس إلى أسماعهم من بعيد؛ هذه دلالة أوان التراتيل. لكن لا يهم إن تأخروا، مهما يكن سيذهبون ويأخذون أماكنهم بين أصدقائهم، وبعدها سيستمعون إلى المطران.

وقتها لم تكن ماريا تفهم الكثير من أقوال المطران، ومع ذلك فقد كانت التراتيل تبعث في نفسها الراحة. هناك كانت تلتقي كل صديقاتها، وكذلك كانت الكنيسة بناء كبيراً عالياً، مزدانة بالأيقونات والصور المقدسة. مقابل المصلين ـ وعلى دكة عالية إلى حد ما- كان يرتفع صليب حجري كبير، وعلى الصليب يظهر تمثال المسيح المصلوب معلقاً والدم يسيل من يديه ورجليه التي ثبتت بالمسامير، كما كان يسيل من خاصرته. كانت ماريا تعرف قصة المسيح لأن والديها كانا يرويانها لها في المنـزل: كان المسيح ابنَ الله، نزل إلى هذه الدنيا في هيئة البشر. جاء ليشرح للبشر أقوال الله وعدالته ويحررهم من الظلم والتسلط. لكن بعض الناس لم يصدقوه. كان هناك من آمن به، أما أمثال هيـردوس وبونتوس بلاتوس لم يؤمنوا به، هؤلاء كانوا أصحاب نفوذ وقوة، كانوا باشاوات وجنرالات. وبناءً على طلبهم قدّم المسيح الذي كان ابن الله- إلى المحكمة. حاكموه، وبعدها علقوه على الصليب. كان أبوها يكرر كلمة »نعـم«. »أصبح قرباناً لذنوب البشر، لقد ضحى بنفسه ليغفر الله ذنوبنا«. قال لها أبوها: »ماريا! لقد سميناك تيمناً باسم أم المسيح. هذا اسم مبارك«. لكن الآن، كالكثير من الأشياء الأخرى، أصبح هذا الاسم حلماً من أحلام الليالي؛ لم يستعمل منذ ستين عاماً. كان أحفادها يخاطبونها بـ » جدة أمينة«. أمينة أيضاً اسم مبارك لكن ليس لدى المسيحيين بل عند المسلمين.

هذا الاسم أنقذها من الموت، لكنها حين تفكر الآن تدرك بأنها فقدت الكثير من الأشياء منذ أن تسمت به.

يقال »الزمن يعالج كل الجروح« لكن هذا القول خاطئ بالنسبة للجدة أمينة. في آخر أيامها عادت طفلة. ذاك الاسم » ماريا« الذي خبأته في قلبها وذاكرتها يطل برأسه الآن ويبتسم. أمسكوا ماريا المحبوبة التي كانت كزهرة تفتحت، فصلوا رأسها عن جسدها، انتزعوها من أرضها. لكنها الآن تريد أن تتبرعم من جديد، تريد أن تصبح ماريا من جديد. ولن يستطيع أحد الوقوف في طريقها لا آغوات الكرد الظالمون ولا الجنود العثمانيون.

مع ذكريات ماريا تفتحت جراح ستين سنة خلت.. كانت جراحاً كبيرة لم يستطع مرور ستين عاماً أن يداويها؛ إلى الآن وكلما تتذكر الفرمان الأكبر ترتجف، تستغرب ذلك الحقد البشري، تلك البربرية! هؤلاء البشر الذين كانوا جيرانهم، الذين كانوا يسكنون المدينة نفسها، والذين عاشوا معهم في الشارع نفسه لسنوات طويلة وينادونهم »كريفو« و »كريفي«، يوم الفرمان تحول الكثير منهم إلى ذئاب مفتوحة الأشداق وهاجموهم، قتلوهم وسلبوهم. نعم هذه ليست أفعال البشر، ولا تمت إلى العقل بصلة..

لكن الجرح الذي يعلو على كل الجراح تجسد في فقْد الأب والأم والأخ والأخت..

يوم الفرمان الأكبر: كانت عائلتهم قد اجتمعت مع الأهل والأقارب والأصدقاء في الكنيسة. كان المطران يلقي مواعظه. من مواعظه كانت تتذكر كلمة، وكانت كلمة من الإنجيل: قال المسيح »عليك أن تحب عدوك«!. بعدها بدأت فرقة الأطفال بإنشاد الأناشيد الدينية. كانت ماريا كثيراً ما تشارك في هذه الفرقة، لكنها الآن لا تتذكر أي نشيد، بل منذ ذلك اليوم لم تنشد شيئاً.

كانت فرقة الأطفال ما تزال تنشد حين اقتربت أصوات وضوضاء من الكنيسة. قطع الأطفال إنشادهم. تجمع كل من في الكنيسة على بعضهم وكأنهم يدركون ما سيقع. بعض المسنين اقتربوا من تمثال المسيح ورسموا إشارة الصليب ورفعوا الدعوات.. قام المطران من مكانه وطلب من الحضور التزام الصمت واتجه إلى الباب. لكن فجأة فتح باب الكنيسة مصحوباً بقرقعة كبيرة وهاجم مجموعة من الجنود المدججين بالأسلحة ومجموعة من الرجال ذوي القبعات الحمر إلى الداخل. المطران الذي ركع على ركبتيه وراح يرجوهم نال الضربة الأولى، بعدها بدؤوا بالآخرين؛ بالحراب والرصاص.. كانوا كذئاب جائعة لقيت قطيعاً من الغنم دون راع! كانت أم ماريا قد غطتها بجسدها وحفظتها من الحراب. بقيت ماريا صامتة مدهوشة.. أرادت أن تصرخ لكنها لم تقدر. أخرسها المشهد الماثل أمام عينيها.

من بين جثث البشر نظرت إلى الأعلى، إلى الصليب الحجري، كانت الدماء تسيل من يدي وقدمي وخاصرة المسيح؛ صلبوا ابن الله من جديد!

بعد فترة دخل رجل مسن إلى الكنيسة، وبحزن بدأ يستكشف الوحشية التي حصلت في الداخل. بعد لحظات وجد ماريا المرعوبة وغير القادرة على الحركة خلف الصليب الحجري. مد يده نحوها بحنان. مدت ماريا يدها وهي نهب للشكوك والظنون. سألها الشيخ: »ما اسمك؟«. قالت مرتجفة: »ماا..ماريا!«. فكر الشيخ قليلاً ثم قال: »حسناً ماريا! أصغي إلي، من الآن فصاعداً اسمك أمينة! لا تنسي هذا! من يسألك تجيبينه بهذا«! ثم أخذها إلى داره التي يسكنها مع عجوزه فقط.

منذ ذلك اليوم أصبحت ماريا ابنة ذاك الشيخ وتلك العجوز المسلمين، وصار اسمها أمينة.

تلقت أمينة تربيتها كفتاة مسلمة. وفي السابعة عشرة من عمرها تزوجت من مسلم وقد وهبها الله من ذاك الزواج ثلاثة صبيان وبنتين.

أمضت أمينة حياة آمنة إلى أن بلغت أواخر العمر، سبعين سنة، ومع أنها لم تخبر أحداً بحقيقتها بل حتى أنها أرادت أن تنسى ذلك، لكن حافظة حياة ماريا لم تفارقها. والآن وهي تعيش أيامها الأخيرة عادت ماريا من جديد.

ابنها الأكبر ما كان يريد أن يترك أمه وحدها، فكان بين الفينة والفينة يفتح باب الغرفة ويجلس عند رأسها. وحين سألها مرة إن كانت تطلب شيئاً. وقتها فتحت أمه عينيها المثقلتين نصف افتتاحة ونظرت إلى ابنها بشك. لكنها مع ذلك رجته بأمل- وقالت: » احملني إلى الكنيسة! أريد أن أقابل مطراناً«!. ارتفع ابنها مقدار شبر عن الأرض! وأراد أن يوضح لأمه عدم إمكانية تلبية طلبها.

بعدها قال لأهل البيت » أمنا خرفت!..« فقرروا أن يحضروا الملا لقراءة الفاتحة وسورة (يس).

فهمت ماريا أنها طلبت من ابنها شيئاً غير ممكن، كما أنها لم تكن راغبة في سماع الفاتحة والـ (يس)، لذلك دعت قابض الأرواح، الذي كان يحوم أمام الباب، وسلمت روحها.

حين وصول الملا كان قلب ماريا قد توقف عن النبض. لم يجد الملا ضرورة لقراءة (يس) إنما اكتفى بقراءة الفاتحة ورجع من حيث أتى.

بعد خروج الملا، أراد الابن أن يعدل وضعية جثة أمه. حين رفع قبضتها المغلقة عن صدرها اندهش لرؤية صليب ذهبي صغير يلمع. حمل الصليب، قرّبه من عينيه وقرأ باستغراب ما كتب عليه -MARYA-.

 

 

 

 


 
   

4 3 2 1 الأرشيف

   
   

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم  ©www.tirej.net.2006