تيريز: أسبوعية، أنترنيتية، تعنى بشؤون الثقافة الكردية. أهلاً  وسهلاً بمتصفحي الموقع.

 
 
 الشجن الثقافي الكردي
كِتابُ المحاورات
مقام الضـــــيوف
أنتولوجيا تيريز الشعري
 سجالات نقديـــــة  
 الكلاسيك الكردي 
 الشـــــــــــــــــعر 
 القـــــــــــــــــص 
 الروايـــــــــــــــة 
السينما الكرديـــــة
  دراســـــــات فكرية
 أدب التـــــــــاريخ 

 التشــــــكيل الكردي 
الموســـــيقا الكردية 
 كتب الكترونيـــــــة 
 تقارير ثقافيــــــــــة  
 اصـــــدارات كردية 
 كتــــــــابات جديدة 
 ريبـــــــــــــــورتاج
ثقافات العـــــــــالم 
 مواضيـــع أخرى  
 
القســــــم الكردي
 


التحريـــــــــــــــر
 

 
 


الشجن الثقافي الكوردي 


 

 

 

 

 

 

 

أحمد عمر

"برو"

ملاح الأحلام والأملاح المعدنية

 استطراد روائي من مخطوط بعنوان (خلاف المقصود ـ شامي كابور وشرميلا تاغور ملاحم الغرام والانتقام على ضفاف الخابور)

 

 

ما أن شغّل الآلة (فكتوريا الايطالية35 ملم) ودبّت الدماء والحركة في شرايين الصور، حتى احتج المتفرجون وهاجوا وماجوا، فمدّ رأسه من كوة قمرة العرض الصغيرة التي بمساحة كتاب قطع وسط، ونظر في الشاشة، فصعق من الدهشة. لم يكن عَرَضاً من أعراض السكوبوفيليا المعتادة بل كان حدثاً يستحق الاحتجاج حقاً: كان ابن مريم عليه الصلاة والسلام مقلوباً على الشاشة!!

كبح آلة العرض على الفور ونزل (من وراء المقود) وأنار الصالة، وخرج ووقف على سدّة "لوج" العائلات وقال مخاطباً المتفرجين الذين حاصوا حيصة حمر الوحش، كانوا في معظمهم من قوم ابن مريم: أيها الأخوان الكرام... ما حدث غلط غير مقصود.. البكرات جاءتنا مقلوبة وهذا هو العرض الأول.. نرجو المعذرة ..اعذروا تقصيرنا. تعالت الصرخات تندد بالكفران وتدعو بالويل والثبور وقنابل الأمور، وقفوا على مقاعدهم وقفزوا عليها قفزاً يريدون الوصول إلى "برو" كي (يقلبوه) ثم يصلبوه. بحّ صوت برو الهادئ بسرعة وسط اللغط والصياح:

ـ أليس ابن مريم نبينا أيضاً يا أخوان. كل مسلم هو مسيحي بالضرورة..؟!!.

اخترق الأب جورج جورجيس، ضيف العرض الأول إلى اللوج العائلي ووقف بجوار برو ووصل في الوقت نفسه السيد فؤاد حشيشو، وهو من قوم ابن مريم، وواحد من أربعة شركاء هم مالكو دار السينما: هدّأ فؤاد حنا حشيشو الغاضبين.. خطأ غير مقصود يا أخوان. الأب جورج، ضيف العرض الأول لوّح لهم بيده مهدئاً. مؤكد أنه غير مقصود.

شرح برو: ابن مريم عليه الصلاة والسلام ليس نبياً عادياً، انه نبي مركزي في الديانات السماوية الثلاث، الأحاديث النبوية الشريفة تَِعدُ بعودته، سيكون خلاص البشرية على يديه، هو الذي سيقتل المسيح الدجال ويختم نهاية الفلم. هو الآن مرفوع عند الله، انه حي حتى الآن؟!. انه نبي غير عادي. نبي خارق، نبي سوبر.

برو، كان قد حجّ إلى بيت الله الحرام بعد بلوغه الستين، رغم اعتقاده أنه أقلّ ذنباً من يهوذا؟ لم يقتنع يوماً أنه سيكون أكثر الناس عذاباً يوم القيامة لأنّه من المصوّرين، فقد حاربه الملالي في بدايه رحلة ريشته في الألوان وسحنات النجوم الحزينة والسعيدة، لكنّ حركة الواقع انتصرت لبرو على الفتاوى.. العبارات التي ترحب بعودة الحاج إلى البيت لا تزال طريّة وغضة على ضلفتي باب الدار،من اليمين والشمال:

حجاً مبروراً

 وسعياً مشكوراً

من زار قبري

وجبت له شفاعتي

كانت هذه الأعراف قد انقرضت .. الحجاج يعودون الآن من الديار المقدسة بصمت.. ماالذي أغراك بتخطيطها يابرو؟

ـ كيف أخططها وأنا في الحج يا قرّة عيني، هل نسيت أن أخي محمود خطاط ورسام ياشيريكي؟.

أضاف: رسمت لابن مريم حوالي تسع أيقونات. هي موزعة الآن في كنائس العالم.. هاجر قوم ابن مريم وأخذوا معهم ذخائرهم وذكرياتهم وخلفوا خلفهم الأنقاض.. أخذوا لوحاتي ومنحوتاتي... أتعرف الفنان عمر حمدي؟

أهزّ له برأسي: الملّقب بمالفا.. أسمع به وأقرأ عنه؟

هو من أبناء العمومة.. سافر وصار عالمياً، وبقيت محلّياً أرسم لوحات لشعلان ورهطه وأصارع الظلام.

كان برو ينسخ رسماً للحسناء آشا باريخ في فلم "دوبدن"، الذي تقاسمت بطولته مع النجم ذي الملامح الحزينة مانوج كومار، عندما وقفت أمامه حسناء لا تشبه آشا باريخ. اقتربت وسألت: ـ هل تقدر أن تنسخ أيقونات كنسية؟

انتهى من ابتسامة آشا باريخ الحزينة في الفلم المأساوي الذي ينتهي بفراق البطلين وموتهما كما في ملحمة ممو زين الكردية.. ومضى إلى كنيسة الكاثوليك. كانت جورجيت في استقباله، دخل إلى الكنيسة. قالت: سترسم صورة لمار يعقوب.

سأل متحمسا: أين الأصل؟

قالت: الأصل أكله الزمن.. سترسمه من خيالك.

بدأ برو الرسم، وخلال ثلاث ساعات كان المار يعقوب منيراً ويبتسم لرحمة الله، جاءت جورجيت ووقفت مبهورة أمام اللوحة. صفّرت من الانبهار والاندهاش واقتربت من برو وشكرته، كان أول شكر من نوعه في حياة برو التي لم تكفّ عن التحليق حتى آخر عمره، شكرته تحت شاربه مباشرة، فثمل برو.. لم يكن يعلم أن نسبة الكحول مرتفعة في قُبَل العذراوات كل هذه الارتفاع. احمرَّ من الخجل، فشكر المار يعقوب على هذه المنحة الكريمة المباركة، فزاد بريشته في ضوء ابتسامته رحابة ونوراً وفي هالته ضياء.. بعدها خرج الأب جورج جورجيوس في حلته السوداء وصافح برو شاكراً، ثم مدّ يده له بمبلغ من المال، وقال: ـ ألف ومايتان. هل تكفي؟

ذهل برو من المبلغ الكبير!!

كان يظن أنّ القبلة ثمن كاف ويزيد.

كان المبلغ يكفي لشراء سيارة دوزوتو موديل خمسين أو لشراء دارين لاحبتين. لكن برو صرفها على أمه وأبيه ومزاجه وأصحابه وألوانه. بعدها تتالت الطلبات لرسوم القديسين وأيقونات العذراء وابن مريم في كنائس البلدة وكنائس البلدات المجاورة. لكن بدون مكافآت وثواب كثواب جورجيت العظيم الذي يجعل للمرء أجنحة وسماوات.

أتعرف يا شيريكي كيف رسمت مار يعقوب؟.. كان لمار يعقوب شفتا مانوج كومار وفترة شامي كابور وشعر راجندر كومار وخدود شامي كابور وصدغي بسواجيت وأنف راجيش خانا وخنّابة راج كابور..

قلت: ربما لهذا أعجبت به جورجيت.؟!

قال: نعم رسمت المار يعقوب نجماً للنجوم.

سألته: هل نستطيع أن ندخل الكنيسة لنرى اللوحة؟

أشار إلى سبطانة بارودة روسية وراء أكياس الرمل!!!.

الكنيسة المهجورة تحولت إلى ثكنة بعد الأحداث الأخيرة مثل الكنائس الدارسة الأخرى.

هاجر جلّ قوم ابن مريم من البلد، الأرمن، الكاثوليك، السريان.. بقي فيها عائلتان صغيرتان هما،عائلة جورجويس الفران المكوّنة من ثلاثة أفراد هم اأخوة سعيد حنا بعد وفاة والديه.. سعيد كان زميل الابتدائية، يجيد رقص الجيرك والاستجابة لأوامر النوم التي يصدرها شعلان ليبحر في الظلمات مع إحدى المربيات الفاضلات. لو رحل فسيضطر أصحاب "الدمعة" والمبحرين في كؤؤس الراح إلى قطع ثلاثين فرسخاً للحصول على دمع العنب المخمر أو المطبوخ... أما العائلة الثانية فهي عائلة بحدي الذي يبيع الأحذية في شارع مال فاتورة.

تابعنا الجولة التي عمل فيها دليلاً سياحيا للماضي المنصرم: هنا كان بيت جميل عازر المذيع في قناة الجزيرة، وهنا بيت عائلة سنونو السناتور المعروف، هنا قتل الشرطةُ الخنزير الذي أمسكت بيدي هاتين هلبه القوي الذي يشبه شعر ذيل الحصان.

لم يكن رساماً وخطاطاً ومشغِّلا "اوبراتورا"، فحسب، فهو فنان وممثل مسرحي أيضاً. مثّل وأخرج عدة مسرحيات كان أشهرها مسرحية "الحلاق المخادع" الكوميدية مع الممثل المصري نزار فؤاد وفيها كان برو يدهن، في دور الحلاق، وجه "الضحية" سالار باللبن خطأ، ثم يلحسه فيضج الجمهور بالضحك.

أخرج ونفّذ عدة حفلات لفن مسرح العرائس. كان يقصّ دمى من الورق ويحرِّكها بيديه أمام فانوس ينعكس ضوؤه من فتحتي علبة من صفائح الحلاوة. يتندر برو على رسم رسمه لجمال عبد الناصر في زيارته الشهيرة في عام الوحدة إلى الشامقلي. كان رسماً بالحجم الطبيعي نقله عن مجلة المصور المصرية، ثم طلب من النجار "سفر" قصّ الرسم عن فائض الفراغ عن شخص الزعيم الأسمر، فبدا وكأنه جمال عبد الناصر الخالق الناطق.. رسمها لصالح آل شوشان، فذهبوا بها إلى المطار في ملحمة الاستقبال، والطريف أنّ من لم يصل إلى عبدالناصر، مضى إلى الرسم يقبله ويتصور معه، تعويضاً عادلاً!!

أضاف: كان عبد الناصر فارساً ياقرّة عيني.

قلت لامزاً: تقصد تهديداته الصوتية برمي اليهود في البحر؟

ضحك: بل لأنه مات فقيرا، ولم يوَّرِث...؟!

رسم بورتوريهات لنجوم وشخصيات كبيرة مثل نجاح سلام وسميرة وتوفيق ونزار فؤاد ونجاح سلام، وكذلك المواطن الأول شكري القوتلي الذي عملت له البلاد استقبالات حافلة في زيارته المشهودة.

قال: كان القوتلي فارساً يا قرّة عيني.

قلت: تقصد أنه مات فقيراً مثل عبد الناصر؟

ضحك، وحاول إشعال لفافته للمرة العاشرة، وقال: لأن أعواد الثقاب في عهده كانت تشتعل بلمسة ولأن السيجارات لم تكن تنطفئ بعد كل عبة.

قال: أما الأمير زايد فهو أفرس العرب المعاصرين.

نقطة آخر السطر.

كان برو قد زار الامارت مؤخراً، وعاد مبهوراً بعناق الحداثة والقدامة في صحراء اخضّرت على يديه. دولة عربية بلا معتقلي رأي!

قال: رسمت له بورتوريه متطوعا.

سألت: أين اللوحة؟

قال: اختفت... نبشت الدار عنها فلم أجدها!

ربما كان سبب ضعف بصره سبباً في اختفاء اللوحة.

سألته: هل كنت تعرف الفنان جان كارات والفنان يوسف عبد لكي؟

 قال: أعرف أخاه اسكندر كارات.. جان كان صبياً وقتها، ويتدرب عند اسكندر ويوسف عبدلكي كذلك.

تذكّر برو أول لافتة خطها.. كانت بخط الرقعة:

أهلاً وسهلاً برئيس بلدية داموعا الأستاذ عامر حاج صالح. علّقت اللافتة على باب البلدية. كان عامر أول رئيس كردي لبلدية داموعا، وكان آخر كردي يتبوأ منصباً (رفيعاً) كهذا!! بعد حلول الاشتراكية، أو بالأحرى بعد فرضها صارت المناصب محرمة على الأكراد الذين تجمع الأدبيات أنهم اكثر الإثنيات اشتراكية وأملاحاً معدنية؟

قلت له: أعتقد أنك كنت واقعاً في غرام صبية شقراء تحمل مجلة كواكب مصورة وتتردّد على السينما مثلنا؟

 قال مستغرباً: واخ واخ ..كنتم تعرفون بقصة حبي مع سميرة؟

قلت: عندما يعرض الفلم نكون في الداخل وقبله وبعده نحوم حول السينما في شعيرة الطواف.

الحقيقة هي التي وقعت بغرامي..م ثلها مثل شاهيناز. جاءت في حفلة العصر في السينما الشتوية، طلبت تذكرة ودخلت.. كان برو يرسم ملصقاً لفلم (آنا مانجلا).. الموزع كان يعطي كل مركز ملصقاً واحداً، وبرو كان يرسم ستة ملصقات متفرقة يوزعها أحمدي نوري في مراكز الحركة في البلدة..

وقفت صاحبة الكواكب تتأمل ريشته وهي ترسم خصلة جو ما كرجي النافرة، نصحها برو أن تؤجل مشاهدة الفلم إلى الحفلة الليلية، حفلة العصر يحضرها الذكور الدبابير. لا توجد عائلات الآن، سيكون منظرك ملفتاً في السينما في حفلة العصر يا آنسة. لكنها وهي الغريبة الضيفة في البلدة، لم تجد نفسها معنية بالعيب. كانت تشكو الوحدة والضجر، ومتشوقة لمشاهدة الفلم، جاءت من العاصمة زائرة لتوليد وتمريض أختها الحامل، زوجة قائد الشرطة.. شاهدت مناظر الفلم، وهي مقاطع منتخبة من الأفلام القادمة الموعودة بالعرض (قريباً جداً) ثم خرجت.. قالت لبرو الذي كان لا يزال يرسم في البهو: معك حق.. سأعود في الحفلة المسائية.

عادت في حفلة الساعة التاسعة، كان برو يساعد زملاءه فيقف على باب العائلات ويعاون في تنظيم الزحام الذي يزداد إلى درجة الاستعانة بالشرطة في التنظيم. اقترح برو على إدارة السينما أن يدخل المتفرجون إلى الصالة ثم تؤخذ منهم بطاقات التذاكر لتخفيف أزمة الدخول فوافقوا. لمحها برو في الشارع فهبّ لها مرحباً، قادها إلى مقعد قريب من قمرة العرض، مدّت له كيساً ورقياً. تساءلت عيناه فقالت: هدية لك؟