تيريز: أسبوعية، أنترنيتية، تعنى بشؤون الثقافة الكردية. أهلاً  وسهلاً بمتصفحي الموقع.

 
 
 الشجن الثقافي الكردي
كِتابُ المحاورات
مقام الضـــــيوف
أنتولوجيا تيريز الشعري
 سجالات نقديـــــة  
 الكلاسيك الكردي 
 الشـــــــــــــــــعر 
 القـــــــــــــــــص 
 الروايـــــــــــــــة 
السينما الكرديـــــة
  دراســـــــات فكرية
 أدب التـــــــــاريخ 

 التشــــــكيل الكردي 
الموســـــيقا الكردية 
 كتب الكترونيـــــــة 
 تقارير ثقافيــــــــــة  
 اصـــــدارات كردية 
 كتــــــــابات جديدة 
 ريبـــــــــــــــورتاج
ثقافات العـــــــــالم 
 مواضيـــع أخرى  
 
القســــــم الكردي
 


التحريـــــــــــــــر
 

 
 

 

الشجن الثقافي الكردي



عارف حمزة

 

العيش في مسقط الرأس كسائح

 

لطالما سألني الأصدقاء: "ماذا تفعل هناك في الحسكة؟". سواء من الذين أصبحوا في مدن كبيرة داخل سوريا، مثل حلب ودمشق، أو من الذين هاجروا إلى خارج البلاد.

"كيف تستطيع أن تكتب فيها؟ هل بقي فيها شيء؟". وعلى الرغم من عدم بقاء شيء فيها، بالطريقة التي يكيلون فيها الأشياء، إلا أنني لا أعرف بماذا أجيبهم. فأنا لست من مدمني هذه المدينة، أو محبيها على الأقل، فلا أستطيع أن أقول بأنني لا أغادرها لأنني أحبها أو متعلق بها، فالمحبة ليست هي ما يجعلني أن أبقى فيها. وليست الكراهية أيضاً. هناك شيء خفي، ربما العزلة وكبر والدتي في السن، يجعلاني لا أغادر هذه المدينة. وربما لمحبتي لمدن أخرى، أجمل وأكبر منها، ولي فيها مآزق وماضٍ لم يمت، مثل حمص وحلب، جعلني أسكن فيها وأمد نظري الى المدن التي أحب.

"عشت في مدينة لا تستحق" كتبت ذلك في كتابي الشعري الأول، حياة مكشوفة للقنص.
"مدينة صنعناها

مثل حلم لا يستكين

ثم خرجنا الى الأطراف
ورأينا
كم أسرفنا
في مدينة
لا تستحق..".
الحسكة، التي تقع في أقصى الشمال الشرقي من سوريا، بين العراق وتركيا، لا يعترف بها أبناء مدنها. ابن مدينة القامشلي، التي تتبع إداريا للحسكة، يجيب عندما يسأله أحد ما، في الجامعة، من حبيبته الغريبة، أو في قطعة الجيش أو في السويد..، أنا من القامشلي، وهكذا أبناء عامودا وديريك والقحطانية ورأس العين والدرباسية... وتفرط سبحة المدن من يد الحسكة لتبقى وحيدة لا يتبعها أحد.
كنت أقول، للذين لا يعرفونها، بأن الحسكة كانت تملك تنوعاً هائلاً ورائعاً في القوميات والأديان والطوائف، ومنافسة بينها في صنع الحياة والمحبة الجديدة على نار هادئة، إلا أنني أخاف الآن، بعد مواسم الهجرة الكثيرة والمتلاحقة، والإهمال الذي سكن فيها مثل مرض عضال، أن يتحول ذلك التنوع الى معمل للأزمات، في أن تفقد ذلك التنوع وإلى الأبد.
نهر الخابور... يا سلام.. مَن يستطيع أن يفرط بهكذا نهر؟ بالقرى الآشورية التي كانت تطلق فتياتها الى مائه ويُطلق علينا بياضهن وجمالهن النار؟ بالصيادين الجالسين على ضفافه، مع أجهزة الراديو الصغيرة وعلب "الحمراء الطويلة" للتدخين ساعات طويلة، والنظر في هذا الوحش الجريح؟ ببقايا القطن والصوف، والتعب القروي العالق بالثياب، وهي تُغسل على ضفة بعيدة فتفوح، طوال النهر، رائحة برية يحملها نهر سعيد؟..
الخابور الذي بنى حوله الحضارات، طوال مسيره للقاء الفرات، ما عاد يجري الآن، بالكاد ينظر في أصابعه. لا يجري ولا يندفع، بل أصبح مثل مريض، على سرير النهر، يُعالج بالسيرومات، بضخ مياه الآبار إليه، كي يفتح
عينيه قليلاً ويطرد البعوض والنفايات بعيدا، ثم يغمى عليه من جديد.
أسأل نفسي أحياناً: ماذا يعني أن نبني ثلاثة سدود كبيرة على نهر لا يستطيع أن يبصق كل المياه المطلوبة الى بحيرات ثلاث؟ ألا يعني ذلك جفاف النهر وجفاف البحيرات الثلاث؟ ألا يعني إهداراً، بالإضافة للمال العام والماء العام، لماضينا وحكاياتنا ولمدينة بكاملها؟
إذا جف النهر، أو لم يجف، سنلحق بالآشوريين الى شيكاغو أو أستراليا، يجيب أحد الشبان الجامعيين من الحسكة، أو سنلحق بالأكراد الى ألمانيا أو السويد أو كندا أو إيطاليا، أو بالسريان الى أمريكا أو السويد.... الخ.
"ماذا يوجد في الحسكة؟". والحسكة لا يوجد فيها شيء. أو بكلام أدق ما عاد يوجد فيها شيء. فلا توجد فيها أي دار للسينما، بعد إقفال وحريق وخسارة كل من سينما دمشق وفؤاد والقاهرة.
المقاهي تعني وجود العاطلين عن العمل والمقامرين والزعران وثلاثة رجال أمن ومخبرين متطوعين.
نادي الجزيرة لكرة القدم أصبح منذ سنوات في الدرجة الثانية، وفي هذا العام يلعب مبارياته من دون جمهور، بعد الأحداث المؤسفة التي حصلت في آذار الماضي بعد مباراة فريقي الجهاد والفتوة !!؟؟
لا يوجد فيها أي مقهى رصيف. ولا صالة معارض ولا مسرح ولا مكتبات تبيع الكتب الصادرة في دمشق فما بالك بالتي تصدر في بيروت...
قبل أكثر من سنة ظهر في شارع القامشلي "سناك بار" الأصدقاء، وقبله بستة أشهر أعيد افتتاح مطعم "الشلال" الذي يبيع البيرة والشاورما، ثم ظهر مطعم ومشرب "فينوس" في نفس الشارع المتقاطع مع شارع "المحطة" المكنى بشارع العشاق والذين تغنى به الكثيرون من مطربي ومهاجري الجزيرة.
كل الحدائق، التي بمعنى الكلمة، تحولت الى استثمارات توجب عليك الأكل والشرب. لا توجد حديقة عامة تستطيع أن تذهب إليها للمشي أو شم النسيم. ولا مدينة ملاهٍ ولا فنادق يمكن الإشارة إليها... الحسكة تحولت الى مبان حكومية وحزبية، ومنظماتها، ومطاعم للأكل.
الحسكة، بما فيها مدنها، عانت من إهمال شديد طوال عقود طويلة، على الرغم من أن أكثر من نصف الاقتصاد الوطني، من نفط وغاز وحبوب وقطن..، يعتمد على هذه البقعة الجغرافية الحزينة من البلاد..
أشعر بالوهن عندما أقرأ شاعراً يكتب كثيراً ومطولاً عن مدينته، وقريته وبلده وقارته، إذ من أين يجلب جسارة الكتابة عن هذه الأشياء المهملة؟ ثم هل الشعر يذهب الى محطة محبة المدن وامتداحها؟
في الصيف لا يوجد شيء في الحسكة سوى الشمس الحادة والإشاعات. الشمس الحارقة على صلعة مدينة صحراوية، لدرجة أن لا أحد يقول للآخر: صباح الخير، قبل الحادية عشرة قبل الزوال. وليس هناك من شجاع، ابن عالم وناس، يمشي في الشارع بين الواحدة والرابعة ظهراً حيث تكون درجة الحرارة في الظل أكثر من ستين درجة مئوية. ومع وجود العدد الهائل من المكيفات المائية، الصحراوية، والغازية تحولت الشوارع الى نهر من الحرارة العالية المشفوطة من جوف الناس والبيوت. لذلك يجلس الناس في بيوت تشبه الأفران، ويتناولون النميمة، باصقين من أفواههم، بين تقلب وآخر، بقايا الحياة المرة.
في الشتاء لا شيء في الحسكة سوى البرد. البرد القارس. البرودة التي تصل الى عشرة تحت الصفر، من دون غيوم في السماء أو رأفة.
في الشتاء نفتقد الإشاعات التي كانت حياتنا تُطهى عليها في الصيف. والحياة سقيمة ومملة، كما يقول هيروسترات، من دون إشاعات.
لم يبق، بعد جفاف نهر الخابور، تقريباً، في هذه المدينة سوى الحزن والتفكير في الهجرة. أصبح العيش، بعد سفر
الكثير من الأصدقاء والأقارب والجيران والأتراب وهجرتهم، في مسقط الرأس مثل عيش الغريب أو السائح المغبون. فمن المحزن، وربما من الأفضل، ألا تعرف سوى عشرة أشخاص من أصل مليون ومائتين وخمسين ألف شخص في هذه المدينة الأكثر إهمالاً في العالم.
أشعر بالحرج عندما يسألني أحد ما عن هذه المدينة البائسة، ولا أعرف بماذا أجيب شعراء من مدن أخرى يرغبون بزيارتها وإلقاء قصائدهم على مسامع أبنائها، أفكر عندها: ماذا سيفعلون في الحسكة؟ أين سيذهبون؟ وبماذا سأجيبهم إذا سألوني عن شيء ما فيها؟.. أنا الذي عشت فيها كغريب.
وعلى الرغم من الجمال الموجود في الحسكة، ومحبة فتياتها للبياض والموضى الجديدة، إلا أنها تبقى مدينة أقرب للحزن والنسيان.
شعرت بالحرج عندما طلب مني الكاتب صبحي حديدي، المولود في القامشلي والذي في باريس منذ سنين طويلة، في إحدى بطاقاته أن أسلِّم "على مطعم البيروتي والخابور وعلى كراج خط الحسكة ـ قامشلي...". أرسلت له بطاقة بريدية عن الحسكة وفيها إطلالة مطعم البيروتي على جسد الخابور (بطاقة من السبعينات)، فأعاد الكتابة لي بشكر كبير، وكلمات عن الحنين والكهولة والصبا..، على "المفاجأة الكبيرة". وأنا لم أستطع أن أقول له: سلّم عليها من هناك، من باريس، فهي تعيش معك هناك، في باريس، وليس هنا.

 

 

 

   

4 3 2 1 الأرشيف

   

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم  ©www.tirej.net.2006