القص


 

كوران بابا علي

المرايا المُرعبة

 

الترجمة عن الكوردية: آزاد برزنجي

 

بعد أن أجروا لي عملية جراحية في غرفة العمليات؛ وضمدوا جراحاتي وتشققات ذراعي ورجلي وبطني وأمعائي؛ نقلوني إلى غرفة أخرى في نفس المستشفى ومددوني فوق سرير ناعم عريض، إلى أن إلتأمت جروحي التي أصابتني بسبب شظايا المرايا. بعدئذ نقلوني مرة أخرى إلى غرفة كبيرة عديمة الشبابيك؛ فيها سرير عال ذو سلم ومنضدة وكرسي ومغسل.. لم أعرف؛ هل هو نفس المستشفى ـم غيره، لأنهم قبل أن يأخذوني، خدروني بحقنة، ولما استفقت من غيبوبتي، وجدت نفسي جالساً فوق الكرسي وأمامي المنضدة، وطبيب جالساً على كرسي آخر وراء المنضدة؛ يضع نظارة على عينيه، ولما رأيته عرفت ـنه طبيب نفساني، وحين بدأ يسألني عن الدوافع التي كانت وراء حالتي النفسية، لذتُ بالصمت، ولم أجب، بعدها بساعات ثنى أرجل الكرسي وتأبطه، وخرج يائساً من غرفتي.. بعد لحظات دلف طبيب أكبر عمراً من الأول وآتى بكرسي هو الآخر؛ كان شارباه أبيضين، جلس أمامي، وبدأ بدوره يوجه أسئلة تخص مرضي راجياً أن أجيبه، ولكن، خاب أمله حينما تأكد بأنه لا يحصل مني على كلمة؛ فتركوني لوحدي وصعدت السلم ونمت فوق السرير الناعم. فجأة استيقظت على أصوات الأطباء النفسانيين، وحين فتحت ممرضة نفسية جميلة باب غرفتي، رأيت صفاً من هؤلاء الأطباء، رجالاً ونساءاً، كل منهم يتأبط كرسياً مطوي الأرجل ينتظرون مقابلتي.

ولكم حاولتْ معي تلك الممرضة، وبدأت تطنب في وصفي وبهاء وجهي وقامتي، وتعانقني وتقبل ناصيتي وخديَّ؛ ثم أطبقت شفتيها على شفتي، وترجت مني الاجابة على أسئلتها أو حتى التفوه بكلمة ما، ولكنها لم تستطع أن تستنطقني، وكذلك الآخرون. كنت أسمع بعضهم يتحدثون مع أفراد عائلتي وأصدقائي في الغرفة المجاورة لغرفتي التي وضعوني فيها تحت اشراف الأطباء النفسانيين، ويستفسرونهم عن الحادثة وما قبل حصولها، وعن طفولتي ومراهقتي.. وتصرفاتي وسلوكي، عندما وبعد أن هربت من المرايا، وانزويت في غرفتي.. كانوا يسألون والدي وأخوتي وأخواتي وأصدقائي حول تفاصيل حياتي، وما جرت لي من الأحداث في صغري وكبري، وهم بدورهم كانوا تارة يجيبون بهمس وتارة أخرى ينشجون بالبكاء.

آه.. هذه المرة جاء جميع أطباء المدينة وآخرون كانوا قد جاؤوا من بلدان العالم المختلفة.. يقابلونني واحداً واحداً، ينصحونني، ويصفون وسامتي وجمال وجهي وقامتي، وبدأوا يلتقطون لي صوراً فوتوغرافية وينشرونها في المجلات والجرائد ويحثون الفتيات كي يأتين ويهنئن الفتى الأوسم في البلد ويعشقنه؛ وقاموا بتكبير إحدى صوري الملونة ووضعوها في سيارة تصحبها فرقة موسيقية، وبدأوا يطوفون في شوارع المدينة وهم يصفقون ويطبلون ويمدحون جمالي في أشعارهم وأغانيهم، ولكنهم طالما طلبوا مني أن أشاركهم كرنفالهم هذا الذي أقيم من أجل جمالي. لكني لم ألبِ دعوتهم ولم أرضَ. وحينما أرادوا أن يخرجوني من غرفتي قسراً؛ تشبثت بالسرير من رجله اليسرى بقوة، كان يسحبني عدة أشخاص.. واستعملوا في محاولتهم هذه كلابات وعتلات؛ لكنهم لم يستطيعوا فصل يدي عن رجل السرير، فاضطروا إلى حمل السرير معي، وعند باب الغرفة تمسكت وبيدي الأخرى بإطار الباب؛ فاضطروا مرة أخرى أن يقلعوا الباب. ثم أخذوني إلى صالة المستشفى؛ ولكم حاولوا معي وأنا متمسك بالسرير والباب أن يخرجوني من باب المستشفى وإلى الشارع، ولكنهم لم يستطيعوا.

جاؤوا بعدة عمال يحملون معهم معاولَ ومجارفَ، وهدموا الجدار الأمامي للمستشفى، وبعد أن نظف الكناسون الشارع، أوقفوني على الرصيف، ومرت مواكب عيدي الخاص أمام ناظري؛ والفتيات الجميلات المأجورات لتلك المناسبة، تلك الفتيات اللواتي في حينها كنت ألتمس منهن بنظراتي أن يشفقن علي، أو تقول لي إحداهن ولو لمرة واحدة (أحبك).. كن ينثرن الزهور من فوق المواكب على رأسي، وكن يرسلن لي بأيديهن قبلات من شفاههن الرقيقة ويرسمن الابتسامات فوق وجوههن، ويتأملن وجهي البشع ويمطرن قبلاتهن علي ويهتفن ويهلهلن.. ولما أقبل المساء، عادوا بي إلى غرفتي وأوثقوا أعضاء جسمي كلها بالحبال؛ حتى أصابعي وشفتي وجفني، ومرروا بالحبال من سقف غرفتي الخشبي حيث كان هناك أشخاص فوق سقف الغرفة يمسكون برؤوس الحبال، وينظرون لي من ثقب كبير في السقف، ويحركون أعضاء جسمي حسب توجيهات الأطباء.. في الليل كانوا يحركون يدي ورجلي، ويصعدونني على السلم، ثم يمددونني فوق السرير، ويغمضون جفني؛ وبعدئذ ينومونني بترانيم من أمي أو أمهات أخريات مأجورات.. وفي الصباح يفتحون عيني وينزلونني من فوق السرير، كان المرحاض هو المكان الوحيد الذي كنت أشعر فيه بأناي وذاتيتي؛ لذا كنت أبقى فيه أكثر من نصف ساعة دون أن أشفق على المحصورين أو المصابين بالاسهال الحاد الذين ينتظرون خروجي وراء الباب، كانوا بين الفينة والأخرى يدقون الباب، وأنا غارق في تأملاتي وخيالاتي. بعدها كانوا.. يحركون يدي بوساطة الحبال ويلبسونني السروال ويقودونني صوب المغسل كي أغسل يدي ووجهي وأنشفها بالفوطة. آنئذ، كانوا يجلسونني فوق الكرسي، ويرغمونني على تناول الطعام، ثم يحركون أصابعي ويجعلونني أمسك بالقلم لكي يجيبوا حسب هواهم على رسائل فتياتي العاشقات، ثم يرفعون الصور بأصابعي إلى مستوى فمي ويحركوا شفتي، ويرغموني أن أطبع قبلة على كل صورة، كي يوهموني بأنهم يبعثون بالأجوبة مع القبلات المطبوعة عليها إلى الفتيات اللائي كتبنها لي.. آه.. تلك الرسائل التي يظهر أن الأطباء السذج عديمي الخبرة في الحب قد كتبوها، والصور.. كانوا قد اشتروها من بائعات الهوى، والذين كانوا ينوون معالجتي واخراجي من عزلة هذه الغرفة، هم بأنفسهم سجنوني فيها، ولم يسمحوا لي أن أخرج منها ولو للحظة.. والأدهى من ذلك، أنهم علقوا أربع مرايا كبيرة على جدران غرفتي الأربعة، لكي أرى فيها هيئتي، ولا أغض الطرف عن (جمالي و وسامتي!!) أي جمال.. آه.. أنا وحدي فقط أعرف مدى بشاعة وجهي الذي يجعل ممن يراني أن يحتقرني، أو على الأقل أن لا يشعر بعاطفة حب نحوي.

كنت قد اكتشفت تلك الحقائق من خلال المحادثات التي دارت بيني وبين المرايا طيلة حياتي الماضية، إلى درجة أن المرايا قد جعلتني أنا بدوري أيضاً أشمئز من وجهي البشع الغريب، حتى وصلت إلى حالة بصقت فيها على صورتي في المرآة، وانسال البصاق على سطحها الأملس، فأخذت بيدي حديدة وكسرت جميع مرايا بيتنا، وهرعت صاعداً من السلم إلى الغرفة العلوية ـ أي غرفتي ـ ورميت المرآة من فوق سطح دارنا، ثم أغلقت باب غرفتي على نفسي وربطت إحدى قدمي بإحدى أرجل السرير بحبل يساوي طوله طول المسافة بين السرير وباب الغرفة، وأبقيت الباب مغلقاً لمدة ليست بالقصيرة، وعندما كانوا يجلبون لي الطعام؛ كان عليهم أن يضعوه أمام الباب، ولم أكن أفتحه، إلا حينما يصل إلى أسماعي وقع أقدامهم عند نزولهم من السلم، بل، وفي أغلب الأحيان لم أكن أفتحه. في إحدى المرات، لما فتحت الباب رأيت أمي مختبئة بجانب الحائط، وحينما أبصرتني، ندّّتْ منها صرخة، وخرّت فاقدة الوعي، ولم أعرف لماذا، وفي الوجبة القادمة، وعندما سحبت الصينية إلى داخل غرفتي، رأيت عليها شيئاً كروياً غريباً تنعكس عليه صور الصحون.. و.. آه.. لا لا.. في البداية خفت، ولكنني تضاحكت وتأملت الصور المعكوسة عليها بدقة.. آه.. يا للهول.. إنها لكارثة.. كان هدية هذا العصر.. كان شيئاً مخيفاً.. وبحركة خفيفة كانت الصور تتمسخ وتأخذ أشكالاً أخرى، كانت صوراً لمحتويات غرفتي وأعضاء جسمي النحيل.. بدءاً من صدري وحتى يدي وقدمي.. آه.. وعندما تجرأت وقربتها من وجهي، شاهدت صوراً غريبة لوجه مخيف، من بين جميعها كانت تلك الصورة تبدو لي غريبة وغير عادية، آه.. كلما كنت أتأمل تلك العيون الجاحظة وذلك الأنف الأفطس ولحيتي وشاربي وشعري الطويل والمجعد.. كنت أشعر وكأن شخصاً آخر في الغرفة يشاركني وحدتي.. يالهذا الوجه الشيطاني الشرس..! تلك الصورة التي كانت تتحول إلى عشرات من الأشكال الغريبة، وبأقل حركة من يدي، كان ذلك الشيء يعرّفني وبشكل مخيف بكل جزء من أجزاء غرفتي وأعضاء جسمي، بصورة لم أعتد عليها من قبل، ولكن من بين جميع الصور كانت تلك ـ وحدها تفزعني وتزرع الرعب في داخلي، رعباً لم أعرفه من قبل. ومنذ تلك المرة ومع كل وجبة طعام جديدة، تبدأ صور وجهي المختلفة تتقاطر علي وتأخذ أشكالاً هندسية متباينة كالمربعات والمستطيلات والدوائر والمثلثات، الكبيرة منها والصغيرة، حتى باتت غرفتي مليئة بتلك الأشكال، ولعدم وجود المكان الكافي، اضطررت إلى أن أعلق بعضاً منها بسقف الغرفة، ولكني بدل أن أعتاد عليها يوماً إثر يوم، بدأت أشعر بالخوف أكثر وأكثر من ذلك الوجه البشع الذي كان يحدق في وجهي.. لا.. لم أعد أتحمل تلك الحالة.. كنت أرى وجهي في كل الأشكال. وذات يوم سمعت همساً وجدلاً بين أشخاص يبدو أنهم كانوا أفراد عائلتي، كانوا يخططون لمؤامرة القبض علي، كي يحلقوا شعري ولحيتي وشواربي الطويلة، فانتابني احساس بالخوف، مما دفعني ذلك إلى أن آخذ الشرشف من على السرير، وأعمل في وسطه ثقباً بحيث يدخل فيه رأسي، وعلقته فوق باب غرفتي ثم فتحت الباب، وصحت بهم صارخاً؛ فاندفعوا نحوي صاعدين على السلّم حاملين معهم المقص وماكنة الحلاقة والموس، وبدأوا بقص شعري وحلق لحيتي وشواربي الطويلة.. آه.. وعندما انتهوا من عملهم، وعدت برأسي إلى داخل الغرفة وأغلقت الباب، تأملت الصور.. لا.. إنها ليست صوراً.. إنهم خدعوني.. إنها مرآيا، وقد أخذت أشكالاً مختلفة وانتشرت في جميع أرجاء غرفتي.. آااه.. أية صرخة مثيرة للشفقة علت مني، كنت أرى وجهي في المرايا بعد أن حلقوا شعري ولحيتي وشاربي.. كان رأسي يدور.. كنت أركن إلى زوايا غرفتي وأتقرفص وأحتضن ركبتي، أخبىء  رأسي في حضني، لكن صورة وجهي البشع لم تكن تبارح عيني، حتى أعضاء جسدي وظلمة عيني المغمضتين غدتا مرايا تعكس سيمائي. شعرت بجسمي يتصبب عرقاً ويرتعش.. صرخت وبدأت أهجم على المرايا وأهشمها بقبضتي ومرفقي ورأسي.. فسقطت آلاف القطع الصغيرة على أرض غرفتي لتشكل ركاماً هائلاً، كنت أضرب الأرض بقدمي جاهداً بذلك إنقاذ نفسي من آلاف القطع من المرايا التي كانت تعكس وجهي الملطخ بالدماء، فانغرز الكثير منها في جلد رأسي الحليق وخدودي وذقني ووجنتي.. آه.. لم أعد أرى شيئاً عدا آلاف الوجوه الملطخة بالدماء في تلك القطع الصغيرة من المرايا، وعند فشل محاولتي لانقاذ نفسي، بدأت أعضاء جسمي ترتخي وتكف عن الحركة.


 

 

كوردستان

 


 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

 دراسات فكرية

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية