الشجن الثقافي الكوردي


 


 

زردشت محمد

مرسوم الجرح النازف

في مديح العم "محمد فخري"، في رثائه

 

 

صغاراً كنا، ونحن نلتقط إشارات مشتتة عن محركي الإحساس بهواجس طفولة بريئة مشلوحة  في ضياع, تتلوه شطط عائلات تترقب فرجاً عن صانعي المروءة في وجه الزمن المنتحل أردية الكرد، ضمن مخاوف أزلام "محمد طلب هلال", وإزاحة الصورة من منبر القمع إلى هدي في زغاريد أمهات كبراعم الندى, تتلصص في زهو العشق إلى ناصية الوقت، لاسترداد آهات رجال دخلوا التحدي، وبرعوا في تثبيت هوية الانتماء في الثغرات المخترقة,  لينصتوا إلى زوجاتهم المنقوعات في الرهبة والرعب والحرمان, ويباركن صمودهم المتداخل والعتاب في صوت الخفاء: إلى متى سيبقى هذا الذعر؟!.

صغاراً كنا، نتعارك في محن الكبار، ضمن قضية آن لها أن تستريح, في أسئلة الشيوخ المستندين في خلفتهم التي تحوم كمكوك في غزل وشاح الوطن, تارة في السجون وأخرى في الفرار والتنقل من بيت لآخر, يمدون عودنا الطري بقوة التواصل في رفض الظلم, والفخر في التمسك بهويتنا التي لم تسجل في حضور الخلق، إلا شتاتاً وغربة ضمن رفض الآخرين لهذا النسل الموزع على مساحات متباينة, وأقوام لم ترغب في الاعتراف. مجموعات تتنقل من موقع لآخر، لاستقطاب بني جلدتها وحشدها في مواجهة الإبادة  المشرعنة, وأخرى تشكل الوقود والمأوى والحماية, هكذا، وبعفوية الانتماء، كل من موقعه، يتحرك لإيقاد نار كاوٍ في دم الكرد، ويستعصون على الماكرين في قتلهم. هؤلاء من وضع حجر الأساس في بناء البيت الكردي، وتحدى كل المصاعب دون أن يهدأ لهم بال, مستنفرين بطاقتهم المحدودة لتشكيل خلية التكوين في عزة النفس التي تتخلى عن كل شيء في سبيل وطن يلف جسد الكرد في وئام وأمن. البدايات الصعبة، تندمج بالتضحية الكبرى وتمد جسورها للقادم, وهي الأساس الذي علينا ألا نتخلى عنه، وسقايته بالروافد التي رأت مساراً لها في الوصول من خلال هذا الأساس العظيم. كانت الشعلة الأولى في كشف الظلام, ولا يمكن أن تنتهي برقود الجسد في حضن التراب الندي, إذ لا تزال في نورها، تلحق بمدار نيازك تتداخل في ضوئها وتشكل سماء الكرد. وحين تفارقنا, تترك دفء عزائها ضمن تعاريج جبين بني جلدتها, لينصع بالفخر والحلم نحو الحرية، ومد جسور المودة في كل البقاع, وإن كان العزاء في النخوة التي يجب أن تستثار في حمايتهم من الإهمال والنسيان قبل لفظ الأنفاس, وتبيان البطولة المقدسة التي حملوها في قلبهم قبل عقلهم، ودفعوا ثمناً باهظاً من العدل أن يتوجوا بعيش كريم وود، سؤال في كهولتهم المعشش فيه المرض، مما عانوا في مسيرتهم من جوع وبرد وتعذيب وقلق وتحدٍ, وهذا هو الحد الأدنى لإنصافهم.

صغاراً، نلتقط أثيراً ينشره الكبار في ميامين التحدي مشبعاً بالضغوط المقابلة له, ونسترخي في معمعة البقاء بتآلف وحدة الحال والمصير وطرق أبواب السلطة بحثاً عن سؤال في وجودهم قابعين في زنازين وغرف التعذيب المختلفة؛ تاركين عبوس وجوه السجان، وعصا التهديد، تتلاشى في فرح لقاءٍ، بعد غياب قسري عن أهلنا من خلف القضبان ووجود حارس يمنعنا من الحديث بكرديتنا، ولكنه، لا يستطيع منع دموع كردية حارة تنزلق على الخدود وحريق حسرات تضم أجسادنا في عناق من فراغ القضبان الحديدية الباردة. مشاهد اللقاء كانت عرساً حقيقياً للجميع, وشهقات الرضاء تنطلق بصوت الحلم والأمل: أهذا فلان؟ ياه.. لقد أصبح رجلاً؟!. لقد فعل الزمن فعلته، ولن يتوقف وإن مكثنا هنا طويلاً؟.

وتمضي السنوات، ويخرجون من بيوت الموت البطيء, ليواجهوا واقعاً جديداً، مر عليه عقد من الزمن, والأطفال أصبحوا شباباً، وتغيرت الأحوال، وكبرت المسؤولية، وما في جعبتهم سوى رصيدهم من جسد متعب نخرته الزنازين الرطبة، ويستمرون في كدحهم للفوز بأبجدية الهوية والانتماء, ودون عراك في التهميش الحاصل، ينظرون إلى الأمل المرتقب في الهدف المنشود.

***

كيف أنفض دمعي وأنت توارى التراب, لأودع قلبي بين يديك، وأنت من ضمني إلى صدره الحنون في زياراتنا القصيرة في سجن القلعة بدمشق وسجن الحسكة, وبقيت كذلك حتى بعد خروجك، وكأنك لا تزال تريد حمايتي من برد الحرمان، وتعبر عن تواصل نحو القادم الجميل؟. هكذا يبعدك الموت جسداً يومض بعناقه الحار, ويبقى الوجل في مقامك الذي لن يهزمه القدر وسيسجل حضوره في نظرات الحياة ما دامت, ولك ستعلق في شهوة الريح لأرض كردستان رائحة النيركز البري المنتشر في ضمائر الحقيقة التي لن تغيب أبداً.

لم أجفل لرحيلك، بقدر ما هزمني الفقدان وسهو نسيان الجيل الذي لم يعرفك جيداً, ولم يقف المعنيون في إيفاء حق تستحقه، وأنت مقعد في فراش مرض، رافقك في بيت الموت ضمن هذا التناسي, وكنت الأجدر في ود يتناغم في التواصل معك لمحرقة الفداء, تواصل في غياب الحراس وكثرة الملاعب وتشتت الفريق في فرق تتنافس في تفرقة, وتلجم الأعنة للسباق الحقيقي.

لم أجفل لرحيلك، بقدر ما تتبدى الجراح في هذا الغبن الذي نصرخ دوماً لإزالته من ذواتنا المنهمكة في الأحداث، ولا تستقر للتوقف عما يفيض من دماء. وهنا سأصرخ وأصرخ، وأنا أجفل لهذا العمى الساهي عن ضوء الحق, أن يزيح الغشاوة، وتكون في العز الذي تستحقه وكل من واكب المسيرة قبل فوات العمر منهم, وأوقد شمعة وفاء في ظلمة الموت الذي أرخى ظله في ذاكرة مثلومة، علها تنطق في صمتها أنين قلب يحمل حبه في طيفك الباقي؟ وسأترك عمن يوثقون الحقيقة في إنصافك وبيان ما كنت حتى الرمق الأخير فيك؟

لن أجفل من وداع جسدك, يكفي ما أحمله منك وتعلمت , فهو عزائي وأملي أيها العم الجليل!.

***

حتى لا نثير النار في أحبتنا. نمدد العشق بجراح نازفة من قلب الحسرة.

***

رسل غائبة الشدو

إلى الموائد تأتي

تضيع فيها كالأصابع

ونبقى في العراء.

تبيح نفائسنا للموت

ريحاً في عواء

هشيماً نلمه من قلب النار

لنفرز ما تبقى من أجزاء

مخضبة بالطيب من أسماء

جزء يرفض الاحتواء

يرفضنا والانتماء

يدوس الروح

اعتياد الجسد للاستسلام

منكمشاً في قوانا

يرمينا بدمنا المجبول

كوَردٍ ينفض عطره في خواء؟.

 

هذا المكان

شتاء يُعششُ فينا

كيف يغوينا بالثبات

مخلفات رذاذ براكين

لحمنا المشوي في المدن

يسقطً صراخ المتاهات

تحركه الثعالب مبتهجة بدمنا

 نحو الهدف

وتخونه الريح في الارتداد.

***

هذا المكان

تركنه الريح بعينين جامدتين

يقوض جسور انتكاس

كموجة تهول شاطئ استجمام

يرمي أسئلة حيرة

في رأس كطلل مهجور

وانسياب الطعنات بالمكان

يغوي الغياب تلاشياً

في ضجيج عيون فاضحة

ونظل بالمكان.

***

عتاب يذوي وآخر يداوي

خصام جسد في الغياب

ارتكاز عزلة يُقفل الباب

وجهتنا ورقة حزن

تنحر الوصول سهداً

آه, كم غنيت لنا بالمكان يارباب.

***

بهذا المكان رأيناهم

يستحمون في دمنا

يشربون نخب دمنا

نزهة دم في عبث القنابل

يُعشب الجسد المقصوف

طفولة تجهد للفرار من النار

وصهيل فزع في مدامع العودة

تنثني عنقود يتكاثر في القنص

ونبكي المكان.

***

ذاكرة خائرة

تتكاثر واغتيالات الضحك

انساب تاريخ عصف

يحاصر المكان

ننال تشريداً في عصبة الموت

تنزف الوجوه غيظ الصوت

في اندحار وصايانا الكثيرة

تتفحم بالمكان؟!!!. 

قامشلوكي

 

www.tirej.net


 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

 دراسات فكرية

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006