HAJALNAMA


 

 

 

 محمد نور الحسيني

أنا وخالاتي والشعر

 

كنتُ معجباً بخالاتي كثيراً.. بأناقتهن.. بلطفهن وكنَّ حشداً من الخالات.. حتى أني كنتُ أعتقد أن نساء القامشلي جميعهن خالاتي.. كبرتُ بينهن، وأحببتهنَّ وكانتْ أمي تغذي عندي هذا الميل وتؤثرهن على نفسها في هذا الوداد..؛ لذا كانتْ أسعد الأيام هي أيام الإجازات إذ تأخذنا الوالدة إلى بيت الجد لأحظى بخدينات أمي الفتيات الشابات خصوصاً..ـ حتى صغراهن كانت خالة، وكانت لطيفة وكلامها أقرب إلى النفس والروح؛ ولازلتُ أحتفظ بملامحهن حتى الآن رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود من طفولتي وصباي اللتين أثرتهما وأغنتهما اثنتا عشرة خالة.. قضتْ إحداهن في حادث سيارة وكانت عائدة من بهجة عرس وكان اسمها "بهيجة" وكانت أكثرهن مرحاً وحباً للحياة ومن هنا عبثت الأقدار!!!.. والباقيات لازلن خالاتي!! ما الذي يدفعني إلى سوق هذه المقدمة عن أمثولة الأنوثة الأولى في حياتي.. إن المرء هو دون ريب جملة التكوينات والعلاقات التي يمارسها ويعاينها ويعايشها، ولاغرو أن يكنَّ تلكم النسوة الصغيرات الفطنات اللواتي كن يعشن في حبور وخفة ظل ومرح وفكاهة وغمز ولمز أدركتُ مراميه تالياً، كنَّ أقربَ إلى عفاف ملكي أرستقراطي يقرن الأنَفَة إلى الانطلاق والتحرر إلى المحافظة.. كنَّ باختصار نساءً كردياتٍ بامتياز؛ ورغم انتمائهن إلى بيئة دينية، لم يكنَّ حريماً.. كنَّ شقائق الرجال.. كنّ نساءً كرديات بزهوهن بأنوثتهن وشخصياتهن الممزوجة من الرقة والحزم، كن جنساً آخر ـ الجنس الرهواني - من ذلك العبق أعتقد أني انطلقت إلى إقرار نهائي بأن الأنثى هي الأصل.. ومن ذلك الأصل لهن بذمتي دَيْن أفيه كلما قاربت موضوعاً أنثوياً؛ لقد هدينني إلى الشطر الأبهى والأجمل والأنضر من الحياة.. إلى الشطر الملون والعبقِ واللدنِّ، فغلبته في نفسي وأضمرته؛ حقاَ لقد كبرتُ بين قصائد حية ونابضة كانت تعيش وتسير، وكنتُ أسعى إليها لأتزوّد بزادي لحياة آتية، أطيافهن الأولى رسمتْ معالمَها، ورقتهن الأولى نقلت لثغاتي إلى كلام حسبته شعراً، ومرحهن الأول أرشدني إلى الجانب الأشرق من الحياة، وحبورهن وسَمَني بما يشبه الطربَ الأول الذي شنّف أذني للصوت الرقيق والهمسة العذبة والنأمة الأحلى والنظرة الأولى والخَفَر الأول.. أحس الآن بالمرتبة التي كنَّ يحزْنها عندي، بين الأخت والأم كنَّّ!! كنَّ خالات وحسبُّ..!! من أردانهن خرجتُ وتركتهن في اليفاعة ولازلن، إذ لم يكبرن- بحسبي - رغم أنهن غدون أمهات، وربما بعضهن جدات، ولكنهن يحتفظن بنفس الروح.. بنفس تلك الأنَفَة.. بنفس تلك النظرات المَلَكية التي لأم وحبيبة وصبية كردية؛ وإذ أروز اليوم تلك المسافة بين يفاعتهن الأولى ويفاعتهن الثانية، أجد نفسي بين اليفاعتين أمْيل إلى تغليب الأنثى في الحِل والترحال، أو بشكل أدق الأنوثة بما لها من جوهر متسامٍ ـ جوهرِ الخصوبة اللامتناهية والحب اللامتناهي واللطف اللامتناهي والكِبْر اللامتناهي والرقة والانطلاق والمغامرة، مغامرةِ الحب الأول والحَبَل الأول والولادة الأولى.. الأنثى نقيض الموت صنو الحياة.. بين المسافتين.. بين اليفاعتين أجد نفسي لاأريم.. هناك في تلك الهيولى يلبث عمري.. طفولتي وصباي وشبابي ومستقبل كهولتي.. هناك تشكَّلَ تكويني وترعرع قلبي في أقاصي شجيرات الأنوثة وحدائق أقمارهن الفواحة حيث أجلس مطرقاً كعجوز زردشتي أنصتُ إلى عبورهن الأول بثيابهن الفولكلورية الزاهية ذات الأردان العبقة بشميم أزاهير براري "بركو" و"عاكولة" و"خجوكي" ومشارف "نصيبين" و"هليليكي"، بجباهن المعصوبة بعصائب تحاكي أطيافاً نوروزية قوس قزحية.. ربما غيرت قناعاتي ـ ربما غيرت تحالفاتي- ربما لم أثبتْ هنا أوهناك، لكن قناعتي بأن الحياة منهن وإليهن لم تهتز لحظة، وربما أقرُّ بأني أميل إلى المحافظة والثبات في هذه القناعة وقانعٌ أن أكون كوكباً في هذا الفَلَك: فَلَك الأنوثة المنعش باعثِ الحياة وصانع القصيد ومجدد الأمل وخدين الرفرفة والتحليق؛ هل هي مثالية إن قلتُ بأني قاربتُ جوهرها..؟!! جوهرها الغامضَ الشفافية الطيعَ الحرونَ الشائك الندي الطيب اللمّاح الودود النفور.. لي أن أشهد بتواطئي الدائم معها ابناً ولوعاً بها حتى هذه الكهولة أيمم وجهي شطر قامتها التي مسَّها العقد السبعيني بلفحاته لكنها تستمد من أشجار حديقتها عزمَ ألا يهزّها هذا اللفحُ ولذا هي تكابر في هذا العمر العاتي بالقصائد الزاهية وبالألوان الزاهية والحب الزاهي إنها المرأة الشجرة.. إنها أمي الخضراء سليلةُ بيت النبوة ورايات الحسين التي تخاطب الله بالكردية، وتقف على عتبات الست زينب في دمشق تخاطبها بالكردية أيضاً وتشفّعها في آلامها الأزلية بالكردية؛ كي تشفى لتقودها قدمها إلى حلقة ذكر نورانية أو إلى ابتهاج نوروزي في عامودا أو تل موزان وإلى انبعاث الشجن المُحرَّمي في الست زينب بالشام.. أمي سليلة الرايات الخضراء تحادث أخوالها العرب البداة بالكردية، وتخلط بين نظرات مصطفى البارزاني الصقرية وأبيها الشيخ.. أمي تنتمي إلى الشعر والورد والشجر والألوان الزاهية.. أمي هي خالتي الكبرى على يديها تهجيتُ ألف باء الأنوثة، ولازلتُ ألثغ في إشراقات حروفها، تهدِّىء خاطري وتبث في روحي نداوتَها فتهبني مع كل أنثى كونتني توازناً.. هي الأنثى الأصل والباقيات الصالحات الفرع.. هي الأصل وتأتي القصائد والحبيبات والخالات والعمات وكل اللواتي وهبنني حفنةً من عطر حنانهن، لأكتب اليوم بمداد ذلك الحنان لا شهادتي ولا دراستي ولا قراءتي، لكن لأبرِّئ ذمةً من ذكورة شابَها لغط شوّش ذلك الحنان المقتبس منهن.. لأتبرأ من روائح أزاحت ذلك العبق الأول الذي مسَّني منهن، لأشهد أن الأنوثة التي عرفتها لا كانت سُبَّةً ولا منقصة ولا إدانة.. عرفتها قامة رقيقة وجبهة حرة وصدراً عامراً يعلن وجوده لأن الحياة من وجوده.. لأنه ملاذنا من الصرخة الأولى.. لأنه قوتنا.. لنقرَّ بهشاشتنا أمام أصالة حليبه.. لنقر بضعفنا أمام اتزانه.. لنقر بأن قاماتنا تنحني أمام حلمتيه المتوردتين من العطاء.. لنقر بأن الأنوثة فخرٌ وأمومةٌ وحبٌ وخضرة وخصوبة وإبداع تفترضه تلك المقدمات البهية التي صنعت الجانب المضيء والمشرق والحنون والرحيم من عقولنا وأفئدتنا ووزعته على سائر جوارحنا ليشد لجام الذكورة فينا كلما استوحشت واستبدت؛ من تلك الينابيع الرخية والأنفاس الرقيقة والأحضان الدافئة، من دمع أمي وقد فقدت شيخيها الصقريين، جئتُ إلى هذه القراءة الاحتفالية بشعر الشاعرات، فليقبلنني في هذه الكهولة الفادحة ابن أخت فضولياً أتى إلى قصائدهن كي يشمَّ خالاته الأوليات اللواتي تركهن بنضارتهن وبريق خدودهن وكلامهن الكنائي الذي لا يزال يفكّ غمزاته الملوَّنة. جئتُ بهن أحتفي عبركن لأروي كامل فضولي في الاقتراب من القصيدة من سيمائها الحقيقية ـ الجانب الأنثوي - لأن القصيدة هي في النهاية أنثى تنجب نفسها، وهي مكتفية بذاتها تتمتع بقوة غَناء ـ استغناء ـ قصوى في التوالد والتمدد والانزياح وتسييد البياض.. أجل وجدتها فرصة حقيقية في الاقتراب من نبض الحرف والتمعن فيه وهو يمارس رحلة بناء نفسه وتدميرها في الآن ذاته، أليس الفن لعباً في النهاية والأكثر جدارة بهذا اللعب الآسر أنثىً خنقتها كينونتُها والأعرافُ التي أحاطت بها والتابوهات المتعاليةُ ومختلفُ المحرمات التي مُورست بحقها عموماً وحق رغباتها وجسدها خصوصاً، وإذ تكون هي كرديةً، فليس بمستغرب أن تتضاعف غرباتها ومعاناتها، وإذا كانت مبدعة فليس بدعة أن يكون إبداعها حريقاً ما، على طريقة الاحتجاجات الضارية للمرأة الكردية حينما تشعر بانسداد الآفاق والكوى فتصبُّ الكاز على نفسها وتولع قامتها بعود ثقاب. جئتُ إلى القصيدة الأنثوية الكردية باحثاً عن هذا الاحتجاج لأجدَ كلَّ مبدعةٍ قد أوقدت بيراعها احتجاجها الذي يتباهى بأنوثته، فكثيراً مايكون احتجاجٌ مريعٌ في نظرة استنكار أو صرخة عتاب أو علامة تنديد أواحتفاء برغبة ما؛ ضارباً عُرض الحائط بكافة تمظهرات الزيف والهيمنة وكافة تبرقعات التدجيل تحت مسميات تبعث الهلع في النفوس وتشلّ الألسنةَ والتفكيرَ حتى دهر آخر!!..هكذا تتالت دونما ترتيب هجائي وبترتيب عفوي أصوات: آناهيتا ـ باران بارافي - يارا باديني ـ شفاعة عمر ـ رجاء حسن رشكو ـ بيوار ابراهيم - دلشا يوسف - كولا شيرين ـ جيهان سليمان ـ ديلان شوقي ـ أفين سمكو ـ آخين ولات ـ صباح سينو ـ مزكين محمود - جانا سيدا - ديا جوان ـ نسرين تيلو ـ كجا كرد ـ خلات أحمد ـ سمية عمر شيخي، ومن أجيال شعرية مختلفة - كانت هذه المروحة من الأسماء فوحاً أضيف إلى العطر الذي يوشّح العمر، إذ معظم الأسماء كانت جديدة ربما باستثناء اسم سمية بحكم أنها حضرت منتديات جامعة حلب لكنها غابت غياباً قوياً لم تحضر إلا الآن، ورغم ابتهاجي بهذا المهرجان الملون الذي وجدتُ نفسي مغموراً في صيفه اللاهب ونسماته اللطيفة، وبقدر فرحي بالأسماء المعروفة وغير المعروفة ممن قدرنا على جمع نتاجهن، كانت المفاجأة أن القليل القليل يمكن التوقف عنده بانطباعات في دراسة، كون هذا القليل أكد حضوره في مجاميع شعرية أولاً أو لمسنا فيه إضافة ما، وهذا لا ينفي وجود أصوات أخرى لم نتمكن من الاطلاع على نتاجهن، وربما ذلك يحتاج إلى دراسة موسعة تتيح مساحة إنصاف أوسع لكل ذات تجربة، وهكذا فما قد صمد للشعر وللمساحة المتاحة سيمنح انطباعات أولى عن شاعرات كرديات، للإيحاء بقصيدة ناضجة تقدر الثبات والاحتفاظ بقوام مبتكر وتقديم الجديد الذي نقدر على إشهاره كنص تكتبه امرأة كردية مع التأكيد أنني إذ قبلتُ الخوض في هذا الملف والمشاركة فيه، فقد قبلت وأقررت بتمايز الأدب الذي تكتبه المرأة لا من جهة انتقاص من هذه الكتابة أو من تمجيد لها ـ مع توفر مثل هذا الميلين لدى البعض ـ لكن أسباباً بيولوجية وفيزيولوجية واجتماعية وتكوينية وإبداعية في طبيعة المرأة تسهم في رؤية مختلفة للمرأة إلى مسألة الإبداع؛ من هنا كنت أعوّل على هذه الشريحة المبدعة أن تحمل لي بقوة أشدَّ، نبضَ القامة الشاهقة والشفافة لنساء ذاكرتي المتجددات، أن أستعيد بشكل أقوى أشواق جارات الصِّبا إلى الحرية والتوق والانطلاق؛ إن حالة الغربة التي عانتها القصائد كشفت أن الاهتمام بمضامينها أقوى من الاهتمام بالشكل لدى معظم الشاعرات، إذ لم أشهد اجتراحات قوية، خاصة لدى الجيل الأخير الأحدث سناً وكانت المفاجأة الابتكارية لي قادمة من الجيل الأنضج ـ الأكبر ـ فقصائد ديا جوان، تقدم قصيدة تنتمي بشكل أو بآخر إلى القصيدة الشفوية أو قصيدة اللقطة أو القصيدة اليومية الحياتية بلغة بسيطة ولكن عميقة، تبدأ عفوية ولكنها تنتهي بسحابة عطر أو عاصفة في الذهن؛ طموح قصيدتها بسيط ولكنه ذو كبرياء.. هل هو طموح الفن؟!! وإذ هي تطمح فهي مترددة لتحميل كتابها طموحَها، وهذه خطوة جميلة بِِكرٌ في الكتابة الكردية بعيداً عن الصخب وضجيج الشعارات؛ في ظل ما يحيط الكرد وقضيتهم .. طموحُ قصيدتها رقيقٌ أن تفكَّ أسر دمعتين:

سيشعر هذا الكتابُ

بسعادةٍ غامرة

إذا استطاع

فكَّ أسر دمعتين.

لقد أدهشتني قصيدة ديا جوان بهذه العلاقة الحميمة مع المفردة والقصيدة والكلمات والتحاور العفوي مع الحرف؛ لقد أشعرتني بموئل الفنان الأخير؛ بأنه في النهاية يكتب قَدَره وحيداً وله الحق ألا يزاحمه أحد على هذا الحضن الدافىء الباذخ، حضن الأبجدية، وأن مهارةً خاصة تلزم في التعامل مع هذا الكائن الرقيق الهش لكن العصيِّ حتى درجة الذوبان والأثيرية:

أوصيكم أن تحملوا كلماتي برفق

برفق تحملونها وتضعونها

كي لا تتصدع

كي لا تنكسر.. لا تنفجر

حينما تتلمسونها

انتبهوا

فلتكن أصابعُكم

رقيقةً في التعامل معها!

وحتى في مقاربتها لأوضاع شعبها ومعاناته نراها تسعى لهذا التجسيد الحروفي، وكأن لسانَ حالها يقول أتألم ولكن على طريقتي الخاصة، أحترق ولكن بناري الخاصة..! دعوني أعاني، ولكن بطريقة مبتكرة، ولاتبهظوا كاهلي بشعاراتكم وبياناتكم فقط تأملوا لوحاتي التي أرسمها:

كلما شاهدتم

الآلامَ تنحدر من كلماتي

ووجدتُموها تنقر رؤوس بعضها

ورأيتم سطوري

تعضُّ صفحاتِها..

اعلموا

أن أسراب البوم

قد عششت

في القامشلي

وديار بكر

ودهوكَ

ومهابادَ..!!

حتى حلبجةُ  نفسُها جاءت إلى القصيدة دونما انفعال ولا تفجع ولا رثاءات عالية؛ جاءت حلبجة بطريقة عدمية، جسدت عمقَ الكارثة وفداحة الجريمة..، حملت كل التنديد لمن تسبب بها ولمن سكت عنها ولمن أخّر تنديدها وبشّرت بالخِزي لمرتكبيها.. وبأسلوب أوحى في مقطع بسيط بمأساة ومجزرة:

كانت الآلام لاتزال متوقدة

كان الموت لا يزال ساخناً

كان السم لا يزال يسدل

ضفائرَه على قَوام حلبجة..

من الشام كنتُ أغطي بالجروح الجديدة

جروحي..

وإذ رأيتُ شبح إنسان فَزِع هارب

من حقول الخردل والسيانيد

يتجه صوبي

ويريد أن يحاورني

بلسان أخرس

وبكلمات صفراء

هددته أن يبتعد عني

وتوعدته بالقتل

فسخر من وعيدي

بأن الأموات

لايقتلون!!

لقد استطاعت ديا جوان أن تجسّد بحق خريطة الوجع الكردي بأنوثتها..، عبرت عن قلقه وعدم استقراره واللاأمان الذي يستشعره في هذه الحياة، بغرباته العديدة التي يكابدها؛ والوجع الكردي مجهض بجناحيه الذكوري والأنثوي، ولكن القصيدة في النهاية امرأة، فلا غرو أن الأوجاع تصبّ فيها طامعةًً في حنانها العالي؛ ومن هنا كانت موهبة ديا جوان المتألقةُ كفيلةً بالمسح على جانحي هذا الوجع بفوح إبداعها؛ لتمنح هذا الوجع فرصتَه القصوى في التعبير عن نفسه، ولتثبت أن الإبداع والابتكار لا عمرَ له، ولتكون أنموذجاً في القصيدة الكردية الجديدة التي تُكتب دونما ادعاءات ولابلاغيات بهلوانية ولاسفسطة متفاصحة. لنصغِ إليها وهي تسعى إلى حل شعري لتناقضٍ مريرٍ تمر به الأمم، خصوصاً في أطوار سعيها لنيل حرياتها:

 ترى كيف

الضغينةُ والحب

ينبعان من  نفس القلب؟!

وكيف الفردوسُ والجحيم

يظهران من نفس الحب؟!

وكيف

الملاكُ والشيطان

يولدان من بطن واحد

كيف الوردُ والشوك

ينبتان من غصن واحد ؟!

و

أنه من سبطانة نفسِ البندقية

قد ترفرف

راية الذل

أو الحرية!

الغربةُ مفردة أليفة لدى الكرد، إنهم يعانونها ويعاينونها ويعايشونها.. في أوطانهم..، يعيشونها في الأسماء التي تفرض عليهم واللغات التي تتحتم  عليهم وأسماء البلدات والقرى والتواريخ التي لا شأن لهم بها والقصائد والأناشيد التي يختنقون بغصة لكناتها.. يفكر الكردي بلغة ويتحدث بلغة، ولاتدري أيهما أرحم هذه الغربة الوطنية ـ إذا صح التعبير - أم تلك التي غدت آخرَ وأسهل الحلول التي يلجأ إليها الكرد قسراً أو طوعاً، فيغادرون ليظلوا طوال حياتهم مقارنين بين الأقسى في الغربتين، هذه الإشكالية لها مساحتها الكافية من نص ديا جوان ودونما كلل:

ليت أمي قالت:

أن الطفلة التي أنجبتها

ماتت في يومها السابع

أو قالت

أنها قضت في سنتها الأولى

بمرض الحصبة

أو في سنتها السابعة

جرفتها مياهُ النهر

أو سقطت في سنتها العاشرة

من شجرة العفص و

ماتت..

وليتها لم تقل

في سنتها الرابعةَ عشرةَ

أعددتها لقمةً سائغةً

ورميتها

بين فكي غربة..

ورغم السواد الشديد والليل المدلهم، فثمة أملٌ كبير وعريض تحلم به الشاعرة، وهو زاد كل الكرد، والراية التي يسلّمها الأجداد إلى الآباء فالأحفاد، ولعلها سرّ وجودهم والإكسير الذي يمدّهم بأسباب البقاء ويحفظ ذاكرتهم طازجة رغم أمواج الرماد؛ في انتظار طائر الفينيق النوروزي الذي ربما يقبل ذاتَ سانحة على هيئة زغرودة ما: