HAJALNAMA


 

 

 

 محمد نور الحسيني

أنا وخالاتي والشعر

 

كنتُ معجباً بخالاتي كثيراً.. بأناقتهن.. بلطفهن وكنَّ حشداً من الخالات.. حتى أني كنتُ أعتقد أن نساء القامشلي جميعهن خالاتي.. كبرتُ بينهن، وأحببتهنَّ وكانتْ أمي تغذي عندي هذا الميل وتؤثرهن على نفسها في هذا الوداد..؛ لذا كانتْ أسعد الأيام هي أيام الإجازات إذ تأخذنا الوالدة إلى بيت الجد لأحظى بخدينات أمي الفتيات الشابات خصوصاً..ـ حتى صغراهن كانت خالة، وكانت لطيفة وكلامها أقرب إلى النفس والروح؛ ولازلتُ أحتفظ بملامحهن حتى الآن رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود من طفولتي وصباي اللتين أثرتهما وأغنتهما اثنتا عشرة خالة.. قضتْ إحداهن في حادث سيارة وكانت عائدة من بهجة عرس وكان اسمها "بهيجة" وكانت أكثرهن مرحاً وحباً للحياة ومن هنا عبثت الأقدار!!!.. والباقيات لازلن خالاتي!! ما الذي يدفعني إلى سوق هذه المقدمة عن أمثولة الأنوثة الأولى في حياتي.. إن المرء هو دون ريب جملة التكوينات والعلاقات التي يمارسها ويعاينها ويعايشها، ولاغرو أن يكنَّ تلكم النسوة الصغيرات الفطنات اللواتي كن يعشن في حبور وخفة ظل ومرح وفكاهة وغمز ولمز أدركتُ مراميه تالياً، كنَّ أقربَ إلى عفاف ملكي أرستقراطي يقرن الأنَفَة إلى الانطلاق والتحرر إلى المحافظة.. كنَّ باختصار نساءً كردياتٍ بامتياز؛ ورغم انتمائهن إلى بيئة دينية، لم يكنَّ حريماً.. كنَّ شقائق الرجال.. كنّ نساءً كرديات بزهوهن بأنوثتهن وشخصياتهن الممزوجة من الرقة والحزم، كن جنساً آخر ـ الجنس الرهواني - من ذلك العبق أعتقد أني انطلقت إلى إقرار نهائي بأن الأنثى هي الأصل.. ومن ذلك الأصل لهن بذمتي دَيْن أفيه كلما قاربت موضوعاً أنثوياً؛ لقد هدينني إلى الشطر الأبهى والأجمل والأنضر من الحياة.. إلى الشطر الملون والعبقِ واللدنِّ، فغلبته في نفسي وأضمرته؛ حقاَ لقد كبرتُ بين قصائد حية ونابضة كانت تعيش وتسير، وكنتُ أسعى إليها لأتزوّد بزادي لحياة آتية، أطيافهن الأولى رسمتْ معالمَها، ورقتهن الأولى نقلت لثغاتي إلى كلام حسبته شعراً، ومرحهن الأول أرشدني إلى الجانب الأشرق من الحياة، وحبورهن وسَمَني بما يشبه الطربَ الأول الذي شنّف أذني للصوت الرقيق والهمسة العذبة والنأمة الأحلى والنظرة الأولى والخَفَر الأول.. أحس الآن بالمرتبة التي كنَّ يحزْنها عندي، بين الأخت والأم كنَّّ!! كنَّ خالات وحسبُّ..!! من أردانهن خرجتُ وتركتهن في اليفاعة ولازلن، إذ لم يكبرن- بحسبي - رغم أنهن غدون أمهات، وربما بعضهن جدات، ولكنهن يحتفظن بنفس الروح.. بنفس تلك الأنَفَة.. بنفس تلك النظرات المَلَكية التي لأم وحبيبة وصبية كردية؛ وإذ أروز اليوم تلك المسافة بين يفاعتهن الأولى ويفاعتهن الثانية، أجد نفسي بين اليفاعتين أمْيل إلى تغليب الأنثى في الحِل والترحال، أو بشكل أدق الأنوثة بما لها من جوهر متسامٍ ـ جوهرِ الخصوبة اللامتناهية والحب اللامتناهي واللطف اللامتناهي والكِبْر اللامتناهي والرقة والانطلاق والمغامرة، مغامرةِ الحب الأول والحَبَل الأول والولادة الأولى.. الأنثى نقيض الموت صنو الحياة.. بين المسافتين.. بين اليفاعتين أجد نفسي لاأريم.. هناك في تلك الهيولى يلبث عمري.. طفولتي وصباي وشبابي ومستقبل كهولتي.. هناك تشكَّلَ تكويني وترعرع قلبي في أقاصي شجيرات الأنوثة وحدائق أقمارهن الفواحة حيث أجلس مطرقاً كعجوز زردشتي أنصتُ إلى عبورهن الأول بثيابهن الفولكلورية الزاهية ذات الأردان العبقة بشميم أزاهير براري "بركو" و"عاكولة" و"خجوكي" ومشارف "نصيبين" و"هليليكي"، بجباهن المعصوبة بعصائب تحاكي أطيافاً نوروزية قوس قزحية.. ربما غيرت قناعاتي ـ ربما غيرت تحالفاتي- ربما لم أثبتْ هنا أوهناك، لكن قناعتي بأن الحياة منهن وإليهن لم تهتز لحظة، وربما أقرُّ بأني أميل إلى المحافظة والثبات في هذه القناعة وقانعٌ أن أكون كوكباً في هذا الفَلَك: فَلَك الأنوثة المنعش باعثِ الحياة وصانع القصيد ومجدد الأمل وخدين الرفرفة والتحليق؛ هل هي مثالية إن قلتُ بأني قاربتُ جوهرها..؟!! جوهرها الغامضَ الشفافية الطيعَ الحرونَ الشائك الندي الطيب اللمّاح الودود النفور.. لي أن أشهد بتواطئي الدائم معها ابناً ولوعاً بها حتى هذه الكهولة أيمم وجهي شطر قامتها التي مسَّها العقد السبعيني بلفحاته لكنها تستمد من أشجار حديقتها عزمَ ألا يهزّها هذا اللفحُ ولذا هي تكابر في هذا العمر العاتي بالقصائد الزاهية وبالألوان الزاهية والحب الزاهي إنها المرأة الشجرة.. إنها أمي الخضراء سليلةُ بيت النبوة ورايات الحسين التي تخاطب الله بالكردية، وتقف على عتبات الست زينب في دمشق تخاطبها بالكردية أيضاً وتشفّعها في آلامها الأزلية بالكردية؛ كي تشفى لتقودها قدمها إلى حلقة ذكر نورانية أو إلى ابتهاج نوروزي في عامودا أو تل موزان وإلى انبعاث الشجن المُحرَّمي في الست زينب بالشام.. أمي سليلة الرايات الخضراء تحادث أخوالها العرب البداة بالكردية، وتخلط بين نظرات مصطفى البارزاني الصقرية وأبيها الشيخ.. أمي تنتمي إلى الشعر والورد والشجر والألوان الزاهية.. أمي هي خالتي الكبرى على يديها تهجيتُ ألف باء الأنوثة، ولازلتُ ألثغ في إشراقات حروفها، تهدِّىء خاطري وتبث في روحي نداوتَها فتهبني مع كل أنثى كونتني توازناً.. هي الأنثى الأصل والباقيات الصالحات الفرع.. هي الأصل وتأتي القصائد والحبيبات والخالات والعمات وكل اللواتي وهبنني حفنةً من عطر حنانهن، لأكتب اليوم بمداد ذلك الحنان لا شهادتي ولا دراستي ولا قراءتي، لكن لأبرِّئ ذمةً من ذكورة شابَها لغط شوّش ذلك الحنان المقتبس منهن.. لأتبرأ من روائح أزاحت ذلك العبق الأول الذي مسَّني منهن، لأشهد أن الأنوثة التي عرفتها لا كانت سُبَّةً ولا منقصة ولا إدانة.. عرفتها قامة رقيقة وجبهة حرة وصدراً عامراً يعلن وجوده لأن الحياة من وجوده.. لأنه ملاذنا من الصرخة الأولى.. لأنه قوتنا.. لنقرَّ بهشاشتنا أمام أصالة حليبه.. لنقر بضعفنا أمام اتزانه.. لنقر بأن قاماتنا تنحني أمام حلمتيه المتوردتين من العطاء.. لنقر بأن الأنوثة فخرٌ وأمومةٌ وحبٌ وخضرة وخصوبة وإبداع تفترضه تلك المقدمات البهية التي صنعت الجانب المضيء والمشرق والحنون والرحيم من عقولنا وأفئدتنا ووزعته على سائر جوارحنا ليشد لجام الذكورة فينا كلما استوحشت واستبدت؛ من تلك الينابيع الرخية والأنفاس الرقيقة والأحضان الدافئة، من دمع أمي وقد فقدت شيخيها الصقريين، جئتُ إلى هذه القراءة الاحتفالية بشعر الشاعرات، فليقبلنني في هذه الكهولة الفادحة ابن أخت فضولياً أتى إلى قصائدهن كي يشمَّ خالاته الأوليات اللواتي تركهن بنضارتهن وبريق خدودهن وكلامهن الكنائي الذي لا يزال يفكّ غمزاته الملوَّنة. جئتُ بهن أحتفي عبركن لأروي كامل فضولي في الاقتراب من القصيدة من سيمائها الحقيقية ـ الجانب الأنثوي - لأن القصيدة هي في النهاية أنثى تنجب نفسها، وهي مكتفية بذاتها تتمتع بقوة غَناء ـ استغناء ـ قصوى في التوالد والتمدد والانزياح وتسييد البياض.. أجل وجدتها فرصة حقيقية في الاقتراب من نبض الحرف والتمعن فيه وهو يمارس رحلة بناء نفسه وتدميرها في الآن ذاته، أليس الفن لعباً في النهاية والأكثر جدارة بهذا اللعب الآسر أنثىً خنقتها كينونتُها والأعرافُ التي أحاطت بها والتابوهات المتعاليةُ ومختلفُ المحرمات التي مُورست بحقها عموماً وحق رغباتها وجسدها خصوصاً، وإذ تكون هي كرديةً، فليس بمستغرب أن تتضاعف غرباتها ومعاناتها، وإذا كانت مبدعة فليس بدعة أن يكون إبداعها حريقاً ما، على طريقة الاحتجاجات الضارية للمرأة الكردية حينما تشعر بانسداد الآفاق والكوى فتصبُّ الكاز على نفسها وتولع قامتها بعود ثقاب. جئتُ إلى القصيدة الأنثوية الكردية باحثاً عن هذا الاحتجاج لأجدَ كلَّ مبدعةٍ قد أوقدت بيراعها احتجاجها الذي يتباهى بأنوثته، فكثيراً مايكون احتجاجٌ مريعٌ في نظرة استنكار أو صرخة عتاب أو علامة تنديد أواحتفاء برغبة ما؛ ضارباً عُرض الحائط بكافة تمظهرات الزيف والهيمنة وكافة تبرقعات التدجيل تحت مسميات تبعث الهلع في النفوس وتشلّ الألسنةَ والتفكيرَ حتى دهر آخر!!..هكذا تتالت دونما ترتيب هجائي وبترتيب عفوي أصوات: آناهيتا ـ باران بارافي - يارا باديني ـ شفاعة عمر ـ رجاء حسن رشكو ـ بيوار ابراهيم - دلشا يوسف - كولا شيرين ـ جيهان سليمان ـ ديلان شوقي ـ أفين سمكو ـ آخين ولات ـ صباح سينو ـ مزكين محمود - جانا سيدا - ديا جوان ـ نسرين تيلو ـ كجا كرد ـ خلات أحمد ـ سمية عمر شيخي، ومن أجيال شعرية مختلفة - كانت هذه المروحة من الأسماء فوحاً أضيف إلى العطر الذي يوشّح العمر، إذ معظم الأسماء كانت جديدة ربما باستثناء اسم سمية بحكم أنها حضرت منتديات جامعة حلب لكنها غابت غياباً قوياً لم تحضر إلا الآن، ورغم ابتهاجي بهذا المهرجان الملون الذي وجدتُ نفسي مغموراً في صيفه اللاهب ونسماته اللطيفة، وبقدر فرحي بالأسماء المعروفة وغير المعروفة ممن قدرنا على جمع نتاجهن، كانت المفاجأة أن القليل القليل يمكن التوقف عنده بانطباعات في دراسة، كون هذا القليل أكد حضوره في مجاميع شعرية أولاً أو لمسنا فيه إضافة ما، وهذا لا ينفي وجود أصوات أخرى لم نتمكن من الاطلاع على نتاجهن، وربما ذلك يحتاج إلى دراسة موسعة تتيح مساحة إنصاف أوسع لكل ذات تجربة، وهكذا فما قد صمد للشعر وللمساحة المتاحة سيمنح انطباعات أولى عن شاعرات كرديات، للإيحاء بقصيدة ناضجة تقدر الثبات والاحتفاظ بقوام مبتكر وتقديم الجديد الذي نقدر على إشهاره كنص تكتبه امرأة كردية مع التأكيد أنني إذ قبلتُ الخوض في هذا الملف والمشاركة فيه، فقد قبلت وأقررت بتمايز الأدب الذي تكتبه المرأة لا من جهة انتقاص من هذه الكتابة أو من تمجيد لها ـ مع توفر مثل هذا الميلين لدى البعض ـ لكن أسباباً بيولوجية وفيزيولوجية واجتماعية وتكوينية وإبداعية في طبيعة المرأة تسهم في رؤية مختلفة للمرأة إلى مسألة الإبداع؛ من هنا كنت أعوّل على هذه الشريحة المبدعة أن تحمل لي بقوة أشدَّ، نبضَ القامة الشاهقة والشفافة لنساء ذاكرتي المتجددات، أن أستعيد بشكل أقوى أشواق جارات الصِّبا إلى الحرية والتوق والانطلاق؛ إن حالة الغربة التي عانتها القصائد كشفت أن الاهتمام بمضامينها أقوى من الاهتمام بالشكل لدى معظم الشاعرات، إذ لم أشهد اجتراحات قوية، خاصة لدى الجيل الأخير الأحدث سناً وكانت المفاجأة الابتكارية لي قادمة من الجيل الأنضج ـ الأكبر ـ فقصائد ديا جوان، تقدم قصيدة تنتمي بشكل أو بآخر إلى القصيدة الشفوية أو قصيدة اللقطة أو القصيدة اليومية الحياتية بلغة بسيطة ولكن عميقة، تبدأ عفوية ولكنها تنتهي بسحابة عطر أو عاصفة في الذهن؛ طموح قصيدتها بسيط ولكنه ذو كبرياء.. هل هو طموح الفن؟!! وإذ هي تطمح فهي مترددة لتحميل كتابها طموحَها، وهذه خطوة جميلة بِِكرٌ في الكتابة الكردية بعيداً عن الصخب وضجيج الشعارات؛ في ظل ما يحيط الكرد وقضيتهم .. طموحُ قصيدتها رقيقٌ أن تفكَّ أسر دمعتين:

سيشعر هذا الكتابُ

بسعادةٍ غامرة

إذا استطاع

فكَّ أسر دمعتين.

لقد أدهشتني قصيدة ديا جوان بهذه العلاقة الحميمة مع المفردة والقصيدة والكلمات والتحاور العفوي مع الحرف؛ لقد أشعرتني بموئل الفنان الأخير؛ بأنه في النهاية يكتب قَدَره وحيداً وله الحق ألا يزاحمه أحد على هذا الحضن الدافىء الباذخ، حضن الأبجدية، وأن مهارةً خاصة تلزم في التعامل مع هذا الكائن الرقيق الهش لكن العصيِّ حتى درجة الذوبان والأثيرية:

أوصيكم أن تحملوا كلماتي برفق

برفق تحملونها وتضعونها

كي لا تتصدع

كي لا تنكسر.. لا تنفجر

حينما تتلمسونها

انتبهوا

فلتكن أصابعُكم

رقيقةً في التعامل معها!

وحتى في مقاربتها لأوضاع شعبها ومعاناته نراها تسعى لهذا التجسيد الحروفي، وكأن لسانَ حالها يقول أتألم ولكن على طريقتي الخاصة، أحترق ولكن بناري الخاصة..! دعوني أعاني، ولكن بطريقة مبتكرة، ولاتبهظوا كاهلي بشعاراتكم وبياناتكم فقط تأملوا لوحاتي التي أرسمها:

كلما شاهدتم

الآلامَ تنحدر من كلماتي

ووجدتُموها تنقر رؤوس بعضها

ورأيتم سطوري

تعضُّ صفحاتِها..

اعلموا

أن أسراب البوم

قد عششت

في القامشلي

وديار بكر

ودهوكَ

ومهابادَ..!!

حتى حلبجةُ  نفسُها جاءت إلى القصيدة دونما انفعال ولا تفجع ولا رثاءات عالية؛ جاءت حلبجة بطريقة عدمية، جسدت عمقَ الكارثة وفداحة الجريمة..، حملت كل التنديد لمن تسبب بها ولمن سكت عنها ولمن أخّر تنديدها وبشّرت بالخِزي لمرتكبيها.. وبأسلوب أوحى في مقطع بسيط بمأساة ومجزرة:

كانت الآلام لاتزال متوقدة

كان الموت لا يزال ساخناً

كان السم لا يزال يسدل

ضفائرَه على قَوام حلبجة..

من الشام كنتُ أغطي بالجروح الجديدة

جروحي..

وإذ رأيتُ شبح إنسان فَزِع هارب

من حقول الخردل والسيانيد

يتجه صوبي

ويريد أن يحاورني

بلسان أخرس

وبكلمات صفراء

هددته أن يبتعد عني

وتوعدته بالقتل

فسخر من وعيدي

بأن الأموات

لايقتلون!!

لقد استطاعت ديا جوان أن تجسّد بحق خريطة الوجع الكردي بأنوثتها..، عبرت عن قلقه وعدم استقراره واللاأمان الذي يستشعره في هذه الحياة، بغرباته العديدة التي يكابدها؛ والوجع الكردي مجهض بجناحيه الذكوري والأنثوي، ولكن القصيدة في النهاية امرأة، فلا غرو أن الأوجاع تصبّ فيها طامعةًً في حنانها العالي؛ ومن هنا كانت موهبة ديا جوان المتألقةُ كفيلةً بالمسح على جانحي هذا الوجع بفوح إبداعها؛ لتمنح هذا الوجع فرصتَه القصوى في التعبير عن نفسه، ولتثبت أن الإبداع والابتكار لا عمرَ له، ولتكون أنموذجاً في القصيدة الكردية الجديدة التي تُكتب دونما ادعاءات ولابلاغيات بهلوانية ولاسفسطة متفاصحة. لنصغِ إليها وهي تسعى إلى حل شعري لتناقضٍ مريرٍ تمر به الأمم، خصوصاً في أطوار سعيها لنيل حرياتها:

 ترى كيف

الضغينةُ والحب

ينبعان من  نفس القلب؟!

وكيف الفردوسُ والجحيم

يظهران من نفس الحب؟!

وكيف

الملاكُ والشيطان

يولدان من بطن واحد

كيف الوردُ والشوك

ينبتان من غصن واحد ؟!

و

أنه من سبطانة نفسِ البندقية

قد ترفرف

راية الذل

أو الحرية!

الغربةُ مفردة أليفة لدى الكرد، إنهم يعانونها ويعاينونها ويعايشونها.. في أوطانهم..، يعيشونها في الأسماء التي تفرض عليهم واللغات التي تتحتم  عليهم وأسماء البلدات والقرى والتواريخ التي لا شأن لهم بها والقصائد والأناشيد التي يختنقون بغصة لكناتها.. يفكر الكردي بلغة ويتحدث بلغة، ولاتدري أيهما أرحم هذه الغربة الوطنية ـ إذا صح التعبير - أم تلك التي غدت آخرَ وأسهل الحلول التي يلجأ إليها الكرد قسراً أو طوعاً، فيغادرون ليظلوا طوال حياتهم مقارنين بين الأقسى في الغربتين، هذه الإشكالية لها مساحتها الكافية من نص ديا جوان ودونما كلل:

ليت أمي قالت:

أن الطفلة التي أنجبتها

ماتت في يومها السابع

أو قالت

أنها قضت في سنتها الأولى

بمرض الحصبة

أو في سنتها السابعة

جرفتها مياهُ النهر

أو سقطت في سنتها العاشرة

من شجرة العفص و

ماتت..

وليتها لم تقل

في سنتها الرابعةَ عشرةَ

أعددتها لقمةً سائغةً

ورميتها

بين فكي غربة..

ورغم السواد الشديد والليل المدلهم، فثمة أملٌ كبير وعريض تحلم به الشاعرة، وهو زاد كل الكرد، والراية التي يسلّمها الأجداد إلى الآباء فالأحفاد، ولعلها سرّ وجودهم والإكسير الذي يمدّهم بأسباب البقاء ويحفظ ذاكرتهم طازجة رغم أمواج الرماد؛ في انتظار طائر الفينيق النوروزي الذي ربما يقبل ذاتَ سانحة على هيئة زغرودة ما:

الماءُ الأكثر صفاءً

ينبثق من الصخر

الوردة الأطيب فوحاً

تنبت من الشجرة الشائكة

الفرحُ الأكبر

هو الذي يزغرد

من كردستان..

ولكن ديا جوان تظل شاعرة الاغتراب بتميز وذلك آتٍ من الوعي الشقي الذي يتميز به كل مبدعٍ، فهو أبداً يعيش في ظلال حلم متهافت تتكفل كل يقظة بالبقية الباقية من روائه:

كلما استيقظتُ

أتناوم من جديد

في النوم أرى الأحلام

في الأحلام أرى الحرية..

الإنسان ـ على الإطلاق - يهمها بشكل واضح، ومدى تحقق معنى وجوده، ومدى تقديره لحضوره ودلالات هذا الحضور في أن يحظى بكرامته وشموخ قامته في ضعفه وقوته كما هي الطبيعة البشرية:

ترى كيف تعد نفسك إنساناً؟

إذا كانت اللقمة تسلبك

والدرهيمات تعميك

والخوف والفزع يشلانك؟

كيف تكون إنساناً؟

إذا كنت تتعامى عن الحق

وتغتال الآمالَ

إن لم تكبُ ولم تنهض.

إن لم تخطيء ولم تصب

إن لم تقسُ ولم ترقَّ..

لكنها مع كل قصيدة تتوسل الحكمة والأمل ولمعات الكوى البعيدة، يظل هناك خوف وقلق وارتباكات لا تبعث على الأمان والاستقرار، يظل هناك خوف مشروع من هذه الغربة التي تتخذ مع الإنسان عموماً والكرد خصوصاً أشكالاً متنوعة وعلى هيئة بواعثَ مختلفة، بعضها مستمر وبعضها انحسر مفسحاً المجال لمخاوف واغترابات أشد قسوة وضراوة تحبل بها حياة الكردي كل حين:

حينما كنتُ طفلة

كنت أخاف الذئابَ

والموتى والقبور

كنت أخاف

من الشرطة والبوليس.

الآن

فقط

صرت أتوجس من الغربة..

ثمة سرابٌ يلح حيناً بعد حين على قصيدة ديا جوان وهي بدورها تعزف على وتيرته بإتقانٍ بارع، إذ هي تقارب حالةً نيتشوية إذا صح التعبير لأن المبدع الحقيقي ليست لديه القدرة في المخادعة وتلوين المشاهد وزخرفة الكوابيس وتسميتها زوراً بالأحلام الوردية، إن مهمته الأساس أن يحارب الزيف على مستوى قصيدته على الأقل:

كلما عطشتُ

اضمحلتِ المياهُ

كلما هرولتُ

نأتِ الدروبُ

كلما أصبح حال الدنيا فتياً

شاخ قلبي

كلما خطتُ أفواه الجروح

وجدتها

تتغور من الداخل

وتزداد عمقاً..

وربما لي أن أجتهد أن الشاعرة تميل في الطابع العام لقصائد ديوانها الذي ترجمتُ بعضه تميل إلى مملكة الحنان الأقصى والهدوء المكابر والتأمل  الفلسفي الذي يسبك حِكَمه دونما قسر ولا تصنع فتهبُّ نسماتُ الحكمة في ـ حديقة تأملاتها ـ ممزوجةً بأنفاس طاغورية  بوذيةٍ زردشتية:

حديقة التأملات

تفتح في الليل بابها

بوّابها

الإحساسُ

والمشاعرُ حارسُها

الينابيع التي تسقيها

كلتا العينين..

فترثي لحال إنساننا، وتندد ضمناً بمن يصنع هذا البؤس ولايترك الآخر ينال فرصته الكاملة في الحياة الآمنة الخالية من مظاهر التعاسة والإساءة بمختلف مسمياتها، إنها ترمي بحكمتها في وجه تلك الفئة التي امتهنت تعكيرَ صفوَ الحياة وابتكار ميتاتٍ متعددة للإنسان والتربص به في كل فرصة وسانحة كالأقدار الضارية:

مرةً واحدةً

يولد الإنسان

زائراً الحياة

جميع الناس يعرفون هذه البديهة!

لكن التي يجهلها الجميع

ترى هذا الإنسان

كم مرة سيموت

في هذه الحياة؟!!

ولها بما تختزن من عمق التجربة ـ في الحياة والإبداع ـ أن تدعو مخاطبها إلى مكاشفة خالية من المواربة داعيةً إياه إلى البوح والتصارح والصدق وممارسة حقه في أن يقول كلمته ويمشي:

حينما يخنق الإنسان في أعماقه

الصدقَ

فإنه يصبح دملة

تتقيح

تنفقأ.. تنفجر

ليظهر جلياً

في ملامح المرء

وفي العيون..

وتشف وترقّ في مقاطع قصيدتها لتصنع من عادية الكلام شعراً متسامياً بمضامين تقترب من القلب كثيراً، مؤكدة أن قوة القصيدة تنبع منها لا مما يفرض عليها، فالكلام بسيط، ومع ذلك فهو عميق وموحٍٍ وخلاب.. يأخذ أقصى تجليات البساطة في العمق والعمق في البساطة في تذكر أمها وارتباطها القوي بالأرض حتى في توحمها على التراب الأحمر:

حينما تتوحم النسوة الحوامل

يشتهين الحامضَ والمالح والحلو..

أمي فحسبُ

في توحمها

كانت تشتهي الترابَ الأحمر!

ديا جوان في ديوانها "دموع ذابلة"، قربتني كثيراً من طزاجة ذاكرتي في حيزها الأنثوي وهو الحيز الغالب بالتأكيد في هناءة غمرتني ممزوجة بشجن خفي .

أما الشاعرة كجا كرد ـ مقيمة في ألمانيا- فإنها تدأب في شعرها الذي اطلعتُ عليه على توصيف اجتماعي أو وطني للشعر، ولا ملامح للمكان الأوروبي في قصيدتها، إلا بقدر ما يحملها على - جناح الذكرى - إلى بيادر الوطن وبراريه مصايفه ومشاتيه، والغربة في قصيدتها حنين إلى مرابع الطفولة واستدعاءٌ حميميٌ لها، وإذا ما لمست ظاهرةً في بيئتها الجديدة فهي سرعان ماتوظفها لمفهومها عن دور الشعر الاجتماعي الوطني؛ فهذا نداء إلى ـ بابا نويل ـ كي يخرج من شرنقته في نصف الكرة الشمالي الأبيض، ويتجه وجهةً، تحددها له  "كجا كرد" في إيحاء إدانةٍ لكافة الأطراف التي تتسبب في تفاقم مأساةٍ مرصودة للمستقبل ولكافة الاحتمالات:

ليته لم ينسَ الطريق

المفضيةَ إلى وطني

ليته يمم صوبَ بلادي

ليته وطىء قلبَ الثلج

وملأ حفنته

من ذوبه

ليمسح بسائل بركاته تلك

الأحزانَ عن وجوه البنات الصغيرات ..

والسعادةُ الحقيقة خُلِقت مرةً واحدةً في الوطن وإلى الأبد، وكل حلم خارجه عبث ووهم، والفرصة الوحيدة التي تتحينها كجا كرد في قصيدتها لبعث تلك السعادة وتجديد ذلك الفردوس المفقود هو رحلة حلمية سريعة إلى تلك الجِنان المعلقة، التي ما تنفك ترودها وتطوف في بهجاتها النائية؛ لكنه حلم سواء أكان مناماً عذباً أو حلم يقظة، فإنه منقضٍ، هذه ذروة المرارة التي تتوشح بها قصيدة كجا كرد في اللاطمأنينة التي يفرزها وطنُ الاغتراب للفئات العمرية التي كلما التفتت شطرَ الوطن انبعثت الحسرات على الشطر الأهم من العمر اللابث هناك؛ والذي ما ينفك يخلخل معادلة الوطن ـ الغربة ويظل ينشد توازناً مفقوداً حتى الشعرُ يَضِنُّ به والأحلام أيضاً:

 ترجلتُ فوق الهضاب العاشقة الحبيبة

كانت الروح ومشاعرها تتعانق

وسريعاً انبعث ربيع القلب

في المصايف انهمرت الذكريات

صرنا أنا والسعادة صنوين

في تلك اللحظات

حيث في أغمار سرابها

كنت أتوه

كنت في ما يشبه غيبوبة سعادة لانهائية

فجأة وأنا أتقدم

غدوت وجهاً لوجه

أمام الحقيقة المريرة

أمام الحقيقة:

لقد مست جبهتي زجاجَ النافذة

زجاجهَا البارد الصقيعي

لقد استيقظت من أعماق تأملاتي

وفجأة

هويت من جدار الحلم..

لقد أيقنتُ وأنا أبحث عن النص الأنثوي الكردي أن ثمة قطعاً بين جيل "ديا جوان، كجاكرد، ونسرين تيللو"، التي للأسف لم أتمكن من الاطلاع على نصوص لها في سوية شهادتها المتميزة للملف، ثمة قَطْع واضح بين هذا الجيل والجيل التالي ببون زمني شاسع، يمتد عقوداً، لم أعثر لنفسي على تبرير مقنع له؛ ربما للحِجْر الرقابي على النص الكردي دورُه في ذروات القمع النصيب الأوفر لهذا التبرير، حتى أن نصوص ديا جوان أيضاً رغم تجربتها المديدة لم يتيسر لنا الاطلاع عليها إلا في العقود الأخيرة بعد أن أتيح للنص الكردي بعض الهواء ليتنفس بعيداً عن العصي والخيزرانات، ولكن لا نبرئ أيضاً قسوة العلاقات الاجتماعية حيناً والتابوهات المختلفة الممارسَة تحت مسميات عالية النبرة والوعيد؛ ومع ذلك فالمواهب القوية كالنبتة العنيدة التي تصدع الصخرة وتظهر متبرعمة ومشاغبة ولذيذة وممتعة، تنشد الذروة وقمة التألق وذلك بجدارتها فحسب، ومن هنا ظهرت في العقد الأخير نتاجاتٌ أنثوية أفلحت في ترتيب وتخصيب بيئة شعرية أنثوية جديدة متدفقة، إني أصر على أن نجاح النص النسائي ينبع من كتابة المرأة بأنثويتها تحديداً، ولعل ما يؤكد هذا الافتراض النصُّ الذي تكتبه شاعرتان موهوبتان: آخين ولات، وجانا سيدا، (ثمة أخريات مثل دلشا يوسف ومزكين محمود وبيوار إبراهيم، تتقاطع نصوصهن مع هذا التوصيف حيناً بعد حين)، فما يحالف آخين وجانا من نصيب النجاح، يُعزى إلى هذه الفرضية، أقصد النصَ الذي يقول أنثويته دون تحرج، بل ربما بمباهاة متطلبة، كل منهما أصدرت كتابها الأول، وأثبتت جدارتها بكتابة قصيدة كردية، همومُها همومُ المرأة الكردية أينما كانت.. غربتها.. قلقها.. خوفها.. هواجسها اللامتناهية.. رجاءاتها.. تطلعاتها، وإذا كانت الاثنتان تشتركان في هذه العموميات الشعرية، إلا أن ثمة تميزاً واضحاً في معالجة كل واحدة منهما لقصيدتها تختلف عن الأخرى، لاختلاف التجربتين واختلاف الرؤى واختلاف التطلعات والآفاق المرتادة. إن ما جعلني أجمع بينهما في هذا التقديم هو قراءتي لهما في وقت متقارب، وتميزهما في ساحة الأدب المكتوب بالكردية الكرمانجية عموماً والأنثوي خصوصاً في الشمال السوري تحديداً، ولكن بالتأكيد أجد نفسي الآن أقرأ كل واحدة على حدة.. فكل واحدة عالم موّار بأحلام تعيش مكابداتها، وتعاني طموحاتها في التحرر من ألف قيد وقيد يعيق انطلاقها وتفتحها، ورغم ما تعانيه تطلعاتهما الإنسانية والإبداعية والأنثوية من حصارات مختلفة، لكنهما ماضيتان في خرق كوىً لطيفةٍ بصخبها، ودودةٍ بفوحها متجددة بلغتها كوىً تبحث عن الأمل.. عن الشعر.. عن الآخر الذي غالباً ما يكون محكوماً عليه بالغياب مغترباً.. سجيناً.. ميتاً.. تائهاً؛ ثمة هذا الرجل الحاضر الغائب في قصائد آخين وجانا.. ثمة الرجل الراحل أو الموشك.. ثمة الرجل الغائب أو الموشك على الغياب.. ثمة هذه العلاقة الملتبسة بينهما.. التي تؤذن دائماً بنهاية درامية للقصيدة.. ثمة علاقة يحول دونها ألفُ عائق وعائق.. يتركها ناقصةً.. يخلقها فجة.. أو تقبل في غير أوانها أو تنتهي عبثية غامضة.. لا تحتفظ بمعنى مجدٍ.. وكما لدى شعراء الكرد غالباً ما يأخذ الوطن النائي والحلم نصيبه من قصائد الشاعرتين.. إذ ما إن يلثغ الكردي في عالم الإبداع ـ خصوصاً ـ حتى نراه يتدرب على الوطن -، فكيف بالشاعر إنه مطالب به أينما حلَّ، وغالباً ما تجده حاملاً إياه على ظهر القصيدة خشية اتهامات جاهزة!! وإذا كان يحضر لدى آخين بشكل قوي وسافر، فإنه لدى جانا أميل إلى التواري والسكينة، وأكاد أجزم فيما قرأت لكليهما أن وطن كلٍّ منهما يشبه نصهما.. وطنُ آخين وطنٌ موارٌ صاخبٌ مآسيه لا تتخفى.. عذاباته مكشوفة لا أحد يقدر على تغطيتها ويكاد يفعم كل حرف وكل كلمة وكل التفاتة.. حتى الرجل في قصيدتها له سيماءُ الوطن.. إنه ليس رجلاً من لحم ودم، إنه رجل سيماؤه سيماء الجبال والأنهار والجروف والوديان والصخور والآفاق إنه رجل يتمدد في وطن أو وطن يتمدد في رجل، بينما الوطن عند جانا أميل إلى التحديد والتعيين.. إنه كردستان أو مهاباد. إنه قاضي محمد أو عامودا. جانا أميل إلى التشخيص.. والرجل كذلك ليس تهويماً غيرَ محدد المعالم، إنه على الأغلب عاشق فاشل أو يقود العلاقة إلى النحر والفشل أو أب غاب في غير أوانه، لا تتساهل جانا مع مفردات قصيدتها، فلا تغلِّفها ولا تهيم حولها فتظهرها جليةً واضحة للعيان وببساطة وعمق. لنستمع إلى آخين في هذا التمازج الذي لا لبس فيه بين الحبيب والوطن:

أنت أيضاًً

ذكريات الصخور

ومنعطفات الجبال

تودعها أرق البحار

تضجعها رفيق الدرب

والجرح الواحد ..،

رفيق الحلم

والحب الواحد

رفيق نفس النداء

وذات الصرخة

هذه بلادنا

بهياج تطرق باب الله

بابتهال عنيف تنادي..

الوطن لا يغيب، حاضرٌ بكل مفرداته الحزينة في أشد اللحظات حميمية،  يحضر ويدلف ضيفاً شبهَ دائم، وربما ذلك عائد إلى مفاهيم التزامية لا يزال الشعر الكردي يعاني منها ويتكبل بها متأثراً غالباً بمدارس شعرية عالمية ذات نبرات حماسية عالية، وبشعر قضايا شعوب مجاورة ـ الشعر الفلسطيني ـ وفي حين أن شعراء هذه القضايا بدؤوا يتنصلون من نبراتهم العالية ومن حماستهم القديمة، لازال الشعر الكردي - باستثناءات قليلة - متردداً في اتخاذ قراره في تحقيق قفزات باتجاه شعر الحياة الذي يصنع نصه الموازي، ويبتكر تحرره من كل مايبهظ كاهله:

أقول ليلة سعيدة يا عزيز

وفيض أحلام..

لكن أيضاً..

وجمهرة من الثورات المجهضة وكثيرا من الصلوات!!

حلبجة

وخورمال

كثير من الابتهالات

ليلى

رهشان  وزيلان

وكثرة من النوروزات

والبكاء والرقص والدبكات

في سبع ليال

حكايتك تكفيها غفوة.. تكفيها دمعة..

إنه دون مواربة وطن لا ينفك يعلن عن نفسه رغم أن ثمة تصعيداً دائماً في العلاقة بين الحبيب والوطن، وليتبادلا المواقعَ بإصرارٍ لا لَبس فيه، إذ رغم أن الشاعرة تعلن عن طبيعة العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة وما فيها من شفافية وبوح وأسرار رغم الألم، إلا أنها تضطر تحت ضغط ذاكرة معينة إلى التسامي والتصعيد بالرجل إلى صليب البطولة، ونزعه من عاديته رغم أن تعامل الشاعر والشاعرة في الحياة العادية عادي أيضاً، فحتام سنكون قديسين؟!:

إنك قادم

ماء وتراباً وناراً

فراشة أنا

ألوذ بك

ألم صامت

على أثرها يموت

ليس الانفعال وحده

تقبل من هناك

بكل حبك

ها أنك قادم

أباً وأماً

والحبيب

إنه وطن أيضاً

ليس ماء وتراباً

فحسب..

وكأن قدر المرأة في حبها إن مالت إلى التشخيص أن تجد الحبيب نائياً وغريباً مغترباً؛ إذ في الوطن هو وطنٌ مفقود ومصادر، وفي المغترب غريب وناءٍ، وفي الحالتين هو عصيٌّ وشبحيٌ، فمتى يا ترى سيظهر هذا الرجل الصديق النزق الأليق الرقيق المراوغ العاطل الطالب المفلس المتمرد المخادع إنه في حالة كمون في القصيدة؟ لكن الواقع يزدحم به كل آن:

وفي هذه البلاد

المانحةِ الحزنَ

والظلامَ

أصابتني بَرْداء

من الحمى

أينما تذهب

فثمة

شمسُك العليلة

أيا ستوكهولم

أحلام وفكاهات

الطفولة

تُشنق

يرتعد قلبك

وجهاً لوجه

أنت وستوكهولم

في رأسك

كم من انشغالات

أيها الغريب..

وكأني بآخين ولات لا تجد الكردي إلا أمام خيارين: مغترباً خائضاً غمار غربات قاتلة غامضة قسرية غالباً، أو مأخوذاً بهاجس وطني ثورياً أو يحلم بها أو يساهم فيها، إذ ليس له أن يحيا حياته العادية كغيره من البشر، وآخين إذ تخوض قصيدتَها بهذا النَفَس فهي لا ترتكب إثماً بقدر ما تعبر عن حالة المرأة وهي تكتب الشعر محاطةً بمختلف الكوابح والموانع التي لها أول وليس لها آخر، وفي ظل هذا البتر الذي تعانيه العلاقات الجميلة، لاتنفك آخين تواكب هذا الغيابَ الممضَّ وهذا الفراق المحضَ الذي يتعمق نتيجة تكراره ويستحيل إلى لا مبالاة مفجعة:

ماذا جنيتَ من ركوب البحار

ماذا ظل لك من هذه الأسفار

ماذا جنيت ؟!!

قل ماذا وجدت من الآلام

وهذه الطفلة البريئة

من أمها

من أبوها

قل هذه المرايا

المكسورةُ

ماذا تقول

ماذا تريد

أنت أيضاً مثلي تجهل؟!

 

الدهرُ ماذا يريده من الأموات

من أثقال الجبال ماذا يبغي

ألا فاعترف

ماذا جنيت؟!

يحق لك أن تندهش لهذا الغياب المستبدِّ بقصيدة آخين وسيطرته الشديدة، ولكن ربما ما يفقد هذا الغياب مأساويته ويعكّر كآبته وحزنه هو أن تكرار هذه الثيمة واندياحها بشكل تراكمي يقربها من الميلودرامية أحياناً ويفقده تماسكه، لأن عدم تحديده وتشخيصه يفقده هيبةَ الغياب، ويغدو أكثر ألفة وعادية وهذا ربما يشكل مقتلةً له؛ يجعلنا نعتاد عليه مثل أصحابه؛ ولكن لنتأمل هذا المقطع الذي تقارب فيه الشاعرة مفرداتِ الحياة ولو أنها توقفت ببرهات أطولَ  عند شجرة يتيمة أو قوسِ قزحٍ وأسراب حمام ونهر، لأمدتنا آخين بأسرار أعماقها أكثر فأكثر:

أما تقول لِمَ

تركت الشجر يتيماً؟!

وأينما

أنحني

فبعينيك

أنت أيضاً بقتلي.

الآن تعال

كما أحب

لا كما القدر

كما تحب

لا كما أنا

تعال حدثني

عن سر غيابك

لم صامت

ومتجهم

كقوس قزح ؟

كما أحب تعال

اهبط إلى هذه الأنهار

قل لأسراب الحمام

أن تكون في انتظارنا

كما تحب تعال

في لون الريح والماء

قل لم أسرعت

في الغياب؟!

عبثاً أنشد سيماءَ المكان ونكهته في نصٍ أنجبته شاعرةٌ تعيش في مدينة كبيرة مثل حلب وعفرين فلا  جلسةٌ في حديقة ولا استراحة في مقهى ولا عبور في شارع.. ولا ترقب لموعد.. ولا معابثاتُ شبابٍ.. ثمة عمومية ولربما لأن الوطن قد أبهظ كاهلها والغربة النفسية أيضاً، وهذه ضريبة يدفعها الشعراء الذين يبحثون في أوطانهم عن أوطانهم، فيشغلهم هذا البحث أحياناً عن مواهبهم اللافتة، وأعتقد أنه قد آن أوان شعر الكرمانجية لكي لا يكرر المأساة الشعرية لبعض شعراء قضايا نضالية في المنطقة بعد تغير مفهوم النضال بالشعر.

إن هذا الشكل من الغياب وهذا اللون من الانتظار والنبرة التضرعية يضفيان على القصيدة الآخينية قيماً متكررة من حيث هي لاتتقصدها بالتأكيد، لكن بنية القصيدة التي ألزمت موهبتها بها تنتج مثل هذا النص الذي يكاد أن ينأسر في القصيدة الرسالة، وهذا يفرض النداء والوقوع في مطب الخطاب أحياناً، لأن هاجس الرسالة هو الإيصال وهذا ليس هاجس الشعر. إذ ليس للشعر من هاجس إلا القولُ وإضمارُ رسالةِ هذا القول والتعبير عن الحالة بأقل الجرعات العاطفية. قصيدةُ آخين عاطفية جارفة عنيفة متدفقة غنية ثرية موّارة، وأعتقد لولا أنها تلجمها لقدرت على كتابة القصيدة الديوان، وإذا كانت هذه الميزة تسجل لها من جهة تمكنها وعلو قامتها الشعرية، إلا أن ذلك يخنق القصيدةَ الحالة، ويتيح المساحةََ للقصيدة الرحبة المفعمة بالكلام والتي تكاد تقول كل شيء، وتخلق قارئاً كسولاً متلقياً أكثر مما مساهماً في تكوينها. قصيدةٌ لا تتيح للبياض حريةَ، والقصيدة إذ لاتتيح هذه المساحة البيضاء المطلوبة تضطهد القارىء والشاعر معاً. لنصغِ إلى آخين ولات كم تشفُّ وترق وكم تقترب من صفاء الشعر حينما تصغي إلى صوتها الخاص وإلى نداء أعماقها:

اسحب يدك

من قطف بنفسجات وجهي

ليست الورود فقط مُشوِّكةً

أخشى أن تجرحكَ دموعي!!

وتأخذ بلبك وهي تصفّي الليلَ وتقطّره في نبيذ قصيدتها فلا تبقي إلا هذه الصورةَ المدهشة لساحرات ليالي الصيف وهن يرتشفن حلاوةَ شفتيّ الحبيب، إن هذه اللوحة تُعدّ من بين أبدع اللوحات التي تأملتُها في لهيب الغيرةِ الراقدِ تحت  كثافة عتمة الليل:

ساحرات ليالي الصيف

 يرتدين  أحلام إناث الحجل

وفي برهة يرتشفن حلاوة شفتيك

الاثنتين في بداية عتمة الليل!!

وربما يحق لي التساؤل: كم تقارب آخين ذرىً إبداعية وتحلّق أكثر فأكثر إذا كان الحديث عن الليل؟ فلننظر إلى هذه الممازجة الآسرة بين ليالي الشمال ـ التي هي حزينة بالبداهة ـ وبين البنفسج وعيني الحبيب:

من ليالي الشمال

الحزينة لن أرحلَ

ولا عن بنفسج عينيك..

ومصداقاً لنظرتي الليلية عن شعر آخين، هاكم لوحةً أخرى عن هذه الليالي المنسكبة عن الأرق فقد فاض بها فهو أرقٌ جبّار وجشع، ولكن آخين تحيله جميلاً يتمناه كل منا ويطمح إلى مزيد منه:

شبراً فشبراً

تروز روحَكَ النائيةَ

هذه الليالي

التي تنسكب من أرقي..!!

ورغم أنها تلتفت إلى النهار، لكنها تلتفت إليه كنوع من استدعاء ذاكرة جاهزة؛ فهي تقر بالنهار لونَ فرحٍ وتفاؤلٍ وغبطة ومسرات، لكن هذا الالتفات مسايرةٌ للذوق الشعري المتسيّد، إذ في الحقيقة النهارُ والليل محايدان، ونحن نخلع عليهما مشاعرَنا ونقترب من الابتكار بقدر ما نبتكر نهارنا الخاصَّ أو ليلنا:

كنتُ أكثر من امرأة

وأنتَ أيضاً كنتَ أكثر من رجل

أحياناً فارسَ أحلامي

أحياناً مدينةَ نهاري

أحياناً أبي الذي من الضياء الأخضر

وأحياناً أيضاً الحبيب فحسبُ ..!!

آخين ولات أحد أهم الأصوات التي تكتب باللهجة الكرمانجية: ثراءٌ لغوي وموهبةٌ واضحة وانطلاق متميز، وسوف تترسخ  أكثرَ في تربة القصيدة الكردية الجديدة بقدر التفاتها إلى عالمها الخاص والحميمي.

جانا أيضاً خدينة  موهبة جميلة وحضور شعري لطيف، وربما جاء تميز جانا  في تخفيفها من الجرعات العاطفية حتى في أشد الحالات الإنسانية ألماً ـ فقد الأب ـ وما يشكله هذا للبنت من كارثة، نجدها أميلَ إلى الهدوء وهو بالتأكيد هدوء إبداعي يحترم موهبةَ القارىء ويمنحه فسحةََ التمتع بابتكارات النص، وربما هذه ميزةُ نصِّ جانا على العموم.. باستثناءاتٍ طفيفةٍ ـ قصيدة مهاباد مثلاً ـ أما معظمُ قصائد ديوانها المنشور فتجمعها هذه البساطة الآسرةُ التي تختزن بدورها عمقَ الحالة وجوانيتها ودُكْنتها وتعقيدها الذي يوحي ببساطة مخادعة:

أماه

كانت رائحة الشياط

تفوح من هدهداتك

وكانت عامودا مثل جمرة ملتبهة

تلمع

في خريفٍ غادرٍ..

لنستمع إلى هذه القصيدة التعويذةِ التي يقدر كل واحد منا أن يدوِّنها ويطويَها في جيبه ويحسبها لأمه:

أماه

رياح الجنة كانت تهب من صدرك؛

بدفء

كانت تدير رحى أيامي.

كنت أنظر إلى عينيك

عندما كان الدمع

مثل نجمتين يبرق فيهما

ومثل أمواج البحار

كان يصل إلى الشاطىء

لا الأمواج كانت تجتاز الشاطىء

ولا دمعك كان ينحدر

فقط كانت الحروف التائهة

الظمأى

تقطر من قلبي..

امنحيني حفنةَ مطر

من شتاء عينيك

كي يرحل هذا الصيف عن قلبي

لا أدري لِمَ الأمواج

تكشف عن حبك؟!!

وأنا الليلة

فوق هذه الرمال

مرهقة ووحيدة

فقط أماه

حبك والبحر

يسهران معي..!!

أما رسالتها الاعتذارية المتأخرةُ إلى أبيها فلا تحمل أيةََ أوهامٍ أو أية مفاجآت ولا ميلودرامية. ببساطة تقرُّ بالحقيقة دون تهويل ولا تصعيد تقديسي للراحل، فقط تقول ذبولَ روحها وتسرد أساها ومساحاتِ الحنان المتلاشية بهيمنة قدرٍ عاتٍ يحكيه صمتُ القصيدةِ لا نحيبُها:

اعذرني

كيف سأجيء

لملاقاة الخريف

وكنتُ أعتقد

أن أوراق الشجر وحدها تسقط

وما كنت أدري

أن عمري في خريف قاتل

سيتساقط

ورقة فورقة...

اعذرني

فلم يعد الحضن

يكفي يتمي.

احضنِّي بحرارة

حتى أضع رأسي المتعب

على صدرك

ودون أن أتقن النهنهة

كطفل صغير.

اعذرني

ماسيقوله لي التراب البارد

والذكريات ما ستقوله؟!

ولنتمعن في هذه اللقطة المعبّرة عن فداحة اهتراء الروابط الإنسانية واستحالتها- من أعمق وأنضر الروابط إلى أشدها حلكةً وقسوة وفظاظة - ولربما ما يبعث على الدهشة أن جانا تحمّل المرأةَ في هذه القصيدة جانباً كبيراً من القسوة، وهذا إن دلّ فإنما على أنها لا تحمل نظرةً مسبقة على أن كل ذكر هو خصم، وهذا يعود إلى أن كتابة جانا لقصيدة الحالة هو الذي يجعلها تفرز مثل هذه النظرة الواقعية ـ لا بمعنى الفجاجة ـ لكن بمعنى العادية البعيدة عن التهويل والتضخيم وافتعال معارك دونكيشوتية بين المرأة وطواحين الذكورة، وذلك ما تنأى عنه قصيدة جانا وذاك سر من أسرار تميزها أيضاً:

وحيدين كانا في تلك الزاوية

مثل طفلين

أضاعا طريق البيت

وصارا يلمان

أحلامهما من بستان الليل

وحيدين كانا

جدين عجوزين كانا

وجعاً فوجعاً

كانا ينقبان في

أيامِهما الآفلة..

بصمت كان يصغي إليها

كان يقطف لها

من كل باقة

وردةَ عشقٍ

بصمت كان يصغي إليها

كانت هي تزرع أشواكها

في قلبه

كالخناجر

لأول وهلةٍ يتخيل القارىء البساطةَ اللامتناهية في قصيدة الليلة الأخيرة لفراق مؤكد، ولكنه ممضٌ ومؤلم وقاسٍ، ويختزن طاقةً عنفيةً لا تدخّل للشاعرة فيها إلا بابتكارها إنها ـ تبدو- مثلنا متفرِّجةً ومشاهدة لهذه المسيرة المحكومة بالاضمحلال، فلا يلبث منها إلا آثارٌ طفيفة على الثلج يقظةُ النهار ستتكفلُ بتذويبها:

كنا نسير في الطريق

كانت خطواتنا تقبل الثلج

ويدانا المتعرقتان

كانتا تودعان بعضيهما.

في تلك الليلة الصامتة

لم يكن من أثر

على الطريق

سوى

آثارُ حب ضائع.

كل أمر يسير في الطبيعة بشكله المرسوم والجميل له، إلا هي وهو لا يتواصلان..!! إن الشاعرة إذ تصور يدي الحبيبة تموتان بين يدي الحبيب؛ فهي تخلق انطباعاً رمادياً لكل ما يحيط بهذا المشهد، فالمساء كالحٌ رغم نجومه المتقدةِ، والورودُ ذابلةٌ رغم تبرعمها، وهذه لعبةٌ فنية ذكية، إذ عبر بؤرة الأيادي المتحاورةِ ببرود ودونما حميميةٍ، تحكم على كامل المشهد بالرماد رغم مراوغته الظاهرية:

كل مساء

تتقد النجوم في

أحضان السماء

كل ربيع

تتبرعم الورود

في قلب الأنداء

فقط كل لقاء

يداي

تموتان

بين يديك!!

وحين ينقطع الرجاء بشكل لا لبس فيه، فالكلام والوعود رمادٌ لا أحدَ يقدر على تغليف حقيقتها بسيلوفان رومانسي ما. ولا يقدر على تمويهها بديباجات بلاغية تسوح لأول نظرة نقدية ساخنة تتفاجأ بها من قارىء شعري هو ليس سهلاً على كل حال:

أشرقت الشمس

مثل وجع جديد

لأول مرة كتبت لك كلماتي.

غربت الشمس

مثل فرح مقطوعِ الرأس

امتلأت غرفتي

من رماد كلماتك!

إن جانا سيدا تشنُّ القصائد بدأب على الطرف الآخر غير القادر على أخذ العلاقة إلى مَدَيات ـ قد يعتبرها البعض جريئةً ـ لكنها طبيعية  ومطلوبة في هذه الحياة المكفهرة التي طالما شكا الشعراء من ظلمتها المديدة حتى تخيلوها سرمدية أحياناً:

وشيئاً فشيئاً بين عينيّ وعينيك

الظلمة مديدة

متى سيطلع الصبح؟!

ويالبؤس عاشق لم يعد في قلبه مُتاح لوردة.. وردة واحدة فقط:

بستان قلبك

لماذا لا يتسع لوردة ؟!

وإنه لمصير فاجع ترسمه الشاعرة لسذاجة فراشة رومانسية اتجهت بشاعرية وحميمية إلى الرجلِ القنديلِ الذي لم يمهل اندفاعها، ولا غفر لها خضوعَها لداعي الحب؛ فأعد لها وليمةً فاخرة من الرماد:

فراشة كنتُ أنا

كنتَ أنتَ القنديل

أما عهدُنا

فكان في سهل الرماد..

لن أكون مغالياً في القول أن جانا كتبت في مجموعتها الشعرية ما يكفي من هجاء لهذا الذكر المتردد الخائف الذي دخل إلى اللعبة ليخرج خاسراً راضياً بخسارته، لأنه يستحقها بجدارة، كونه كان مكبّلاً بالأوهام الذكورية المتضخمة التي هزمته، وكان قد بنى معظم أمجاده عليها.. لكن هذا لا يعني أن جانا تحوِّل قصيدتَها إلى معركة بين الجنسين، فثمة تعبيرات عن الطرف الآخر وثناء عليه، فيظهر التوق والضرورة إلى الرفيق الآخر، فليس ثمة رفض بقدر ماهو دعوةُ عتابٍ وضرورةُ وجودٍ متعافٍ:

تنهمر الذكريات

وفوق  ثلج الآلام

أبحث عن

حضنك..

وثمة تأكيد على هذه الثيمة بجرأة لا فتة:

حضنك قوس قزح

بعد مطر الأشواق..

وثمة مدح وثناء حينما تتألق حديقة ما في أرجاء روحه:

أتساءل لماذا

كل حب

تنبت على شفتيك

وردةٌ؟!!

إن الشاعرة الكردية لا تكتب بالتأكيد خصوصاً ـ داخل أجزاء كردستان- في ظروف صحية، ورغم تمتعها بحرية نسبية في داخل بيئتها الأسروية، إذ أن خروج شاعرة من بيئة ما لدليلٌ على ما تتمتع به تلك البيئة من حظوظ تنويرية معقولةٍ إلى حد ما، ومع ذلك فإنك تَلْمَس أن كلَّ شاعرة قلما تنال حظوظَها المتاحةَ من الحرية والانطلاق في البوح كمثل الرجل، وهذا الأمر يشكل ضاغطاً وكابحاً إبداعياً كبيراً يجعل القصيدة في كثير من الأحيان تقول كلاماً متطاولاً ميلودرامياً فيه ثرثرةٌ ولوعة وانتظارات عقيمة وكلام إنشائي، وهذا يؤكد أن الإبداع الحقيقي هو الذي يتعافى في الحرية والانطلاق. جانا سيدا رغم كتابتها للقصيدة اللقطة ـ القصيدة القصيرة، تجدها قد اشتغلت على قصيدتها وشذبتها من كثرة من الأعشاب الضارة التي هي ثرثرة الشعر. جانا تقترب من عالمها الداخلي، وتصغي إليه بجرأة ولاتعير التفاتاً للتصفيق والأناشيد والصوت العالي. لاتستدر رضا القرَّاء.. لاتبحث عن قارىء ولارسالة لديها لتبليغها، تقول داخلَها ومشاعرَها وكفى. قدرها الشِّعريُّ أن تكتب دون افتعالٍ أو تصنّع ولابهلوانيات مقيتة، إذ أن كتابة القصيدة القصيرة يعني أن يدمر الكلام نفسه، ويفسح لعقل القارىء مساحتَه وذلك شعرٌ له أكثر من وعد وأكثر من أفق.. إن ما تحتاجه الشاعرة الكردية الجديدة هو إعلاء السمة الأساسية للشعر والتي هي إنجيل القصيدة الجديدة ألا وهي البساطة الآسرةُ، لأنها تقترب من أنفاس الحياة. من هواجس الإنسان المعاصر في حُمَّى الوجود. في الارتقاء بعادية الكلام إلى مرتبة الشعر. هل ستكتب المرأة الكردية قصيدتها؟! هل سيتاح لها الإفصاح عن رغباتها دون أن يعيقها  شعورٌ بالإثم ولا الزواجر والنواهي الصارمة ـ التي للأسف ـ غالباً ما ترتكب باسم الوطن والالتزام..؟!

ديلان شوقي أيضاً لها مساحتُها مما وصلني أو وصلت إليه من الشعر المكتوب بالكردية، وديلان تتقدم دون لافتات ولاشعارات وتقبل على الحياة والحب والدنيا بحبور وببراءة لامتناهية. إن أجمل الشعر هو ما نكتبه في غمراتنا الطفولية والتي نمزج فيها البراءةَ بالشيطنة والحلالَ بالحرام، ونخلط أوراقَ اللعبة ونبني بيوتاً على الرمال ثم نهدُّها. هل من يحتج أو يدين..؟! نحن نلعب..! ولاأحد يحق له أن يقاسمنا اللعبة إلا إذا قبل باشتراطاتها الطفولية غير البريئة!:

ليتَ الليل يكون

لي ولك لوحدنا

و

فجر حبنا

لايوقظنا نحن

العصافير..

وبمثل هكذا روح عذبة يحق للشاعرة أن ترتاد الكونَ، فهو ملعبُ حبِّها سوف تتصرف فيه بأريحية تامة وفق منطق الأمنيات، وهي أمنيات خفيفةُ الظل ومتطلباتٌ معقولة لا تهدّد أحداً مادامت بهذه الشفافية، وربما هذا سرُّ خطورتِها من جانب آخر:

لو كان حبكَ

نوراً

لكنتُ أخذته

من القمر.

لو كان ناراً وحرارة

لأخذته من الشمس.

لو كان نَفَس الريح

لزرعتُ الورود والحدائق

في كل العالم.

لكنَّ

حبكَ

حيّ

إنه ضمن الحياة..

وفي قصيدة أخرى ترسخ ديلان لعبتها بشكل أكثر جرأةً وأشد بوحاً، ولكن كل ذلك لايزال بحسب الحلم والأمنيات والصبوات:

ما الذي كان سيحدث

لو أنّ شَعري حلّ

على صدركَ ضيفا

ذات ليلة؟

ولو أن يديك ضفرتا

حقيقة ما

لحلمي؟

ديلان شوقي صوتٌ جميلٌ، يختطُّ لنفسه درباً ليس سهلاً، فهي متأنيةٌ في قصيدتها، لا تتخلّى عنها بسهولة، لكنها لاتثرثر، إذ قلما تشعر بكلام نافلٍ لديها:

ما الذي سيحدثُ

لو أننا،  أنا وأنت

فوق قمة "آغري"

أصبحنا كشجرتي "قزوان"

عشا للنسور؟

 

ما الذي سيحدثُ

لو أنني وأنت

صار أحدنا "دجلة"

والآخر "الفرات"

الضفيرتين المنسدلتين

على القامة

الفاتنة؟

والآخرُ معشوقٌ لذاته وبتقنية لافتةٍ تستدرجه الشاعرةُ إلى قصيدتها وتدلله، لكنه بالتأكيد قد سقط في شِباك القصيدة ولديلان مهارتُها في ذلك دون ريب:

لو أن حياتي كانت

وردة !!

بقيتْ في يديك

أو رميتها

شممتها

أو خبأتها

أنت حرّ

في كل ذلك.

لو كان قلبي نبعاً

إن أنت مررت بقربه

متجولاً

شربت منه

أو لم تشرب منه

إن أطفأت نوره بغبرة كبريائك

لك مطلق الحرية

لك مطلق الحرية..

وإذا انتقلنا إلى القصيدة الأنثوية الكردية المكتوبة بالعربية، فسنجد خلات أحمد وسمية عمر شيخي تتصدران المشهد، وأن كلتيهما قد قطعتا شوطاً بعيداً في هذا المجال. إن خلات أحمد ـ مقيمة في سويسرا ـ تكتب بحق قصيدةً متينةَ النسج تقف بجدارة في الصفوف المتميزة لقصيدة النثر المكتوبة بالعربية؛ وأجد أنها لم تأخذ حقها، ولا أدري سرَّ خَفَرها في النشر والانتشار، إذ أن هذه التجربة أوْلى بها أن تخرج إلى النور دونما إبطاء، لنصغِِ إليها في هذا المونولوج الذي يُومِىءُ إلى خبايا نصٍ قوي فيه حزنٌ شفيفٌ ينبلجُ عن استعاداتٍ واستحضارات أثيرةٍ غيرِ مبرّأةٍ عن الغياب والغربة والاغتراب لكن دونما مياعةٍ  و لا انسياح:

غرفتكِ مشرعة الذهول،

أمشي كل حنين إليها،

أرفو صمتها بالابتهال،

ألمّ همسكِ عن ثيابنا،

أنفض الصور عن أوجاعها،

أغني لكِ أغنيات المنفى،

وأستند على نقوش التوت العتيق..

وخلاتُ في أول سانحة ترفع هويتَها الواضحةَ البيان والمعبرة عن المرأة الكردية في الشمال السوري. إنها الشمالُ نفسُه في غمرة كَمونه وشرعية رغباته وتوثب أنامله اللهوفةِ للانعتاق والمتجسّد في هذا التشكيل الذي يغلب عليه المَيسَمُ اللهبيُّ، وكأني بخلاتَ تحاكي لحظاتٍ "فان غوغيةٍ"، كثيراً ماتشهدها حقولُ الجزيرة المنذورة للمناجل والأصياف الحارقة والرغبات التي لن تهدأ:

على كتفي البريتين

تستريح قرى الشمال، وأغاني الحصّادين

يسكرون من وهج التراب.

دوّامة الغبار

خلف كومة القش الكبيرة

تثير الرغبة في رؤوس أناملي.

إن خلات تكتب نصاً بليغاً في جرأته، فصيحاً في مراميه، أنثوياً شامخاً بجماله، عالياً في طموحه، تعبر عن الجسد ورغباته وذكرياته، وتمزج بين الرغبة والذكرى والانتظار والحبيب دونما تعقيد ولا شكاوى مائعة بين الجنسين. الجنس الآخر في تضاعيف النص، لكنه لا سيدٌ منتظرٌ ولا خصمٌ محارب ولا عاشق فاشل، ربما يكون كل ذلك، وربما تكون هي أيضاً كل ذلك ولم لا؟! فالدونية منفيةٌ من هذه العلاقة، ومن هذا النص الذي تبتدعه خلات باستمرار دونما عقد؛ فتعبر عن ذاتها وعن خلجات عواطفها وأحاسيسها الجسدية سواء كتجربة حدثت أو كرغبة كامنة:

يشفع الجمال لعريكِ،

ظالم غموض حناياكِ،

دأبكِ، دأب الألم،

لبريق عينيكِ أكثر من سببٍ،

ترهقين جسدكِ بالكبرياء.

إن المقطع التالي يختزن طاقة إيحائية قصوى تمزج فيها بين لحظة حميمة وتشكيل سريالي وبلاغة تنبع من النص ومن تلافيفه في بزوغٍ فصيحٍ لطابع إيروسي يعلن الرغبة ويعيد للذة الاعتبار:

أمام المرآة المشدوهة،

طوقتني،

سقيتَ القرنفلَ بسخاءٍ.

من جفلة الغزال الشارد،

أغمي على المرآة..

بجرأة تستمر خلات في قصيدتها، وبالامكان تفوقها في هذه الجرأة على قصائد كثرة من الشاعرات في العربية بامتياز، وهي إذ تقول الرغبة وتجلياتها، لاتفعل ذلك إلا في صورة تشكيلية عالية الرقي ومترعة البوح، ورغم تعددية الإيحاء بجانبها الحميمي لثرائها التشكيلي، إلا أنها في النهاية لاتوارب الرغبةَ، ولاتراوغ الإفصاح عنها، فالجسد حاضر في ذروة جماله وتفتحه ونضجه وسعيه إلى معارج الكمال عبر هذا السعي والتلقي. إن هذا النص يُعدُّ من بين أحد أندر النصوص الكردية التي لا تنظر إلى الذكر إلا كشريك دونما هالات ولاتطويب تقديسي ولااتهامات أوإدانات، إن خلات في شعرها أوحتْ لي بالمرأة الكردية في أنضر حضوراتها تبرعماً وتفتحاً ونشراً لعبقها دونما كبح من أية جهة كان، لأن المرأة هي الجهات كلها، إذا أتيح لها أن تتألقَ وما على الشاعرة إلا ـ ممارسةُ وظيفة القصيدة النسوية في ردم الهوة بين جسد المرأة ولغة هذا الجسد ليصبحَ للجسد لغةٌ تقول ذاتَه:

بعيون مغمضة،

تتفتح براعمي لحمحمة حصانكَ،

وشفاهكَ الكسولة، تلملم ثغري،

تنتظر جفاف ينابيعي،

لينقر الطيرُ مواضعَ الألمِ.

***

اللؤلؤ المتساقط على شرشف البارحة،

عين المرآة الشبقة،

الدانتيل الأسود،

لهاث الوعل في الاختباء

كنوز السرير.

واثقةٌ خلات من ذاتها وقد قرنت هذه الثقة إلى الكشف العابق بمنتهى العفوية، كما تعلن الزهرةُ عن فوحها، والطائرُ عن صوته الجميل، وكلاهما ليسا في عَجَلة من أمرهما، فالمسافة بين النفس والنفس شفافةٌ، وجرأةُ البوح ستتكفل بمعجزة صغيرة هي جدارةُ الأنثى بخصوبة وجودها، لكن دونما كرنفالاتٍ ولا صخب:

لستُ متعبة جداً،

ولا أنيقة جداً،

ولا يشغلني القمرُ أكثر مما ينبغي،

ولا أستعجل تدفقي المدلل.

ألقّن الوردَ بتمهلٍ،

كيف تتسع بتلاته، لمعجزة صغيرة.!

وبكرمها الباذخ تشفُّ عن مكنونات الأنوثة وثرائها الذي لا ينضب في مناخ العطاء والخصوبة الذي يعلن عن نفسه مع كل مقطع خلاتي:

جديلتي الأرجوانية

تلهث في الحنّاء،

تنام بين يديكَ حجلاً صغيراً.

ولاضير فالعطاء متبادل والهِِبَة تستحق الانتظارَ والصبر لأن الوعد يلمع ويضيء كعصارة قنديلية تنتظر أوان النضج والقطاف، فالجنى شهي والعسل في آخر القفير نداء الأعماق اللابث:

الطنين الهادىء للنحل في قفيره

ينتظر مثلي

نضوج الفاكهة.

بين جرأة خلات وفصاحة رغباتها ومتانة نصها، وبين الخبرة التي راكمتها سمية شيخي تهبُّ قصيدة شفاعة عمر رخية ندية أسيانة:

سأقطع أصابعي

ولن يمرَّ يوسفُ أمامي

ولن أسرق فرحةً من حضن غيري

سأقطع أصابعي

لأنها سلمتكَ بسعادة

مفاتيحَ مملكتي.

فثمة انكسارٌ وأسى وأسف على الجبهات جميعها، وثمة ثقة لم تكن في مكانها بحبيب غادر، وثمة مخاض أوشك على العقم فقد غدر وأنجب مأساة مهولة:

كمخاض الأزقة الضيقة العجوز

حين تختنق بالازدحام

كمخاض صحراء عقيمة

حين تنجب عاصفةً مجنونةً

كمخاض شارع مهترىء

حين تلعنه أقدامٌ ثقيلة

تمخضت أحاسيس

مخاضاً عسيراً

وكانت ولادة كلمة نصف مختنقة

سميتها "حلبجه".

وإذا كانت خلات لا تخفي مشاعرها، وشفاعة ترصد الغدر، ولا تنفك عن الإدانة. فإن سمية مشغولة أكثرَ بهاجس النص، إذ أنك تكاد لا تجني من قصيدتها إلا ابتكاراتها المستمرة؛ فلديها ولعٌ واضح بتأليب الحرف على بعضه، ونحتِ الكلام والسعي إلى الصورة المركّبة التي تقارب التعقيدَ، ولا تنجو أحياناً من الضبابية، وهذه الظاهرةُ منشؤها ربما الرغبةُ في التجديد والابتكار ومنافسةُ هواةِ هذا اللون من الشعراء الرجال:

خطواتي في الماء، "خطوات ـ دائماً ـ يغادرها المكان".

جسدي يخرج مني

يا مدناً من قش

على ناصية العمر سأتخبط كيومٍ،

وعلى أرصفتك سأحترق

يا مدناً من دخان،

كأنكِ عثراتُ شهيقٍ،

كأنكِ مدنٌ كانت من قش.

إن نصاً كهذا بأمس الحاجة لأرضية ينهض عليها كي يقولَ نَفْسَه بقوة أكبر، ولا يلجأ إلى الذاكرة أكثر، إذ لايَخفى على القارىء الشعري ثقافةُ الشاعرة، والتي لاتنفكُّ تكبح انطلاقَ موهبتها الجميلة، وتدسُّ هذه الثقافةُ وهذه الذاكرة القوية أنفََها في القصيدة على حساب الشاعرة، وحالةِ القصيدة، إذ تشعر أن الحالة مجهضة، بينما الثقافةُ متعافية، وتلمع بحرية بين ثنايا النص؛ إن سمية ستكتب نصها بحرية أكبر إذا دخلت إلى النص هي بذاتها، تتقدم نفسَها وتسبق ثقافتَها، حينها ستحوِّلُ نصَّها المتثاقفَ القويَّ إلى قصيدة نابضة في منتهى المتانة والحيوية، وذلك ماننتظره من موهبة ليست سهلة على كل حال:

في طريقي طريقٌ، جسد يوازي ظلي

ليس لابحاري أن يتمرفأ، ولا لشواطىء الرحيل

أنا الخلية

أحتشد في الورق، وجهاً ثقيلاً

أهترىء عند أول الأقلام

وعند أول النيران.. أحترق،

أنا الرماد،

أمجادي نارٌ، وطفولتي ورقٌ،

صوتي عميقٌ، وفمي لا يحدُّ،

أنا الرماد،

كيف لنثاري كلّ هذه الريح؟!.

إن النص السابق تلمذة قوية على النص الأدونيسي وفق مهارة لافتة، ولكن أين هي سمية؟! ذلك مايفتقده النص بجلاء، ولكن انظر إلى هذا النص التالي الذي تكتب سمية ـ فيه - نفسَها فإنك لتقرُّ مرغماً بصوتها الشجي الخاصِّ الذي يجمع بين الابتكار والصدق والألم والشكوى بعيداً عن الخطابية، وأيضاً عن المثاقفة والذاكرة الشعرية الحاضرة، لنصغي إلى سمية عمر شيخي، سميةَ نفسَها بكامل موهبتها وصدقِ حالتها وحيوية قصيدتها وذاك هو الشعر الذي لا اعتراض عليه:

كل الورود أصيصها قلبي.

وبين نبضة ونبضة

يورق الندى

أنني لؤلؤة،

ومحارتي صدف الكلام،

ولأنك تبحث عن قلبي

بمنقار عصفور خائف

سترسم الشمس ظلين

لجسد يموت في الظلام.

لا جسد للظل،

والجمر ممكن الرماد.

قدمٌ لينةٌ،

لا تمش على الماء.

أيها المنادى

عالقاً في وحلك

لن تلامس حكمة العشب ..

كلمة أخيرة عن النص النسوي:

تقول الكاتبة "شيرين أبو النجا": "النص النسوي هو النص الذي يأخذ المرأةَ كفاعل في اعتباره، النص القادرُ على تحويل الرؤية المعرفية والانطولوجية للمرأة إلى علاقات نصية". إن الكاتبة بهذه الرؤية المكثفة للنص النسوي قد لمست الجرح في تحرج بعض المبدعات من المصطلح وكأنه سبّة، ولاغرو أن التعامل مع المصطلح دونما عقد يمنح مصداقية أكثر لشعر المرأة، ويعيد إلى النص اعتبارَه القوي كحلٍ يسعى إليه الأنثويُّ لخلخلة الثقافة المهيمنة بطابعها الماضوي الذكوري، يسعى ـ الأنثوي - إلى النص الذي يكتبه رجلٌ جديدٌ في منطقة تجاذبات سوف يتكوكب حولها نصٌ يبدع جوهرَ الإنسان المتمازجَِ من الأبهى في الذكورة والأنوثة، وتوخياً لهذا التكوكب وطلاوة هذا التمازج كانت لي هذه المقاربة الاحتفائية من النبع الملطّخ بالجدائل، والمغموس بالمناديل والشرائط الملونة، والمفتوح على الخلاخيل والأساور والندى البارقِ على الخدود، أردتُها خوضاً لمعدن النبع وأعشاشه في ابتهاجاته وأعياده بمنتهى الودِّ المجرّد من المجاملة، ذهبتُ إلى حيث حَبَا الشعرُ ولثغ ورضع وترعرع، إلى حيثُ الأخوات والجارات وبنات البلد والأمهات والخالات والعمات والجدات اللاتي فجّرن في أرواحنا ماءً فراتاً وسحراً حلالاً، برّأتُ ذمةً من المنعطفات والمفارق التي كلّت من انتظاراتنا وما كللنا، نرود تلك المفارق لنبعثَ تلك الانتظاراتِ حيةً تسعى لتلدغ صدأ الذاكرة، نشهد التاريخ على غصاتنا وآهاتنا ودمعنا وفرحنا وأعراسنا المكبوتة والمقموعة، ولا نخجل من احتمالنا الأنثوي..! نداوي شِعْرنا الرجالي بالبلسم الشافي، نفتح شغافَ القلب على آخره، ونصدح مع الصادحات مع شقيقات أرواحنا، نجدد معهن المعنى الأشفَّ للحياة، نرسّخ مع المترسخين أن الحياة هي أنثى في نهاية الأمر، وأنها كلما تخففت من ـ طغموت - الذكورة كلما اقتربت من الطبيعة، لا نفتعل قسراً إذ نخصص هذه الفسحةَ من الروح لتجلينا الأنثوي، ولا نجامل، ومن سنجامل؟ هل تُجَامَل النفسُ والأحلام والصبواتُ في تجسدات الشعر الكردي سواء ما كتب منه باللغة الأم، وما يدون بلغات الأقوام ال