HAJALNAMA


 

 

 

هندرين

الحضور القلق للشعر الأنثوي، داخل جسد اللغة الكردية



إن الحديث عن إبداع المرأة والرجل، ليس بحديثٍ جديدٍ. هذا الحديث الذي أُنتج، وتقاسمه العالم الانساني والطبيعي بتسميات وأبعاد عديدة. ويعود هذا كله إلى بدايات الحداثة، واكتشافات (العصر التنويري). فالمنطق العقلي، وبأدواته العلمية، بدأ بحفريات في الوجود الانساني، والكون بأكمله؛ أي كما قال ميشيل فوكو، في كتابه "تاريخ الجنسانية": "أُكتشف الانسانُ في القرن السادس عشر، وأُكتشف الجنس في القرن التاسع العشر". والحديث حول هذا الأمر، ليس هدفنا.

لنقرأ هنا قصائد الإناث الكرديات، كيف تتحول أصواتهن الشعرية عبر حنجرة (حجلنامة)، إلى جوقة جماعية لأصوات تخترق حدود اللغة الواحدة، ويرنّ صوتهن داخل اللغة العربية. ولايضم هذا (الملف)، بالطبع، كل أصوات الشاعرات الكرديات، بل جزءاً من كلٍّ. وغياب الأخريات هنا، من الجائز أن يكونَ أصواتهن أكثر عمقاً وأنوثة. ومنهن: "سارا فةقي خدر، رؤذ هةلَبجةيى، بروسكة دؤسكى...، وأخريات"؛ وسبب عدم وجودهن هنا، يعود إلى صعوبة الحصول على نصوصهن.

يعتبر حضور الأنوثة الشعرية في مساحة الأدب الكردي طري العود، ويرجع الحضور العددي لشعر المرأة داخل الأدب الكردي إلى بدايات التسعينات، أي بعد تحرير كردستان الجنوبية من النظام الصدّامي. ونقصد بفكرة الحضور الأنوثي، هنا، الكم، وليس الكيف، لأن التاريخَ الكردي السياسي والإبداعي ليس بخالٍ من حضور المرأة.

في هذا السياق، نقرأ (لعبات شعرية) لـ "مستورة كردستاني". وهي تغني في زمن "إماراة بابان"، وتتحاضن مع رجولة "نالي"، لكي ترنَّ في زمننا هذا.

اختراقات، وألاعيب مستورة الشعرية، مقارنة مع أخواتها الحاضرات، أكثرة جرأةً وعفويةً. لأنها، أي مستورة، كتبت وعاشت بعيداً عن موضات (موديلات) الأيدولوجيا. تركت مستورة لنا "لعباتها" الشعرية الأنثوية بمذاقٍ وحيويةٍ كثيفة، ومتحركة كالشعر والأنوثة بحدِّ ذاتها، أي دون مكياجات مفتعلة.
هذه اللعبة الأنثوية الشعرية، من هنا وهناك، هي إنمائية لدى أخواتها الحاضرات في هذا الزمن. لأن الشعر النسائي الكردي الحالي، مثل الكثير من الشعر النسائي الآخر في الشرق، والإسلامي منه تحديداً، يعاني من إشكاليات عديدة، منها: الأيدولوجيا والمدارس الأدبية العديدة، التي أبدعت وابتكرت من قبل الرجل، وكذلك الحركات الأيدولوجية، وبما يسمى بالـ "
Feminism"، أي النسوية، وفكرة هذه الحركات كلها منقولة ومستعارة من الغرب. وغالباً ما تُستخدم هذه الأفكار من قبل المرأة في مجتمعنا بشكل غير ناضج. وتعود هذه الاشكالية إلى الحيرة الكبرى، وهي الرجل وتعامله مع هذه الأفكار التي تُجلب من الغرب، وتُفرض قسراً على مجتمعاتنا. المرأة هنا، ترتكب نفس الحيرة. من جانب آخر، تحاول المرأة الكردية في  جهود كاتباتها، بوعي أو دون وعي، أن تسجن نفسها في تقليدٍ لأسماء الشعراء الكبار (الرجولي). ومثالنا هنا "مهاباد قره داغي" وهي الأكثر تجربة عمراً وكتابة. بدأت مهاباد بعفوية، وانتهت بغطاء التسييس الرجولي.

 تكتب مهاباد محاولة أن تعبر عن الأشياء الحياتية والسياسية مثل الشعراء الرجال "المشهورين" في الشعر الكردي، وتحديداً، كرّستْ تجربتها بالأدوات الشعرية لـ "شيركو بيَكه س". بدأت "مهاباد" بقراءة أشعار شيركو،حتى تصطاد الأنوثة في شعره، بدلاً من أخواتها، أوالتجربة الشعرية للمرأة الكردية. وكان يفترض بها البحث عن الأنوثة في داخل الشعر الكردي النسوي.

من الإشكاليات الأخرى لدى الشاعرات الكرديات: الفقر في المعرفة الذاتية، باعتبارها كائناً جنسياً مختلفاً عن الرجل، الصوت الداخلي في نصوصهن، تارةً، هو الحنين، أوالمعاناة من سيطرة الرجل والتقاليد السائدة، وتارة أخرى، هو الصوت ضائعاً ومزدوجاً بين الأجناس، أي غياب الصوت الأنثوي، وبدلاً من صوتهن الطبيعي، يسيطر الظلُّ الرجولي في الوصف والتشكيل على عالمهنَّ الإبداعي. الضياع وقلة الإرادة دائماً يغطيان حضوراً على مساحة أصواتهن.

لنقرأ "فينوس فايق"، كيف تبني عالمها الانتظاري، أي "لوحة من الانتظار" لـه!:

"أشعل شمعة

فأشعل بها سيجارة

وأحرق بها غابة من الانتظار

أنتظر، ويموت جسدي."

وأخيراً يتحول هذا الانتظار الجسدي إلى انتظار عمري، أي وجودي:

"فيحترق يوم آخر

من عمري في الانتظار الأحمق".

ومن جهة أخرى، تحاول "فينوس"، أن ترفع من لغتها، وتلعب بلغة الأنوثة, لتثبتَ من خلال هذه اللعبة، الأنوثةَ اللغويةَ:

"لو كانتِ الأرضُ مذكراً،

لما خلق الله عليها أنثى..."

هذا التلاعب بالظواهر البارزة، يخلق جمالية شعرية باهتة. لأن العبارة تعطي القارىء تعبيراً أيدولوجياً، وليس خَلْقاً شعرياً.

وتمديداً لنمط "فينوس"، تعطي لنا "دلسوز حَمَهْ" مشابهة الصورة عن أفقها الروحي:

" ..... طيلة الشهور والسنين،

هي الطبيعة، تشبهني،

حتى في عزلتها". كل المفردات والرؤى تجري وتدخل في الحزن، ومرئيات لوجودهن الأنثوي. هذا الحزن ليس حزناً وجودياً، بل جنسوياً بحتاً. لأن اللغة التوجيعية هي اللغة التي تتجسد كائناً معروفاً وحالةً مفهومة.

هنا لابد من الإشارة، نحن عندما نركز على هذه النقاط الاشكالية في قصائد هؤلاء الشاعرات، هدفنا ليس النقد التهديمي، بل نريد لفت الانتباه الى هذه الإشكالية فقط. والجوانت الأخرى نتركها للناقدات فقط، أعني الناقدات الكرديات، اللواتي حاولنا في الوصول إليهن، لكن دون جدوى، لكي يمثلن أنفسهن، ومن خلال هذه التمثيل، يكتبن عن أنفسهن. لهذا قراءتنا هنا، هي مرآة عرضية، وغير تمثيلية، أي لا ترغب بتمثيل صورة المرأة الكردية.

على أية حال، تشارك هذه الأسماء هنا، وتتجمع، وفي نفس الوقت، تتضارب وتفترق حول مسألة مشتركة، وهي أنين وابتسامة الهوية، هذه الهوية هي المرأة وقلق وجودها. وفي جهة أخرى، تتضارب وتفترق حول نفس المسألة.

هذه التقاطعات والتضادات، تظهر جلية خلال طريقة الحياة وأسلوبية التعبير اللغوي. بعض شاعراتنا، عدا الكتابة الشعرية، نشيطات في حركات أو تجمعات، والتي تعمل لأجل تحقيق حقوق المرأة. ومن نصوص هؤلاء نرى انعكاس الأيدولوجيا السياسية/الجنسوية (النسوية)، ولكي نوضح فكرتنا، ينبغي الإشارة إلى أسمائهن: نزند بكي خان، نشيطة في هذا المجال، وتحمل الدكتوراة عن المستشرقين وآرائهم حول المرأة الكردية. مهاباد قره داغي سياسية وحاضرة في التجمعات النسوية الكردية. كزال أحمد، ظهرت في بدايات التسعينات مشحونة بكل الأدوات الانفجارية. وهي الأكثر شراسة، والأكثر إيروسية. لهذا عندما تعطي عفويتها الى هذه الاباحية الداخلية، التي تحملها في نفسها، نسمع انفجاراتها الأنثوية، ولكن عندما تستيقظ في نسيان السيطرة، تتعثر قصائدها في الشعارات، فتغطي الاباحية بالشعارات، واشكاليات الشعارات؛ والدخول في السياق الكلي، هو الثغرة المهلكة في المساحة الابداعية الانسانية ككل، وابداع المرأة الكردية بشكله الخاص. لأن الابداع الشعري ـ مثله مثل حركة الوجود الدائمة ـ يتوجه ويتحرك نحو خرق وتهديم الرؤيا الكلية، والاطارات الثابتة.

هذه الحركة، هي حضور الوجود، الذي يستقر في جسد الشعر. والشعر يخترق الوجود عبر اللغة، وهنا، قوة حضورها بحد ذاتها. من هذا المنطلق  السابق، تعود الاشكالية ونجاح الشعر النسوي الكردي إلى مستوى قدرة هذه الحركة. إن الشعر النسوي الكردي المعاصر، عدا أدواته المتنوعة والحديثة، فإنه يعاني من الارادة الكاملة ليعلن حضور وجوده المختلف كعنصر أنثوي.

وتعود هذه الاشكالية في جزءٍ منها، إلى المحيط الداخلي والخارجي: محيط العالم الآخر، أي أصوات الثقافات النسائية في الشرق الإسلامي، والمحيط الداخلي: انغلاق المجتمع الكردي من قبل السلطات الوحشية. هذا الانغلاق الذي جعل من كل الاطارات مغلقة أمام التغيير. لهذا أصبحت المرأة ، وتظل في دائرةٍ داخل هذه العالم المحاصَر.

هذه العملية تدفع المرأة أن تحمل هذا الانغلاق في داخل وجودها. وأخيراً، فإن هذا الانغلاق، يتحول إلى جزءٍ ثابت في تحديد وجودها. وعندما تصبح المرأة محاصرةً، في مصدر التقاليد السائدة، تتحول الى مونولوج. وهذه الحالة تسجن ارادتها، وتمنعها أن تتحرك نحو الحاضر، لتخرق هذه الأُطر. لهذا نرى الخطاب الأنثوي داخل اللغة الشعرية، لهذه الشاعرات، قلقاً، ولغتهن الشعرية متقطعة: مسموعة ومهموسة، أبوية وأنثوية.. هكذا.

إذن تصبح مستورة كردستاني، مسموعة من هناك، وهنا على السواء, ويتقدم صوتها عبر، وفي أمواج الزمن نحو الحاضر، وتعلن حضور وجودها بحنجرة هذا العصر.

ستوكهولم/ سويد

 

www.tirej.net

 

 

 

 


الشجن الثقافي الكردي

 كِتابُ المحاورات

 مقام الضيوف

 أنتولوجيا تيريز الشعري

 دراســـــــات فكرية

 سجالات نقدية  

 الكلاسيك الكردي 

 الشعر 

 القص 

 الرواية 

السينما الكردية

المسرح الكردي

 أدب التاريخ 

 التشكيل الكردي 

 الموسيقا الكردية 

 كتب الكترونية 

 تقارير ثقافية  

 اصدارات كردية 

 كتابات جديدة 

ريبورتاج

 ثقافات العالم 

 مواضيع أخرى  

القسم الكردي

 

tirej@tirej.net 
جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 
©www.tirej.net.2006